نوى

الجمهور السوري والسينما التي تخصه: أولويات التمويل - الجزء الثاني

هل للمخرج أو المنتج السوري دور في تحديد الجمهور المستهدف؟

أمان البزرة
4 December 2019

هذا المقال جزء من ملف بالشراكة بين حكاية ما انحكت وأوبن ديموكراسي، حول السينما السورية الصاعدة منذ عام ٢٠١١: السياسة، التحديات الانتاجية، الرقابات، الجمهور، والى اين قد تتجه الان.

تتنوع اليوم الجهات المهتمة بتمويل الأفلام سواء الروائية أو الوثائقية، منها منظمات إنسانية وجهات دولية ومنها ثقافية. ولكن كيف تحدد جهة التمويل الجمهور المستهدف لهذه الأفلام؟ وهل للمخرج أو المنتج السوري دور في تحديد الجمهور المستهدف؟ وهل تصل هذه الأفلام والوثائقيات التي تروي الحدث السوري للجمهور السوري نفسه؟

تقول المخرجة والكاتبة السورية واحة الراهب أنه: "رغم أن الحرب جعلت نصف الجمهور من الشعب السوري لاجئاً أو نازحاً، لكنه ما زال يحاول المتابعة ولو عبر الإنترنت كل ما ينتج سورياً أو عن قضيته السورية، بل يمكننا القول إنه بات يتصيّد ويتلقّط بشغف أكبر كل فيلم يمكن أن يعبّر بصدق عن قضيته ومأساته التي صارت عالمية، بل والكثير من شعوب العالم باتت شغوفة بمتابعة كل ما له علاقة بالثورة السورية التي تجسد جريمة العصر. وهذا ما انعكس على ترشح الأفلام السورية لأهم الجوائز العالمية رغم محدودية إنتاجها."

الجمهور المستهدف للأفلام هو أيضاً أولوية للجهة المانحة، تؤكد الراهب، إذ حين يتم طلب تمويل أو دعم للأفلام السورية يكون هناك دوماً سؤال من قبل أغلب الجهات الممولة موجّه للمخرج/ة أو لكاتب/ة السيناريو حول الجمهور المستهدف للأفلام.

"وأحياناً يأخذ هذا الاستهداف طابعاً إيجابياً، حين يراد منه استهداف الشريحة الأوسع من الجمهور، التي غالباً ما تكون شريحة الشباب، المعنية قبل غيرها بالرسالة الموجهة. وأحياناً تكون سلبية ومضللة إلى حد بعيد، إذ يراد منها رسالة سياسية أو اجتزاء لقضايا وهموم الناس خارج سياقها العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي"، بحسب الراهب.

وهذا يؤدي إلى تقديم أفلام مفرغة ضمنياً من محتواها تدّعي أنها تحمل قضية إنسانية، لكنها تتعامل معها بشكل مسطح مُفرغ، مما يعتّم على جوهر المشاكل والقضايا، ويؤدي لتفاقمها وزيادة حدة الصراع. كما تعطي هذه المؤسسات أولوية التمويل للأفلام التي تركز على التسامح أو التعايش أو قضايا الجندر وقضايا المرأة وحقوق الإنسان، أو الهوية السياسية، ولكن بطريقة مجتزأة من سياقها.

تضيف الراهب تجربتها مع جهة فرنسية وافقت على تمويل فيلمها رؤى حالمة، إذ قامت الجهة المانحة بطلب إلغاء الخلفية السياسية للفيلم، المتعلقة بالاجتياح الإسرائيلي للبنان، ما دفع الراهب لرفض الشرط والمنحة. معتبرة أن الشروط المفروضة على المخرج التي تُفرغ الفيلم من سياقه وتُؤثر على جوهر القضية المطروحة عادة ما تأتي من الجهات الفنية والثقافية، أكثر من الجمعيات والمنظمات المدنية.

للدعم المادي إيجابيات وسلبيات، تؤكد الراهب ذلك وتقول أنه مما لا شك فيه أن وجود جهات ممولة خارجية له إيجابيات كما له سلبيات، فهو وإن كان دعمها قد تركّز على الأفلام الوثائقية، لطبيعتها الإخبارية الإستهلاكية، كحاجة لضخ المكنة الإعلامية التي لا تتوقف حاجتها عن بث المواد التوثيقية، ولكونها أقل كلفة من الأفلام الروائية الأكثر تأثيراً وخلوداً في الذاكرة، إلا أن أهم إيجابياتها تتحقق حين يكون قادراً على توفير المصداقية والدعم المالي لتحقيق أعلى جودة مطلوبة لتنفيذ الفيلم.

وعد الخطيب، الصحافية والمخرجة السورية التي وثّقت تجربة الحصار التي عاشتها في حلب، تتحدث عن تجربتها بما يخص الأفلام الوثائقية وتقول: "أن التمويل المقدّم للأفلام الوثائقية دائماً ما يحدد الجمهور المستهدف، وكل تمويل يحدد جمهوره وطريقة سرد القصة. ففي حالة أن التمويل من جهة بريطانية يكون الجمهور المستهدف أوروبي وإنكليزي وبالتالي رواية القصة عليها أن تتضمن سياق أكثر عن الحرب في سوريا وشرح فيه تفصيل أكثر حتى يستطيع المشاهد الغربي التعاطي مع الفيلم. أما في حالة أن الجهة الممولة هي جهة إخبارية فعادة ما تطلب الحياد في سرد القصة مما يؤثر على الرواية أو الحاجة لتوجيه أصابع الاتهام لجهة معينة. ولكن تضيف الخطيب، أن ذلك يمكن تفاديه عند اقتباس أقوال من مصادر تحدد على سبيل المثال من قام بقصف منطقة معينة خلال الوثائقي.

قدمت الراهب مثالاً على ذلك من أحد الأفلام الوثائقية التي شاهدَتها، والذي حقق سويّة هامة ومؤثرة في التأريخ للثورة السورية وتظاهراتها السلمية في حمص، من خلال أحد رموزها عبد الباسط الساروت، ولكن في النهاية تقصّد المخرج -حسبما فهمت لاحقاً- أن يلغي مشاركة رمز من رموز الثورة وهي الممثلة فدوى سليمان في التظاهرات المرافقة للساروت، بتوجيه من الجهة الإنتاجية الغربية الممولة. والذي برأيها لا سبب يبرر ذلك إلا هدف سياسي متعلق بتكريس الإسلاموفوبيا، لإظهار الثورة السورية على أنها متطرفة ومتأسلمة ومتخلفة، لا تقبل بمشاركة المرأة ولا ترى إمكانياتها السياسية. وهو ما كرسه عودة البطل في النهاية بعد كل القمع والتصفيات التي حدثت لتلك التظاهرات، برفقة سيارة لداعش.

يؤكد زياد كلثوم، مخرج الفيلم الوثائقي طعم الإسمنت على دور جهات التمويل في استقطاب جمهور ما، وذلك بالتوافق مع خيارات المخرج. يقول أن هناك أفلاماً وثائقية سورية استقطبت جمهوراً أوروبياً على حساب الجمهور السوري وذلك خدمة لمصالح الممول الغربي، يعطي مثالاً على ذلك فيلم المخرج طلال ديركي الوثائقي عن الآباء والأبناء الذي كان أغلب جمهوره أوروبياً. يضيف أن هذا النوع من الأفلام هو مقدم للجمهور الغربي تحديداً. إذ لم ينجح الفيلم في تفكيك الشخصية الرئيسية في الفيلم وهي أبو أسامة حتى يصل للجهور السوري، بل قدمه بالطريقة النمطية التي يرى فيها الغرب الإرهابي والتي تناسب نظرة الجمهور الغربي عن ما يحصل في سوريا.

لجهات التوزيع أيضاً دور في تحديد الجمهور المستهدف، يقول كلثوم عن فيلمه طعم الإسمنت، أنه عندما تم عرض فيلمه في اليابان قامت الجهات الموزعة اليابانية بتغيير اسم الفيلم لاستقطاب جمهور أوسع، فتم عرض الفيلم تحت عنوان "ذاكرة الإسمنت" وذلك لمخاطبة جمهور يراقب الحركة العمرانية المستمرة في بلده منذ تعرضه لاعتداء نووي عام 1945. يضيف أن الموزع من حقه تغيير عنوان الفيلم لاستهداف جمهور ما بشرط أن يكون العنوان الجديد في سياق فكرة الفيلم وهدفه.

فيلم قتل معلن

تقول الراهب أنه في حالة فيلمها قتل معلن فالأمر كان مختلفاََ، فالجهتين الممولتين للفيلم، مدني وسيرج، هما منظمتان مدنيتان تعنيان بقضايا حقوق الإنسان بشكل خاص، وقررتا تمويل مجموعة أفلام قصيرة تعنى بقضايا المرأة، وليستا جهتين متخصصتين في إنتاج الأفلام. مضيفة أن الجهتين قد حددتا الجمهور المستهدف لخدمة توجهاتهم الإنسانية، دون أن تفرضا أي تأطير يحدد سياق تناول الموضوع. تضيف أن سيناريو فيلم قتل معلن كان من أول اختياراتهم، باعتباره الأكثر تكثيفاً في التعبير عن قضايا متعددة تتعلق بمعاناة المرأة والعنف المفروض عليها، من خلال قضية محورية تتعلق بزواج القاصرات في مخيمات اللجوء، الذي تم ربطه بسياقه العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، في مدة لا تتجاوز الربع ساعة.

ويروي الفيلم قصة طفلة سورية في الحادية عشر من عمرها، تقطن مع عائلتها في مخيم للاجئين السوريين في لبنان. تُدفع الطفلة للزواج ممن يكبرها بخمسة وعشرون عاماً من قبل والديها اللذين يعانون ظروفاً صعبةً في مخيمات اللجوء من دون عمل أو مساعدة حقيقية. يأتي الفيلم في وقت تتفشى فيه ظاهرة زواج القاصرات خاصة في هذه المخيمات والذي تسعى منظمات عدة تعمل في قضايا حقوق الإنسان والطفل لنشر الوعي حول هذه الظاهرة ومكافحتها ما جعل الفيلم يلقى تمويلاً من هذه المنظمات.

حجم التمويل الذي يتم تقديمه من منظمات المجتمع المدني يختلف عن التمويل المقدم من جهات سينمائية وثقافية معتبرة، والذي لا يؤثر فقط على جودة الفيلم، بل على حضور وانتشار الفيلم أيضاً، إذ أن هذا النوع من الأفلام لا يحقق أحياناً شروط العرض في المهرجانات ودور السينما. مما يجعل جمهوره ضيقاً يقتصر على فئة صغيرة من المهتمين بهذه القضايا. في لقاء مع العربي الجديد، تقول الراهب أنها ستتروى في عرض الفيلم حتى يصل للمهرجانات لإيصال صوت السوريين إلى العالم. وهذا ما حصل فعلاً، إذ تمت دعوة الفيلم لمهرجان آرغوس السينمائي بالدانمارك.

تضيف الراهب لنا أن الفيلم الذي يصور بسخاء في عدد أيام التصوير اللازمة له باستخدام المعدات والتقنيات المناسبة مع الخدع الغرافيكية المكلفة عادة، ليس كفيلم لا يتوفر فيه إلا القليل من إمكانيات الدعم التي تسمح له بتحقيق شروط العروض في أهم المهرجانات أو دور السينما.

وثائقي إلى سما

وثائقي إلى سما يحكي قصة المخرجة والصحفية السورية، وعد الخطيب، التي صورت حياتها في حلب التي كانت تحت سيطرة الثوار، والتي تتعرض لقصف واعتداءات مستمرة من قبل النظام السوري. الفيلم يروي قصة وعد التي أحبت، وتزوجت من الطبيب حمزة الذي كان يدير مستشفى وحيد من بين تسع مستشفيات في شرق حلب، وأنجبت سما التي أهدت الفيلم لها، كما يصور حياة أصدقائهم ممن شاركوهم حياة الحرب والعنف الذي تعرضت له المدينة والتحديات التي فرضها الصراع على الناس عموماَ والنساء والأطفال خصوصاً.

الفيلم بالكامل رسالة من الأم إلى ابنتها ومحاولة لشرح سبب بقاء الزوجين في شرق حلب. تم إنتاج الفيلم وتوزيعه من قبل جهات إخبارية أمريكية وبريطانية هم: Channel 4 New و PBS Frontline وحصد العديد من الجوائز، كما حصل مخرجا الفيلم وعد وإدوارد واتس على جائزة إيمي.

تقول الخطيب في حوار لنا معها أنه بالرغم من أن تمويل الفيلم كان من جهات إخبارية إلا أنه كان لها حرية عرض القصة بالشكل المناسب، وأن الجمهور المستهدف للفيلم كان محلي وعالمي، الأمر الذي لعبت فيه جهات التوزيع دوراً كبيراً، إذ تم عرضه في صالات مهرجانات عالمية عدة، بالرغم أنه في بعض الحالات لم يحقق شروط العرض، إلا أن قصة الوثائقي ومحتواه المقدم مع اسم شركة التوزيع ساهما في تجاوز هذه النقطة وعرضه.

تم عرض فيلم إلى سما في معظم دور السينما الأوروبية، واحتل فترة عرض مقبولة في سينمات مشهورة في لندن. كما تم بيع تذاكر العروض كاملة في ستراسبورغ على سبيل المثال. لم يكن الجمهور السوري أول الحاضرين لهذه العروض، بل كان الأوروبيون حاضرون بقوة. كما تمت مراجعة الفيلم من قبل جهات أجنبية احتُفل بها موقع الفيلم الإلكتروني على حساب المراجعات باللغة العربية. تجدر الإشارة أيضاً أن فيلم إلى سما وفيلم قتل غير معلن غير متوافران يالمجان على الإنترنت للمشاهد، كما هي حال العديد من الأفلام الوثائقية أو الروائية التي تروي قصص السوريين في زمن الحرب.

Related story

1.jpg
بين حكايته اليومية التي تقدّم لجمهورٍ غيره والأفلام التي تناسب أيديولوجية النظام، أين الجمهور السينمائي السوري؟

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى openDemocracy تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram