نوى

الجنجويد وتوازن القوى في تشاد والسودان

عودة الجنجويد كاسم بارز في الأخبار لم يقتصر على المشهد السوداني فقط، ولكن امتد ليصل لدولة تشاد المحكومة لأكثر من ثلاثين عاماً بحليف الجنجويد، إدريس ديبي إتنو.

Aman Bezreh أمان البزرة
5 July 2019
Sudanese protest outside the army's headquarters in Khartoum, Sudan, April 25, 2019.
|
Picture by: Mohamed Khidir/Xinhua News Agency/PA Images. All rights reserved.

مع فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم وما لحق به من انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم ضد المعتصمين، عاد اسم الجنجويد أو ما يعرف بقوات الدعم السريع للظهور مرة أخرى بعد غياب نسي العالم معه جرائم حرب دارفور بين عامي ٢٠٠٣- ٢٠٠٦، والنزاع العرقي الذي بقيت أثاره موجودة حتى ولو لم تظهر على الإعلام العربي.

والجنجويد أو قوات الدعم السريع هي مليشيا قبليّة تم ضمها لقوات الأمن السودانية عام ٢٠١٣، بعد نزع اسم الجنجويد منها لإعطائها الشرعية ووضعها تحت قيادة الجنرال محمد حمدان دقلو الملقب بـ"حميدتي". إلا أن أثر الجنجويد المتروك في ذاكرة الشعب السوداني أعاد اسمها للظهور خلال الحراك ضد الرئيس السوداني عمر البشير واعتصام القيادة العامة. خاصة بعد أن بدأ حميدتي بنشر أكاذيب عن معتصمي القيادة العامة ومحاولة شيطنة الحراك وربطه بأجندات أجنبية.

عودة الجنجويد كاسم بارز في الأخبار لم يقتصر على المشهد السوداني فقط، ولكن امتد ليصل لدولة تشاد المحكومة لأكثر من ثلاثين عاماً بحليف الجنجويد، إدريس ديبي إتنو.

من هم الجنجويد؟

تكثر التحليلات حول أصل كلمة جنجويد والبعض يعيدها إلى حامد جنجويد الذي كان يقود عصابة سرقة في دارفور الصادر بحقه حكم إعدام لنهبه المصرف المركزي في نيالا عام ١٩٩٨، إلا أنه قد تم العفو عنه مع بداية حرب دارفور ليشكل ميليشيا حرس الحدود المؤلفة من أفراد من القبائل العربية في المنطقة والتي عرفت أيضاً باسم الجنجويد. وبالتالي، فإن حرس الحدود وقوات الدعم السريع ليست سوى أسماء مختلفة للجنجويد. وآخرون يعيدون أصل الكلمة لتركيب عدد من الحروف الواردة في جملة "جِن راكب جواد ويحمل G3"، وهو نوع من البندقيات المطور خلال خمسينيات القرن الماضي.

وخلال حرب دارفور عام ٢٠٠٣، لعبت الجنجويد التي ضمت أفراداً من قبائل العرب الرّحل أهمها الرزيقات التي ينحدر منها الجنرال حميدتي دوراً مهماً، والتي تحكمها مع سكان دارفور من الإثنيات الأفريقية دينامية تحكم غرب إفريقيا عموماً، وهي دينامية صراع المزارعين مع رعاة الغنم أو البدو. ففي معظم دول إفريقيا تتكون مجتمعات المزارعين من الإثنيات الإفريقية كالدوغون والوداي والتاما، بينما تشكل مجتمعات رعاة الغنم والبدو الإثنيات العربية أو الطارقية أو الإثنيات الأفريقية التي اعتنقت الإسلام كالفلان والزغاوة.

وشكلت حركة تحرير السودان وجماعة حركة العدالة والمساواة العصب الرئيس للتمرد المسلح في دارفور الذي ضم أكثره إثنيات الزغاوة والفور الأفريقية والذي وقفت ضده الجنجويد، وقاموا بشن حملة تطهير عرقي بموافقة النظام السوداني ضد هذه الإثنيات، أدت إلى توجيه اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير.

تشاد وحرب دارفور

أعاد نزاع دارفور المسلح تشكيل التحالفات السياسية الإقليمية خاصة بين تشاد والسودان وليبيا. وكان لدى معمر القذافي أسبابه لدعم الثوار في دارفور بعد أن نجا من الموت في كمين نصب له عام ١٩٩٦ من قبل الإسلاميين الليبيين الذين كانوا لاجئين في السودان. إذ استضافت الخرطوم العديد من خصومه الإسلاميين في ذلك الوقت، ورداً على ذلك أصبح تسليح متمردي دارفور عبر تشاد طريقة القذافي لتقويض النظام السوداني.

أما في تشاد، وبسبب الهويات المشتركة العابرة للحدود خاصة بين إثنية الزغاوة التي ينحدر منها الرئيس إدريس ديبي إتنو والروابط العائلية بين قادة حركة العدل والمساواة وعائلة إدريس ديبي، اضطر ديبي للحياد عن حياده والتوجه لدعم ثوار دارفور.

مع حلول عام ٢٠٠٥، عبر إدريس ديبي الخط الأحمر وأعلن دعمه الرسمي لمتمردي دارفور، مما دفع عمر البشير للرد عليه باحتضان الحركات المعارضة المسلحة التشادية والتي معظمها من قبائل التبو القاطنة في شمال تشاد وتزويدها بالسلاح والتسهيلات اللوجستية. وبعد عدة سنوات من المواجهات المفتوحة بين تشاد والسودان وفشل المعارضة التشادية بقيادة مجموعة من القادة منهم الجنرال محمد نوري الذي تم اعتقاله مؤخراً في فرنسا، من احتلال العاصمة انجامينا عام ٢٠٠٨، وقعت انجامينا والخرطوم اتفاقية سلام عام ٢٠١٠ معلنين ضمنياً أن استمرار البلدين في دعم المعارضة سيكون له أثر سلبي على بقاء كلا النظامين.

موافقة ديبي على توقيع اتفاقية السلام لها سبب آخر، إذ أن تمكين إثنية الزغاوة التي ينتمي لها في منطقة دارفور الممتدة إلى شرق تشاد قد عاد بأثر سيء عليه في أواخر ٢٠٠٥. وبدأت ظهور نزاعات بين قبائل الزغاوة أنفسهم، فمنهم من يؤيد الرئيس ديبي ومنهم من يؤيد معارض ديبي الأول من إثنية الزغاوة أيضاً، تيمان إرديمي الذي يقود الآن اتحاد قوى المقاومة والتي تعتبر من طليعة الحركات المعارضة لديبي من قبائل الزغاوة. فما كان لديبي إلا وضع معارضته في مواجهة مع القبائل العربية المرتبطة بجنجويد دارفور للتخلص منها.

تشاد وعودة الجنجويد

علاقة المصالح التي جمعت إدريس ديبي مع الجنجويد تكللت بزواج ديبي عام ٢٠١٢ من أماني هلال ابنة أهم قادة الجنجويد السودانية موسى هلال الذي ينحدر من قبيلة المحاميد العربية. هذه العلاقة الوطيدة مع الجنجويد وثّقت علاقة النظام التشادي مع القبائل العربية في شرق تشاد، خاصة وأن أهم رجالات الجيش التشادي تنحدر من هذه المنطقة. الرئيس ديبي المعروف بتعدد زوجاته متزوج أيضاً من هندا عقيل المنتمية لقبيلة الرزيقات العربية، والتي تعرف بسيدة تشاد الأولى ومستشارة لها وزن عند الرئيس ديبي.

وفي عام ٢٠١٧، ومع تدهور علاقات هلال مع الرئيس المخلوع عمر البشير والجنرال حميدتي الذي تم تعيينه بدلاً عن هلال لقيادة قوات الدعم السريع، قام ديبي بتأييد هلال والوقوف بجانبه، ما قربه أكثر من القبائل العربية في شرق تشاد وشمال دارفور.

وأصبح العرب في تشاد من أسباب بقاء نظام ديبي، ومع إعلان تشاد خطة تجنيد جديدة في الجيش التشادي انتشرت شائعات على صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع المعارضة التشادية التي تدار من الخارج تقول بأن النظام التشادي ينوي إعطاء كوتا تجنيد أكبر للعرب من شرق تشاد الذي يقاتل أفراده في صفوف قوات الدعم السريع السودانية، على حساب الإثنيات الأخرى.

ومع بداية صيف هذا العام الحار وجفاف المياه، تصاعد الصراع العنصري بين القبائل العربية والمجتمعات الأفريقية في شرق تشاد مؤدياً لوقوع ضحايا أغلبهم من إثنية التاما في كل من سيلا ووداي ووادي فيرا شرق تشاد، وذلك بسبب شح المياه ومحاولة الاثنيات الأفريقية التي تمتهن الزراعة حماية أراضيها من الرعاة العرب.

وفي محاولة من النظام التشادي لاحتواء الصراع في شرق تشاد ومنع مده لدارفور أو حتى توسعه داخلياً في تشاد، قام وزير الداخلية الأسبق محمد عبالي صلاح، عربي الأصل، من تشكيل قوة نزع سلاح من مواطني المحافظات الشرقية. إلا أنه وكما هو متوقع في دولة كتشاد، قوات نزع السلاح ما كانت إلا ميليشيا نهب وسرقة لاستغلال الإثنيات اللاعربية. وبينما قوات نزع السلاح تصادر الأسلحة من إثنيات الوادي والتاما، تقوم بترك السلاح بيد العرب الذين يقومون بدورهم بقمع الإثنيات الأخرى، ما دفع السكان لمناداتهم بـ "الجنجويد"، تيمناً بثوار السودان الذين يطلقون لقب الجنجويد على الأمن السوداني.

وساطات ديبي وعلاقات إستراتيجية

من الواضح أن المجلس العسكري السوداني ما زال يهاب سلطة ثوار دارفور ويخشى من أن عودة الجنجويد وتصدر الجنرال حميدتي للمشهد السوداني سيحرك مشاعر الزغاوة والفور ضد الأنظمة في السودان وتشاد. فالمجلس العسكري السوداني يهاب من توسع الصراع الناتج عن استياء الإثنيات اللاعربية في هذه المناطق والذي في حال حدوثه ستكون له آثارٌ كبيرة على كل من البلدين. فالنزاع الذي لا يغفو في دارفور بقيادة قائد حركة جيش تحرير السودان، ميني أركو ميناوي، لا يمكن فصله عن المعادلة في شرق تشاد، كونه نزاع لا يعترف بالحدود، وإنما يخضع لعلاقات إثنية وقبلية تجعل المنطقة امتداداً واحداً.

ذلك ولأسباب أخرى كثيرة، قام الرئيس ديبي بعقد لقاء نادر بين قائد حركة جيش تحرير السودان ميني أركو ميناوي ومسؤول في حركة العدل والمساواة، طاهر الفقي، مع الجنرال حميدتي في العاصمة التشادية نجامينا بتاريخ ٢٨ يونيو/حزيران، أعلن خلاله الجنرال حميدتي أن جميع أسرى الحركات المسلحة المعتقلين في السودان سيتم إطلاق سراحهم بعد يومين من توقيع اتفاق الصلح مع ميناوي. كما تعهد الطرفان بوقف الأعمال القتالية من أجل تهيئة مناخ مناسب للمفاوضات وعملية السلام.

وبالفعل فقد أصدر المجلس العسكري الانتقالي عفواً عاماً عن 235 أسيراً من حركة جيش تحرير السودان بتاريخ ٣ يوليو/تموز.

أما عن جنوب السودان، فديبي يتصدر أيضاً مشهد الوساطات مع طلب رئيس جمهورية جنوب السودان سلفا كير مآريت، من الزعيم التشادي القيام بدور الوسيط لمساعدته على مقابلة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو، والحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال المنفصلة عن الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة مالك عقار.

وساطة ديبي وعلاقته التي تنضج مع الجنرال حميدتي القريب من زوجة ديبي العربية هندا، تجعل تشاد أقرب أيضاً إلى تحالفات المملكة العربية السعودية في المنطقة، إذ أن الجنرال حميدتي تجمعه مع محمد بن سلمان مصالح مشتركة أهمها الحرب ضد الحوثيين في اليمن والتي جُنّد فيها العديد من السودانيين العرب للقتال ضد الحوثيين.

كما أن علاقة الصداقة التي تجمع بين الجنرال حفتر في ليبيا وحميدتي قد تؤدي بحسب مصادر إعلامية إلى إرسال حميدتي لقوات سودانية من العرب لدعمه في حربه ضد حكومة الوفاق الليبية المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس. يضاف إلى ذلك أن قرب عبد الفتاح السيسي في مصر من الجنرال حفتر والجنرال حميدتي سيجعل تشاد أقرب خطوة إلى مصر حليفة السعودية، خالقاً تحالفات إقليمية عميقة تضم مصر وتشاد والسودان وليبيا حفتر برعاية سعودية.

جدير بالذكر أن عدد من التقارير الإعلامية اتهمت قطر التي على عداوة مفتوحة مع السعودية باحتواء معارض ديبي من الزغاوة تيمان إرديمي الذي حاولت ميليشياته اختراق تشاد من قواعدهم في جنوب ليبيا يوم ٣ شباط ٢٠١٩. وبالطبع فشلت محاولة الإختراق مع تدخل فرنسا بطائرات عسكرية لإبقاء حليفها في المنطقة في منصبه.

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram