Home: Investigation

محتوى طائفي في مناهج التعليم في اليمن

مع أزمة انسانية تعتبر الأسوأ في العالم يعيش اليمن حربًا طائفية عبر تضمين محتوىً في مناهج التعليم قد يؤدي إلى بناء جيل متطرّف

زهرة القدسي
01.02.2022 10.33am
الصورة من الدقيقة 3:41 تحديدًا تسببت بسخط كبير وموجة سخرية بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي

يمر التعليم في اليمن بصعوباتٍ عدة منها تأثير النزاع المسلح وحالة الحرب التي تعيشها البلاد، إضافةً للوضع الذي تفرضه جائحة كورونا.

قدّرت منظمة يونيسف أن عدد الأطفال المنقطعين عن التعليم في اليمن عام 2021 تجاوز مليوني طفل كما أن ثلثي العاملين في مجال التدريس لم يتقاضوا رواتبهم بصفة منتظمة منذ أربع سنوات. هذا الواقع يعرض ما يقارب 4 ملايين طفل إضافي لخطر فقدان فرص الحصول على التعليم.

وقد أثّر إغلاق المدارس مؤقتا في مارس 2020 قبل تسجيل أول حالة إصابة بفايروس كورونا على تعلم حوالي 8.5 ملايين طالب وطالبة، أكثرهم معرضون لخطر عدم العودة إلى المدرسة بسبب التأثير الاجتماعي والاقتصادي للوباء خاصةً على الفتيات.

انقسم النظام التعليمي في اليمن بعد اندلاع النزاع المسلح عام 2014. لذا تختلف المناهج تماما بين المناطق الواقعة تحت سيطرة جماعة أنصار الله "الحوثيين" من جهة والجزء الذي تسيطر عليه الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا من جهة أخرى.

Get our free Daily Email

Get one whole story, direct to your inbox every weekday.

والحوثيون هم جماعة سياسية دينية مسلحة سيطرت على صنعاء بالقوة في 21 سبتمبر/أيلول 2014 ومن ثم على العديد من المحافظات اليمنية. صنفت الجماعة كمنظمة إرهابية بقرار من وزير الخارجية السابق للولايات المتحدة في 10 يناير/كانون الثاني 2021 لكن سرعان ما أُلغي التصنيف في 16 فبراير/شباط 2021 بغية تخفيف حدة الأزمة الإنسانية و طلبًا لتعزيز الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب الأهلية اليمنية.

محتوىً جديد

منذ عام 2017 بدأت جماعة أنصار الله "الحوثيين" بطباعة منهج تعليمي جديد للصفوف الدراسية الابتدائية باعتماد استراتيجية تقوم على تغيير أجزاء بسيطة تدريجيا من منهج المرحلة الابتدائية. لكن التعديلات هذه تكاد لا تذكر مقارنةً بالتغيير الكلي للطبعة الجديدة عام 2020 حين قامت الجماعة بطباعة واعتماد مناهج دراسية جديدة كليًا.

تضمن المحتوى الحديث ألفاظ تحث على الجهاد والقتال بالإضافة الى تعميم أفكار الجماعة خاصة في كتب الصفوف الأساسية والمرحلة الإعدادية. وشمل التغيير مواد الدين واللغة العربية إضافةً للتربية الوطنية ومواد الجغرافيا والتاريخ، ولكنه لم يشمل أي من المواد العلمية كالرياضيات والعلوم.

سرعان ما شكّل الأمر سخطًا لدى بعض أولياء أمور الطلاب عند ظهور الطبعة الحديثة التي نشرت هذا العام 2021 تحت بند انها طبعات تجريبية للكتاب المدرسي. فبالنسبة للعديد من الأهالي، قد تحمل هذه التغييرات تأثيرات مستقبلية على الأولاد وأفكارهم السياسية والدينية.

يقول علي ناجي "اسم مستعار" وهو عضو إعداد وتأليف مناهج اللغة العربية للصفوف الدراسية رابع وخامس وسادس اساسي، أنه يوجد هناك منحنيين في استراتيجية طباعة المنهج، "إما تطويرًا وهو للأفضل بالتأكيد أو تغييرًا جذريًا للمنهج قد يكون للأفضل أو للأسوأ".

عمل ناجي مع فريق تأليف المنهج عام 1999 ثم 2000 وأخيرًا مع فريق تأليف منهج اللغة العربية التابع لوزارة صنعاء لهذا العام.

وفقًا للمادة 35 من القانون المنظم للوائح وزارة التربية والتعليم يختار رئيس الوزراء لجنة عليا متخصصة لإعداد وتطوير المنهج وفق قرار يصدر منه بناءً على اقتراح من وزير التربية والتعليم وتتكون اللجان من علماء في الشريعة بالإضافة الى كوادر علمية وفنية متخصصة في كافة مواد التعليم المقررة.

بالنسبة لـناجي فإن المشكلة تكمن في أن فرق التطوير التي تم اعتمادها هذه السنة تنقصها الخبرة في هذا المجال، خصوصًا أن فريق التطوير القديم تم ابداله بأعضاء يتناسبون مع توجه الجماعة. "الوزارة تختار الفرق حسب رؤيتها المعتمدة ، والواقع يفرض نفسه"، يضيف ناجي.

مخاوفٌ مشتركة

تحكي نجوى 32 عام وهي أم لثلاثة أطفال، أن محمد أكبر أطفالها والبالغ من العمر 11 سنة يدرس في الصف السادس. "ذات مرة جاء محمد من المدرسة غاضبا يخبرنا أنه يرغب بالذهاب لجبهة القتال في مأرب ليقاتل اليهود هناك عندما يكبر. صدمتُ انا وزوجي من تلك الأفكار التي أخبرنا بها طفلي وقمنا فورًا بتغييرها وشرح الرواية الصحيحة له لإزالة تلك الأفكار".

تذكر نجوى قصة إحدى صديقاتها التي أرسلت أحد أطفالها لدراسة القرآن في جامع الحي لتتفاجئ باختفائه ليخبرها أحد المشرفين انه ذهب للجبهة. الطفل الذي لم يتجاوز الحادية عشر من عمره كان يتلقى أفكارًا جهادية مع تعلمه للقرآن حسب ذكر أمه.

وفقا لتقرير من عام 2019، جنّد الحوثيون 1940 طفلًا من بين 3,034 طفل جُندوا خلال الحرب في اليمن، أي ما يعادل 64٪ منهم.

تخاف نجوى مثلها مثل أمهات كُثُر من أفكار القتال التي تزرع في الأطفال سواءً المتضمنة في مناهج التعليم أو التي يتأثر بها الطفل عبر أقرانه في المدرسة أو الباص الذي ينقل الأطفال إليها.

" اسعى دائمًا لمعرفة ما المعلومات الخاطئة التي تلقاها طفلي خلال اليوم،واحاول قدر المستطاع تصحيح الأفكار المتطرفة لديه. لكني أخاف أن تفوتني أي من تلك الأفكار بينما هو خارج المنزل،" تضيف نجوى، "محمد يتأثر كثيرًا واصبح مقتنعا جدًا بالافكار المتطرفة ومازلت أحاول تغييرها في كل مرة أرى تعصبًا منه."

فعاليات طائفية

تجبر وزارة التربية والتعليم في صنعاء المدارس الخاصة والحكومية وفق قرار منها على اعتماد خطة أنشطة مدرسية تتضمن مواضيع يجب أن تدخل في محتوى الإذاعات المدرسية الصباحية التي تهدف الى نشر فكر وخطاب الجماعة.

والإذاعات هذه عبارة عن نشاط صباحي يتقدم بعد التمارين الصباحية في المدرسة ويحتوي على فقرات تتضمن آيات قرآنية وأحكام عربية وخطاب يحمل موضوع النشاط قد يتخلله أيضًا أناشيد وعروض استعراضية.

"يلزم على المدرسة التي اعمل بها اعتماد الخطة الدراسية والفعاليات والوقفات الاحتجاجية المقررة من الوزارة،" تقول أسماء عبدالله وهي معلمة في مدرسة تقع تحت سيطرة الحوثيين، "أقمنا فعالية 21 سبتمبر ومن ثم أعددنا لفعالية المولد النبوي."

تقام فعاليات 21 سبتمبر إحتفالًا بذكرى دخول جماعة أنصار الله الحوثيين صنعاء واستيلائهم على السلطة بقوة السلاح، حيث تعتبره الجماعة حركة تصحيحية لثورات سابقة بغية ترسيخ تلك الفكرة في عقول الكثيرين.

وكانت قد انتشرت على منصة التواصل الاجتماعي فيسبوك في 12 سبتمبر/ايلول 2021 صورة التقطت من مقطع فيديو نُشر على القناة التعليمية الرسمية لإحدى هذه الفعاليات التي تقام في المدارس في 8 سبتمبر/أيلول 2021.

الصورة من الدقيقة 3:41 تحديدًا تسببت بسخط كبير وموجة سخرية بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها تنشر افكارًا طائفية لا يجب أن تدخل في التعليم فضلًا عن إقامة وقفة احتجاجية في صرحٍ تعليمي.

والصورة لوقفة احتجاجية تنديدًا بمقتل الإمام زيد بن علي بن أبي طالب قبل حوالي 1320 سنة. زيد هو أحد الأئمة وأحد رموز الجماعة الذي يرجع إليه المذهب الزيدي ومنه الحركة الحوثية.

وقد ذكرت أسماء أن تلك الفعاليات تأخذ حصتين دراسيتين أي بمعدل ساعة وربع في بداية اليوم الدراسي.

توافق انتظار عبدالله، وهي وكيلة لمدرسة حكومية في العاصمة صنعاء، "هذه الانشطة المجبرة عليها المدارس الآن تشكل عائقًا إذ نضطر لتضييع حصص دراسية أساسية لتنفيذها".

"لا تهتم الوزارة كثيرًا بفرض المنهج المغير في بعض المدارس الحكومية بحكم عدم توفر سيولة لطباعته وتوزيعه لها ،" تقول عبدالله، "لكن الأنشطة والفعاليات يمنع تمامًا التوقف عن تقديمها"

عدم توفر الكتب الجديدة ساعد بعض معلمي المدارس الحكومية على عدم اعتمادها، حيث تعاني المطابع الحكومية شحّ في مواد الطباعة لتغطي تكاليف الطبعات لجميع المدارس الحكومية.

فقد نقلت وكالة سبأ الرسمية والموقع الرسمي لأنصار الله عن وزارة التربية والتعليم التابعة لحكومة الجماعة أن معدل العجز السنوي لطباعة الكتب المدرسية لعام 2020 وصل إلى 84٪ أي بمعدل كتاب واحد لسبعة طلاب.

في بعض المدارس الخاصة يتم التغاضي عن كثير من المحتوى المحدث في المنهج الجديد دون علم الوزارة بغية تجنب زرع أفكار متطرفة أو إيصال شرح مغلوط للتلاميذ إما عبر التمسك بتعليم الكتب الدراسية القديمة أو التجاوز عن المعلومات الجديدة المضافة.

"أنا على اتصال دائم بالمشرفة وبعض المعلمات، جميعهن ضد التغيير وضد الأفكار الدخيلة"، تشرح هبة بشير وهي أم لطفلتين تلتحقان بمدرسة خاصة، وتضيف، "في العام الماضي معلمة مادة الاجتماعيات ألغت الفقرات الجديدة المضافة في المنهج لكن في هذا العام أخبرتني المشرفة أن الوزارة زادت من نصاب الحصص لكي لا تتحجج بإلغاء بعض الفقرات لعدم توفر الوقت وكثافة المنهج".

حول التمويل

انتشرت اتهامات كثيرة حول مصادر تمويل طباعة الكتب المدرسية ذات المحتوى الطائفي. من تلك الاتهامات تغريدة أطلقتها جمعية قطر الخيرية على منصتها الرسمية في تويتر بتاريخ 11 أكتوبر/تشرين أول 2019:

"سيكون في توفير الكتب الدراسية التعليمية العلمية فقط والتي تشمل مواد العلوم والرياضيات للمرحلة الأساسية وهي الكتب المعتمدة من وزارة التعليم في اليمن منذ عدة سنوات وأن المناقصة التي تم الإعلان عنها هي فقط لطباعة نفس تلك الكتب الدراسية السابقة"

ثم ألحقتها بثريد موضحةً انها ستنفذ هذا المشروع بالتنسيق مع عجلة التعليم بوجود جميع المنظمات الأممية والدولية العاملة في مجال التعليم والذي تشرف عليه اليونيسف.

أُتبعت التغريدة بمجموعة اتهامات مفادها أن المنظمة قدمت مناقصة أطلقت عليها "مشروع دعم أطفال اليمن لطباعة الكتاب المدرسي" ،وهو المنهج الدراسي الذي يحمل تغييرات ذات بعد مذهبي وطائفي.

