Home

سوريا: نهاية العام الأسوأ دون انتهاء المعاناة

القذائف توقفت.. ولكننا لسنا بخير.

مريم يوسف
23 January 2020
A man walking his grandson in Eastern Aleppo where many families had to live in partially destroyed houses.
|
Credit: Myriam Youssef.

(هذا المقال ينشر بالتعاون والشراكة بين حكاية ما انحكت وموقع نوى على أوبن ديموكراسي ووحدة الأبحاث عن الصراع والمجتمع المدني لدى كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية)

معاناة تتحدى الخوف

"لو كان الأمر متعلقاً بي أنا فقط لما اكترثت، لكن عندما يصل الأمر لرؤية أولادي يتضورون جوعاً؛ كوني على ثقة بأنني على استعداد لأن أقتل، نعم أن أقتل، فلا أصعب من أب يعجز عن إطعام أطفاله وتدفئتهم".

يقول سائق سيارة أجرة في دمشق هذه الكلمات، ليتركني ذاهلة عاجزة عن الإجابة إلا بعبارة "الله يفرج"، وهي العبارة التي نستخدمها عندما لا تسعفنا الكلمات بالعثور على أجوبة شافية. والحقيقة إن التعبير عن حال هذا الرجل وغيره من السوريين اليوم يكاد يكون مهمة مستحيلة، وهم يعيشون بمعظمهم ضغوطاً اقتصادية واجتماعية ونفسية غير مسبوقة.

ظنّ السوريون أن الشتاء الفائت كان تجربتهم الأصعب على الإطلاق مذ بدأت الانتفاضة ثم الحرب في سوريا، حيث عاشوا أزمات خانقة بما يخص الوقود والكهرباء، وقضوا أياماً طويلة في انتظار الحصول على ما يعينهم على تدفئة منازلهم، ولكن أملهم بأن تكون تجربتهم تلك هي التجربة الأخيرة تبدّد مع بداية فصل الشتاء الحالي، إذ لا يختلف اثنان اليوم في سوريا على أن ما تعيشه البلاد الآن هو الأسوأ على الإطلاق. والتململ الذي كان يكتمه الخوف في الصدور بات يخرج بشكل كلمات هامسة في الأحاديث العائلية والجلسات المغلقة، ولم ينجح الخوف في كبح جماحه إذ راحت تلك الهمسات تنتشر رويداً رويداً في أرجاء البلاد حتى باتت حديث الشارع وسيارات الأجرة والمحلات والمقاهي وداخل المنازل.

أزمات متتالية

بمراجعة بسيطة تأخذ الأزمات في عام 2019 شكل منحنٍ بياني، فيه نقاط ذروة تعبّر عن الأزمات الخانقة التي عشناها، في حين تمثّل النقاط الأخرى الفترات الاعتيادية، التي لم نختبر فيها أزمات معينة، واعتقدنا أننا نعيش حياة طبيعية إلى حدّ ما.

أما نقاط الذروة فما هي إلا أزمة الغاز، وأزمة وقود التدفئة، والأسوأ من ذلك كله كانت أزمة وقود السيارات التي بدأت في شهر نيسان/ إبريل 2019، وشلّت الحركة بشكل كامل في معظم البلاد. وفي نهاية العام تبرز ذروة حادة وواضحة للغاية، بدأت قبل أشهر بالتزامن مع اندلاع الانتفاضة في لبنان المجاور، ولا تزال مستمرة حتى اليوم، حيث تظهر آثارها واضحة على الحياة اليومية وتفاصيلها.

لقد شكّل لبنان بالنسبة للسوريين خلال السنوات الأخيرة ملاذاً اقتصادياً على درجة كبيرة من الأهمية، فهو البلد المجاور الوحيد الذي بقي الوصول إليه سهلاً وآمناً، ولم يدخل بدائرة الاضطرابات التي اجتاحت المنطقة منذ عام 2011، ولذلك اعتمد السوريون بشكل كبير على لبنان في الكثير من مفاصل حياتهم.

ويُضاف إلى ما سبق، نزوح قرابة مليون سوري إلى مختلف المناطق اللبنانية هرباً من ويلات الحرب والقمع، وإيداع الآلاف من السوريين نقودهم في المصارف اللبنانية التي اعتبروها أكثر استقراراً من مثيلاتها السورية. كما شكّل لبنان بوابة لتحويل أموال السوريين المستفيدين من إمكانية التعامل فيه بالدولار الأمريكي، وهو الأمر الصعب في سوريا بسبب العقوبات والقوانين، حيث يتعذر تحويل الأموال واستلامها بغير العملة المحلية "الليرة السورية"، وبسعر الصرف الرسمي الذي يقلّ عن سعر صرف السوق السوداء بمقدار النصف، الأمر الذي يشكّل خسارات كبيرة بما يخصّ الحوالات القادمة من خارج البلاد.

كما لا يغيب في هذا المقام اعتماد السوريين على الأسواق اللبنانية للحصول على مختلف أنواع البضائع والمواد الغذائية والأدوية، مستفيدين من انفتاح تلك الأسواق مقارنة بالأسواق السورية التي لا تتوافر فيها إلا البضائع محلية الصنع ومنخفضة الجودة في معظم الأحيان. بل إن الوقود القادم من لبنان وهو البلد غير النفطي، بات واحداً من الحلول التي اعتمد عليها كثير من السوريين لمواجهة أزمة الوقود.

والأزمة الأخيرة هي الأسوأ

تدهورت الأوضاع خلال الشهرين الأخيرين، حيث بدأ معظم السوريين يلمسون آثار ما يحدث في البلد المجاور والاختناق الاقتصادي الذي يعيشه. وتضافر ذلك مع العوامل المتعلّقة بالإيداعات المصرفية والحوالات المالية والبضائع التي بات الوصول إليها صعباً بل شبه مستحيل. ليؤدي ذلك كله إلى انهيار سريع في قيمة العملة السورية، لم تتمكن أيه جهود حكومية من إيقافه أو الحد من تسارعه. حيث هبطت قيمة الليرة من 600 ليرة سورية أمام الدولار الواحد في شهر أيلول/سبتمبر الفائت إلى أكثر من 1000 ليرة أمام الدولار في الوقت الحالي "الأسبوع الثاني من 2020". أرقام لم تعرفها الليرة السورية من قبل على الإطلاق، وغلاء فاحش بات يطال كل شيء، وتدهور اقتصادي لم يعد بالإمكان تجميله أو إخفاؤه، الأمر الذي اعتاد المسؤولون الحكوميون عليه طيلة السنوات الفائتة.

خلال الأسبوع الأخير من العام، وصلت الزيادات في أسعار العديد من المواد إلى 50 بالمئة وبعضها أكثر.

للمرة الأولى ربما منذ بدأت الحرب السورية، يقضي الباعة في معظم الأسواق أياماً كاملة دون أن يبيعوا قطعة واحدة، الأمر الذي لم يحدث حتى في أقسى أيام الحرب. أما الأسواق الشعبية فتبدو حركة الناس فيها أقل من المعتاد، ومن يقصدونها لا يشترون إلا ما هو ضروري للغاية مع ارتفاع أسعار كل شيء بشكل غير منضبط على الإطلاق. فثمن السلعة ذاتها قد يختلف من مكان لآخر ومن بائع لآخر، والحجج جاهزة دائماً: الليرة تنخفض والدولار يرتفع.

خلال الأسبوع الأخير من العام، وصلت الزيادات في أسعار العديد من المواد إلى 50 بالمئة وبعضها أكثر. وارتفع سعر كيلو غرام السكر من 300 ليرة إلى 500 ليرة، وعلبة اللبن وصلت إلى 550 ليرة بعد أن كانت بـ 300 ليرة، الأمر الذي جعل المواطن يحتار في ما يمكن أن يحذفه من قائمة طعامه المختصرة أصلاً، بعد أن نسي الكماليات منذ وقت طويل.

ولا يقف ارتفاع الأسعار عند حدود البضائع، بل يتجاوزه إلى ارتفاعات أخرى، فسائق التكسي أو الحافلة الصغيرة يقرر عدم الالتزام بالتسعيرة المحددة ويرفعها كما يشاء، وصاحب المنزل يطلب من المستأجرين المزيد من النقود للأجرة الشهرية، والعمال الذين يعملون بشكل يومي يطالبون بأجرة أكبر لقاء أية مهمة يمكن أن يقوموا بها، وحين يتجرأ أحد على الاعتراض يأتي الجواب جاهزاً: "الأسعار كلها ارتفعت، كيف لي أن أعيش إذا لم أرفع أجرتي؟". يبدو الأمر أشبه بدوامة لا بداية لها ولا نهاية، ومع كل دورة تصبح الحياة أكثر صعوبة.

القذائف توقفت.. ولكننا لسنا بخير

"الحمد لله توقفت القذائف على الشام وأصبحتم بألف خير"، تقول صديقة تزور سوريا لأول مرة منذ سبع سنوات. أحاول جاهدة أن أشرح لها بأننا لسنا بخير، وبأن ما نعيشه اليوم أصعب بكثير مما عشناه في أقسى أيام الحرب، ولكن دون فائدة، فهي مقتنعة بأن "شوية" مشكلات اقتصادية وبعض الارتفاع في الأسعار لا يمكن أن يكونا أصعب من القذائف والتفجيرات. إنها لا تدرك بأن القذيفة تحمل موتاً مباشراً لا مهرب منه، في حين أن ما نمرّ به الآن في كل لحظة من يومنا هو بمثابة موت، ولكنه موت مؤجّل ومُنتظر ولا نعلم متى سيأتي حقاً.

لقد استوطن البؤس في العيون والوجوه حتى بات ملمحاً عامّاً مشتركاً، وبات معظم الناس يشتري بالقطعة بدلاً من الكيلو، لأنهم لا يملكون ثمن كيلو غرام من أي شيء، ناهيك عن أن اللحوم والدجاج والموز والجبن قد تحوّلت إلى حلم لدى الكثير من العائلات السورية، أما البيوت فهي باردة لا دفء بها، والوجوه شاحبة يعتصرها الهم والمرض.

هل أخبر صديقتي عن سائق سيارة الأجرة المستعد للقتل في سبيل أطفاله؟ أم عن تلك المرأة التي نزحت من غوطة دمشق الشرقية وتعيش اليوم في واحدة من الضواحي مع ولديها في منزل لا نوافذ له ولا أبواب، واضطرت هذا الشهر للمرة الأولى لإجبار أولادها على تناول وجبة واحدة في اليوم لأنها لم تعد قادرة على شراء ما يكفي من الطعام؟ أم عن الأطفال والشباب الذين يضطرون لترك تعليمهم والعمل دون أن يكون ذلك كافياً لإعالة أسرهم؟ أم عن أولئك الذين يذهبون إلى مدارسهم ولكن دون أحذية ودون حقائب لأنها تكلف الكثير؟ ربما من الأفضل أن لا أحدثها عن ذلك كله، ولتحافظ هي على تلك الصورة الوردية لبلد يعاني من "شوية" مشكلات. فيما أكتفي بترقب الانفجار القادم لا محالة!

هل من انفجار في الأفق؟

"الانفجار قريب، لا يمكن أن يستمر الوضع على ما هو عليه"، جملة باتت تتردد كل يوم، دون أن يعرف أحد أين ومتى وكيف يمكن أن يحدث هذا الانفجار، ولكن ما يعرفه الجميع هو أنه قادم لا محالة، ولن يكون لطيفاً ورومانسياً كما يحلو للبعض تخيله، كما أنه لن يكون حالماً مشابهاً لما كانت عليه الحال في بدايات انتفاضة عام 2011. سيكون انفجاراً عنيفاً، بمقدار كل العنف الذي اختزنه الناس في دواخلهم على مدى السنوات الماضية. ما ينتظرنا، إن حدث، هو أمر لا تحمد عقباه، وانفجار لن يكون أحد قادراً على استيعابه أو التعامل معه بالشكل الصحيح. سيكون كرة من نار تحرق كل ما حولها، وتستمر بالتدحرج لتحرق أكبر مساحة ممكنة، وسنصل معه إلى نقطة لا عودة منها، ولا مهرب من نتائجها الكارثية على الأصعدة كلها.

"كل شيء هنا يغلي، والانفجار قريب، لكنه سيكون عنيفاً للغاية"

مؤشرات هذا الانفجار واضحة للغاية في كل مكان. ففي دمشق التي لم يسبق أن عاش فيها هذا العدد الكبير من السكان مع نزوح آلاف العائلات إليها؛ يتجاور الفقر والتشرد مع مظاهر الغنى الفاحش. أصحاب العيون الذابلة والوجوه الشاحبة من مئات الأطفال والنساء والرجال الذين ينتشرون في الطرقات ويبيعون المحارم والبسكويت والعلكة أو يستجدون المال، يسيرون جنباً إلى جنب مع سيارات فخمة وثياب وأحذية لامعة لرجال وسيدات يرتادون مطاعم وفنادق فخمة يدفعون فيها ثمن عشاء واحد يعادل ما تجنيه عائلة خلال شهر أو شهرين وربما أكثر، ويقيمون حفلات يصعب على من يراها أن يصدق لشدة بذخها بأنها تقام في سوريا، البلد الذي يعيش واحدة من أصعب المآسي الإنسانية في العالم اليوم.

وفي أرياف دمشق التي دمرتها آلة الحرب على مدى سنوات عدة، وعلى الأخص غوطتي دمشق الشرقية والغربية، تحولت الحياة بالنسبة لمئات الآلاف إلى سجن كبير. فالحرب انتهت في تلك المناطق بخروج آلاف المقاتلين والمدنيين نحو مناطق الشمال السوري، واختيار آخرين البقاء أملاً بشروط حياة أفضل، وهو ما تبين لاحقاً بأنه محض وهم كبير. إذ عادت حملات الاعتقال لتطال العشرات، وهدفها على الأغلب الابتزاز ومحاولة الحصول على المال، كما يُمنع معظم الشباب من الخروج نحو العاصمة للبحث عن فرص عمل يندر إيجادها حيث يعيشون، وتُضطر النساء والأطفال، والحالة هذه، إلى إعالة أسرهم.

تقول لي سيدة من الغوطة الشرقية: "كل شيء هنا يغلي، والانفجار قريب، لكنه سيكون عنيفاً للغاية، ولا نستبعد أن يكون مسلحاً أو على شكل سرقة ونهب وتخريب، فالناس لم يعد لديها ما تخسره. خسرنا كل شيء واعتقدنا بأننا سنحصل على بعض المكاسب على الأقل، لكننا كنا واهمين. تدمرت منازلنا ومصادر رزقنا، وتشردنا، وفقدنا أهلنا وأصدقاءنا. هل من مأساة أكبر؟ خليها تخرب".

أما في مدن سورية أخرى مثل حمص وحلب ودرعا ودير الزور، فالناس يحاولون لملمة جراح الحرب التي لم يمضِ على انتهائها وقت طويل. ويغطي الدمار مساحات واسعة دون أية بوادر لمشاريع إعادة الإعمار التي لا تمل الحكومة السورية من الحديث عنها، ويشعر معظم السكان باليأس المطبق، فلا أمل بأي تغيير إيجابي مقبل. الحرب انتهت وتدمر كل شيء، ولكن لا أحد لديه الرغبة أو النية لإصلاح ما تهدم، وكأن العالم يتعمّد تركنا وحيدين وسط هذا الدمار كلّه، بل يقف في وجهنا إن حاولنا إصلاح أي شيء.

"لا هو ليس اليأس، وإنما الخوف"، تقول إحدى السيدات اللواتي أعرفهن، وهي المسؤولة عن إعالة أسرتها بعد إصابة زوجها بشظايا قذيفة منذ سنوات، أفقدته القدرة التامة على الحركة. "اليأس اعتدنا عليه، لكننا اليوم نشعر بخوف غير مسبوق. هل سنتمكن من متابعة حياتنا الشهر القادم، والشهر الذي يليه؟ هل سنتدبر أمور معيشتنا؟ هل سيأتي يوم نشعر فيه بالجوع أو البرد دون أن نمتلك ما نسد به رمقنا أو ندفئ به أجسادنا؟ إن استمرت الحال بهذا التدهور السريع، فلا شك بأن ذلك اليوم قادم لا محالة".

Expose the ‘dark money’ bankrolling our politics

US Christian ‘fundamentalists’, some linked to Donald Trump and Steve Bannon, have poured at least $50m of ‘dark money’ into Europe over the past decade – boosting the far right.

That's just the tip of the iceberg: we've got many more leads to chase down. Find out more and support our work here.

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى openDemocracy تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram WhatsApp yourData