Home: Feature

المساعدون: طلاب يمنيون يبيعون العلم لطلاب سعوديين

في ظل الحصار والحرب والحجر الناتج عن جائحة كورونا في اليمن وجد بعض الطلاب اليمنيين سوقاً لبيع معرفتهم لطلاب سعوديين

زهرة القدسي
1 مارس 2021, 10.56
طلاب يمنيون في جامعة صنعاء. تموز/يوليو ٢٠٢٠
|
Mohammed Mohammed/Xinhua News Agency/PA Images. All rights reserved

في الوقت الذي أُخرجتْ فيه الجامعات اليمنية من تصنيف التايمز لأفضل الجامعات العربية والعالمية بسبب الحرب والحصار منذُ سنوات، وأدرجت بعض الجامعات السعودية لنفس التصنيف باعتبارها الأفضل، اتجهت مجموعة من الطلاب اليمنيين للعمل لدى طلاب سعوديين، وذلك من خلال تقديم خدمات تتضمن بيع إجابات للواجبات أو تنفيذ مشاريع التخرج، أو حتى إجراء امتحانات بدلاًعنهم وإرسال الإجابات عن بُعد. هؤلاء يُعرفون في اليمن والسعودية بالـ"مساعدين".

علي صالح (اسم مستعار)، طالب بكالوريوس متفوق في سنته الرابعة في جامعة صنعاء، أحد الذين لجؤوا إلى هذا النوع من العمل. يتحدّث علي في لقاء معه عن تجربته في تقديم ما سماه "خدمات تعليمية" للطلاب السعوديين وكيف دخل إلى هذا المجال خلال فترة توقّف الدراسة بحكم الحجر المنزلي، يقول: "طُلِب مني أن أجيب عن واجب لطالبٍ سعودي في مادةِ الفيزياء وكان أول واجبٍ مدفوع بقيمة خمسين ريال سعودي (١٣ دولار أمريكي). نفذتهُ وحصلت على الدرجة النهائية، وبعد ذلك ذاعَ صيتي كمقدم للخدمات الطلابية."

علي جاءهُ الطلب عبر أحد أصدقاءهِ ممن استعانوا به لحل مجموعة من الواجبات في اللغة الإنجليزية لطلاب من جامعة جازان السعودية. وبحسب علي، فإن جازان هي الجامعة المتصدرة رأس القائمة بطلبات الإجابة عن الواجبات ومشاريع التخرج.

بالنسبة لمحمد عبد الوهاب، أستاذ علوم الإتصال في كلية الإعلام بجامعة صنعاء، والذي كان رئيس قسم الصحافة والإعلام بجامعة جازان في السعودية بين عامي ٢٠١١ و٢٠١٢، يقول: "هذا الأمر معروف ومنتشر في كثير من البلدان كمصر واليمن وغيرها، ولكن يكثر في أوساط بعض الطلاب الخليجيين بحكم توفر المال لديهم."

We win on government secrecy!

We’ve just won a three-year transparency battle against Michael Gove’s department.

Can you help us keep fighting government secrecy?

ظاهرة الغش هذه ليست وليدة جائحة كورونا وما تبعها من إغلاق، ولكنها زادت بشكل كبير بعد شهر مارس/آذار ٢٠٢٠ مع تحول الكثير من قطاعات الأعمال بما فيها التعليمية لاستخدام التواصل عن بُعد. وفي اليمن وبحكم رداءة البنية التحتية للطلاب والجامعات معًا، إضافة لبطء سرعة الإنترنت، لَزِم الطلاب منازلهم من دون عمل أو دراسة فاتحين المجال لاكتشاف فرص عمل جديدة. علي ليس الحالة الوحيدة ولا الأولى: "صديقي سبقني بإسبوعين إذ جاءهُ الطلب عبر طالب في قسم هندسة الميكانيك يعمل في هذا المجال منذ أكثر من عامين، وكان يشتغل لطلاب سعوديين واجبات وبحوثات ومشاريع تخرج."

هؤلاء كان عملهم في السر خوفاً من ازدياد المنافسة والتخلي عنهم، بحسب علي. آنذاك كان هناك شعور لدى الذين يقدمون هذه الخدمات أنه بكشف مصادرهم سيتم التخلي عنهم وتزداد قاعدة المنافسين في أسواقهم الطلابية الجديدة.

عبدالله جمال (اسم مستعار)، طالب بكالوريوس ومحترف في مجال المتحكمات والذكاء الاصطناعي ويسكن في صنعاء. بداية عبدالله كانت مشابهة، إذ يقول أنه طُلبَ منه عن طريق أحد الأصدقاء أن يجيب عن سؤال لأحد أقرباء صديقه في مجال البرمجة والحاسوب بالمجان، ثم توالت الطلبات، مما دفعه للشك أن الخدمات ليست خدمات عائلية وأن صديقه يتقاضى الكثير مقابلها. بعدها قرر البحث عن اسم الجامعات على تطبيق تلجرام لتظهر له مجموعات الطلاب، وهكذا بدأ بتقديم الخدمات مقابل مبالغ مالية من دون وساطة أحد.

ظاهرة الغش هذه ليست وليدة جائحة كورونا وما تبعها من إغلاق، ولكنها زادت بشكل كبير بعد شهر مارس/آذار ٢٠٢٠

أظهرت الكثير من المجموعات وتحديدًا على تطبيقي واتساب وتلجرام عاديةَ الظاهرة في السعودية، إذ تتواجد على سبيل المثال مجموعات رسمية للجامعات، وكل طلابها منضمين إليها مسبقًا بغرض تقديم شروحات، أي حصص إضافية مع مقابل مادي. وهناك مجموعات أنشئت خصيصًا لتنفيذ واجبات ومشاريع تخرج، ولحل الامتحانات مقابل بدل قد يصل إلى ٢٥٠ ريال سعودي (٦٦ دولار أمريكي) للامتحان الواحد.

كيف تتم العملية ؟

يرسل الطالب السعودي سؤال عن من يعرف الإجابة عن واجبات أو امتحانات مادة معينة إلى المجموعة المتخصصة، لتنهال عليه العروض من مقدمي هذه الخدمات وهم في معظم الأوقات طلاب يمنيين. يقول علي أنه في السابق مع بداية الظاهرة، كان إعلان من سطرين كافياً لتصله طلبات عديدة، أما الآن مع اتساع قاعدة المنافسين، اختلف الوضع. وبحسب علي كان عدد من يقومون بهذه الخدمات في بداية الحجر المنزلي حوالي السبعين طالبًا، أما الآن فالعدد أكثر بكثير: "ننشر الإعلان ولا أحد يرد مما اضطر كثير من المساعدين لارسال الطلب بأنفسهم للطلاب السعوديين. الآن في المجموعة الواحدة نجد عشرون ألف طالب يمني وألف طالبٍ سعودي."

لا يقتصر الطلاب على الجامعات السعودية وإنما هناك طلاب من جامعات إماراتية وكويتية أيضاً ولكن هذه الجامعات عُرفت بصعوبة امتحاناتها لذلك يتم رفض تقديم خدمات للطلاب على الرغم من ارتفاع الأجر. يقول عبد الله أنه ذات مرة حصل على 3/10 في امتحان لطالبة كويتية ومن بعدها قرر عدم قبول طلبات من طلاب كويتيين حفاظاً على سمعته في السوق.

دوافعٌ مشتركة

اختلفت وجهة نظر "المساعدين" الذين التقيت بهم حول دوافع الطلاب السعوديين للجوء لهذه الخدمات، فمنهم من تكلم أن الدافع هو الشهادات العلمية بدرجات مرتفعة للتباهي أمام أسرهم أكثر من حاجتهم للعلم، وهؤلاء أكثرهم ممن يملكون استثمارات وشركات أعمال.

ومنهم من اعتبر أن الطلاب السعوديين لا يريدون تمضية وقتهم في المذاكرة والدراسة من أجل الحصول على المنح المالية التي تصرفها الجامعات السعودية للمتفوقين، والتي تصل إلى ١٥٠٠ ريال سعودي (٤٠٠ دولار أمريكي) شهرياً، أو بكل بساطة غياب ثقة الطالب بنفسه لحل الامتحان.

سامح (اسم مستعار)، طالب بكالوريوس، يقطن في صنعاء يقول أنه "في بداية الأمر لم يكن دافعي المال أبدًا فقد كان لي حساب في موقع chegg أساعد به من يريد مجاناً. ولكن مسألة الإجابة عن طلاب سعوديين أصبحت مصدر دخل قد يصل إلى ٩٠٠ ريال سعودي (٢٤٠ دولار أمريكي) في اليوم."

وموقع chegg هو أحد المواقع المدفوعة التي تقدم إجابات لواجبات الكتب مشروحة بالتفصيل ويسمح أيضاً بالتواصل مع مساعدين لشرح المواد.

تشابهت دوافع "المساعدين" و تمحورت حول كيفية جني الأموال مع فائدةٍ معنوية من علاقات وشراكات أو توسع في تعلمِ موادٍ جديدة من مناهج معتمدة دوليًا، لا تتوافر في الجامعات اليمنية. يبرر علي عمله هذا قائلاً، "بصفتي طالب لا أملك وظيفة أو مصدر دخل، بيع الحلول للطلاب مكنني من سداد أقساط الجامعة وما زلت أجمع المال لافتح مشروعي الخاص."

أما بالنسبة لعبدالله فعمله هذا فتح له مجالاً واسعًا في إدارة الأعمال، ووصل عبره لمستثمرين سعوديين لتنفيذ مشاريع استثمارية في اليمن، كما أنه تعلم من العديد من المواد الجديدة أسبوعياً من مناهجهم التي تضاهي مقررات الجامعات العالمية.

واللافت بتجربة عبدالله هو أن أولياء الطلاب هم من يطلبون خدماته ويتواصلون معه لحل امتحانات أبنائهم، وبالتالي يشجعون أبناءهم على ممارسة الغش.

يعي عبدالله خطورة هذا العمل وما يترتب عليه من مسؤولية أخلاقية، فيقول أنه قد رفض الإجابة عن أسئلة لطلاب في كلية الطب، إذ أنه ليس من الأخلاقي أن يقدم خدمة حل أسئلة امتحان لطبيب سيكون مسؤولاً عن أرواح أشخاص في المستقبل.

كما تجاوز الأمر حلّ الامتحانات أو كتابة الواجبات ليصل إلى بيع أطروحات وبحوث ماجستير كما يشرح سامح: "أعرف أحداً يبيع أطروحات وبحوث ماجستير لطلاب سعوديين من قبل فترة الجائحة، ويصل سعر ورقة العمل الواحدة إلى ٢٠٠٠ ريال سعودي (٥٣٠ دولار أمريكي)، ولكن أنا شخصياً لم أقم بذلك من قبل."

عبدالله يؤكّد الموضوع من تجربته الشخصية، حيث أجرى بحث ماجستير مقابل ٢٥٠٠ ريال سعودي (٦٦٠ دولار أمريكي) في مجال الخوارزميات بحسب قوله. أما علي فيقول أنه قام بتقديم بحث ماجستير في أمن المعلومات بقيمة ٣٠٠ ريال سعودي (٨٠ دولار أمريكي) لطالبة سعودية ولم يكن يعلم أنها لبحث ماجستير إلا عندما أخبرته بذلك بعد التسليم.

محاولات للحد من الظاهرة

قدمت الجامعات حلولاً كثيرة وطورت من أنظمتها لتفادي الغش الإلكتروني من هذا النوع، ومنها تقليص مدة الامتحان أو تسجيل عنوان الـ IP لجهاز الطالب الممتحن وغيرها من الإجراءات المختلفة كعدم السماح بالتنقل من سؤال لآخر أو ضرورة تشغيل الكاميرا الأمامية أثناء الإمتحان. ولكن وجد الطلاب سبل لتفادي هذه التدابير عبر تصوير الشاشات وإرسال الصور عبر التطبيقات مثلا وغيرها من الأساليب للاستمرار بالغش الإلكتروني.

أما الأبحاث والأفكار المسروقة فقد واجهتها الجامعات عبر تحديد عدد الكلمات المسروقة "plagiarism" والمطابقة مع محركات البحث والمواد المنشورة عليها، ولكن "المساعدون" أوجدوا أساليب أخرى عبر نسخها في معرفات متخصصة وإيجاد المرادفات لتصل نسبة التطابق إلى 4% فيصعب كشف المواد الفكرية المسروقة.

أما الأستاذ محمد عبدالوهاب فوجد حل من نوع آخر: "بحكم معرفتي باحتمالية ذهاب الطلاب لمساعدين وشرائهم لإجابات الواجبات والبحوث، لازلت أشترط على طلابي تسليم بحوثاتهم مكتوبة بخط اليد."

ملاحقات مالية

فرض الوضع الاقتصادي وطبيعة العلاقة السياسية المضطربة بين حكومة صنعاء والسعودية قيودًا على الحوالات المالية بين البلدين، منها سقف للحوالات المصرفية للأفراد وضرورة إرفاق تقارير لمصادر الأموال المودعة. وتختلف القيود بحسب السياسة المالية لكل بنك أو صرافة لتفادي وكشف عمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

لقد أصبحت هذه الخدمات شاهدًا على هدر القدرات الفكرية لليمنيين في ظل غياب جودة التعليم وتوفر البدائل للحفاظ عليها

هذا الواقع عرض مقدمي الخدمات المذكورة لمشكلات بسبب الحوالات المالية التي يودعها لهم الطلاب السعوديين مقابل الإجابات. فمنهم من يستعن بمن يعرفونهم من أقاربهم أو ذويهم في السعودية لتحويل الأموال إلى حساباتهم في البنوك السعودية، ومن ثم يتم إرسالها دفعة واحدة إلى اليمن.

يقول علي: "تم القبض على ثلاثة ممن استعنت بهم من أقاربي الذين يعيشون في السعودية وتم استجوابهم حول مصادر المال الذي يتم إيداعه وتحويله من حساباتهم، فقد كانت الحوالات تصل إلى ٢٦٠٠ ريال سعودي (٦٩٠ دولار أمريكي) في الأسبوع. وأحدهم أجابهم أنني من أقاربه وأقوم بعمل بحوثات ومشاريع لطلابهم وما كان منهم إلا أن يطلقوا سراحه بتعهد منه وتحذيره كون هذا العمل مخالف للقانون."

بعد هذه الحادثة توقّف علي عن إيداع الحوالات المالية إلى أقاربه في السعودية خوفًا عليهم من الاستجواب أو التورط وفقدان أعمالهم البسيطة، والتي لا تحتمل وصول سقف حوالاتها لذلك القدر. إلا أنه وجد حلًا آخر وهو تحويل الأموال إلى حساب إحدى الطالبات السعوديات لعدم تعرض السعوديين للمسائلة، وفي المقابل يقدم لها خدمة الإجابة مجانًا.

أما عبدالله فكان في العادة يستلم حوالات عبر حسابات بنكية من أصدقائه اليمنيين أولًا بأول، إذ أنه إذا ارتفع سقف الحوالات يتم القبض عليهم واستجوابهم، يقول: "مؤخرًا تم القبض على صديقي بعد أن وصله مني ومن مجموعة من المساعدين الذين أعرفهم حوالي ٧٠ ألف ريال سعودي (١٨٠٠٠ دولار أمريكي). ولكن من حسن حظهِ أنه كان قد سحب منها وأبقى على ٢٠ ألفاً (٥٠٠٠ دولار أمريكي) في الحساب قبل استجوابه. وبعد الاستجواب قدم تعهد وحجزت الأموال عشرين يومًا."

تظهر السعودية تلك البلد الغني اقتصاديًا وأحد الأطراف المشاركة في الحرب على اليمن حاجتها للطلاب اليمنيين برغم ما يمرون به، خاصة بعد أن أدرج آخر تصنيف للبنك الدولي للبلدان لعامي ٢٠٢٠-٢٠٢١ اليمن ضمن البلدان الأقل دخلاً، إذ لا يتعدى دخل الفرد دولاراً ونصف أو أقل يوميًا. وفي بيع الواجبات والمشاريع وجد الطلاب اليمنيين مصدر دخل سهل لم يوفره لهم قطاع الأعمال في ظل الحرب والحاجة لتوفير سبل العيش أو سداد أقساط الجامعات، إلا أنه سرعان ما وصل إلى بيع أطروحات وأبحاث علمية وأخيرًا إجراء الاختبارات الجامعية عن بُعد. لقد أصبحت هذه الخدمات شاهدًا على هدر القدرات الفكرية لليمنيين في ظل غياب جودة التعليم وتوفر البدائل للحفاظ عليها.

Is COP26 humanity’s make-or-break moment on climate breakdown?

This year’s COP26 meeting in Glasgow has been hailed as the most significant climate event since the 2015 Paris Agreement. But what action must world leaders take to put the planet on a sustainable path? And what does this mean for the future of global capitalism?

Join us for a free live discussion on Thursday 15 July at 5pm UK time/12pm EDT

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى openDemocracy تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram WhatsApp yourData