انتشر الاتهام على نطاق واسع وتناولته كثير من التقارير على مواقع محلية ودولية منها موقع سكاي نيوز عربية والعربية نت و وكالة الأنباء اليمنية سبأ وغيرها.

وقد انتشر اتهام جديد مؤخرًا بأن اليونيسف تدعم طباعة الكتاب المدرسي الجديد لهذه السنة والذي تدعو محتوياته للطائفية في العاصمة صنعاء. ظهر الاتهام بعد نشر صورة غلاف كتاب التربية الوطنية للصف الثامن من مرحلة التعليم الأساسي والذي يظهر عليه صورة أحد قيادي الجماعة الذي قتل على حدود السعودية عام 2016 ومقاتلين يحملان صواريخ موجهة.

Screenshot 2022-02-01 at 11.21.53.png
انتشرت اتهامات كثيرة حول مصادر تمويل طباعة الكتب المدرسية ذات المحتوى الطائفي

جاء نفي اليونيسف دعمها لطباعة الكتاب المدرسي في تغريدة لها في 19 أكتوبر/تشرين أول 2021 منوهةً أنها لا تدعم طباعة الكتب في اليمن والتعليم لا يخضع للاستخدام السياسي والطائفي.

لم يكن هذا الاتهام الأول بل سبقه اتهام نشرته وكالة الأنباء اليمنية سبأ مدعيةً استنكار المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو" في 1 أبريل/نيسان 2017 دعم اليونيسف جماعة أنصار الله "الحوثيين" بـألف طن من الورق لطباعة مناهج دراسية جديدة تحمل تعديلًا طائفيًا، ليتبعهُ استنكار آخر نشرته الوكالة لمكتب التربية العربي لدول الخليج في 3 أبريل/نيسان 2017 ادعت فيه الوكالة حصولها على بيان صحفي يتهم فيه المدير العام للمكتب الدكتور علي القرني قيام اليونيسف بتمويل مطابع الكتاب المدرسي في صنعاء لطباعة كتب تحرض على استمرار الحرب في اليمن.

أرسل موقع أوبن ديموكراسي ايميل لمنظمة اليونيسف للبحث عن جواب لجميع تلك الاتهامات وكان ردها:

"لا تشارك اليونيسف في إنتاج أو توزيع الكتب المدرسية في اليمن. نحن نؤمن بشدة بوجوب ألا يخضع التعليم للاستخدام السياسي أو الطائفي.."

وقد ذكر تقرير لمنظمة اليونيسف اليمن 2021 أنها ساهمت في حصول أكثر من 578,600 طفل على مواد تعليمية فردية كما قامت بتأمين الحصول على التعليم الرسمي وغير الرسمي لقرابة 60,000 طفل.

وفي سياق التمويل أطلق محمد علي الحوثي عضو المجلس السياسي الأعلى لجماعة أنصار الله" الحوثيين" دعوة للمشاركة في حملة تويتر تحت هاشتاق #التعليم_مسئولية_الجميع بنشر الحسابات البنكية للمؤسسة العامة لطباعة الكتاب المدرسي ،لجمع تبرعات لوزارة التربية والتعليم لتتمكن من طباعة النسخة الجديدة من المنهج المدرسي 2021.

حاولت أوبن ديموكراسي الحصول على رد من المؤسسة العامة لطباعة الكتاب المدرسي ولكن لم تحصل على إجابة.

أثّر النزاع المسلح و التعطيل المستمر وانقسام نظام التعليم في اليمن على البنية المعرفية الشاملة لـ 10.1 مليون طفل في سن المدرسة ،كما جُند ما بين 18,000 و 25,000 طفل بينما تعرضت 2,507 مدرسة للتدمير أو التلف أو استخدمت لأغراض غير تعليمية مما أثر على تعلم 1.1 مليون طفل حسب وثيقة النظرة العامة للاحتياجات الإنسانية في اليمن لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في فبراير 2021.

فيما وثقت مواطنة تحمّل أنصار الله "الحوثيين" 72 واقعه من اصل 85 واقعة اعتداء او استخدام للمدارس في تقريرها لعام 2020 فقد تسببت أطراف النزاع بأضرار فادحة على المدارس والمرافق التعليمية . ليظهر انتهاك آخر موجه لمحتوى التعليم للأطفال في بلدٍ تتعدد به الطوائف.

We've got a newsletter for everyone

Whatever you're interested in, there's a free openDemocracy newsletter for you.

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى openDemocracy تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram WhatsApp yourData