نوى

الشراكة بين القطاعين العام والخاص في سورية: أداة للخصخصة ولتعزيز شبكات المحسوبية

ماذا يقف خلف هذا الترويج؟ من يقف خلفه؟ ومن يدعمه؟ ومن المستفيد منه؟ وفي أي سياق يأتي؟ وهل حقا يمكن لهذا النموذج أن يساهم في عملية إعادة الإعمار؟ وكيف؟

جوزيف ضاهر
20 November 2019
مشروع تنظيم 66 خلف الرازي في دمشق
|
المصدر وكالة سانا بتاريخ 26/12/2017، والصورة تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها

نعيد نشر هذا المقال نقلا عن موقع حكاية ما انحكت

بعد مرور أكثر من ثمانية أعوام على الحرب في سوريا، ووسط الدمار الشامل الذي خلّفته والعقوبات الأميركية المشدّدة على دمشق، غالبًا ما تبدو إعادة إعمار البلاد احتمالًا بعيد المنال. لكنّ الحكومة السورية بدأت الترويج لنموذج تنمية اقتصادية مبني على مبادئ الشراكة بين القطاعين العام والخاص وخصخصة المنفعة العامة كأساس لإعادة إعمار البلاد وللتجدّد الاقتصادي.

غالبًا ما يقدّم العديد من المحلّلين نموذج "اقتصاد الحرب" لفهم الحالة الراهنة في سوريا كطرح جديد، يُفترض أن يمثّل شرخًا واختلافًا عن الديناميات الاقتصادية التي كانت موجودة في البلاد قبل 2011، بدلًا من اعتباره صيغة تفاقم هذه الديناميات السابقة، على الرغم من تضمينها شبكات وشخصيات جديدة في معظم الأحيان.

في الواقع، عمّق النزاع السياسات الليبرالية الجديدة التي كانت تعتمدها الحكومة السورية قبل الحرب، وعزّز النواحي الاستبدادية والميراثية للنظام.

الشراكة بين القطاعين العام و الخاص: ترويج عالمي

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، انطلقت عملية خصخصة المنفعة العامة مع تجذّر سياسات الليبرالية الجديدة في بدايات التسعينيات، وتحديدًا في القطاعات الصناعية والمالية والعقارية.

في السنوات الماضية، خصوصًا خلال العقد الماضي، شجّعت المؤسسات النقدية الدولية ترويج الشراكة بين القطاعين العام والخاص حول العالم كأداة جديدة للخصخصة ولإدارة الكيانات الخاصّة للمنفعة العامّة. لا يختلف الوضع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. على سبيل المثال، بدأ البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية نشاطاته في المنطقة بعد انطلاق الانتفاضات الشعبية في عام 2011، ويشكّل تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال البنى التحتية[1] أحد أهدافه البارزة.

ترمي نماذج هذه الشراكات إلى تولّي القطاع الخاص إدارة البنى التحتية العامة (خصوصًا في مجالات الاتصالات والكهرباء والصحة). في كثير من الأحيان، أصرّت المؤسسات المالية الدولية على ضرورة خصخصة البنى التحتية العامّة كشرط لتأمين القروض. ذكرت الاتفاقات الأخيرة في مؤتمر "سيدر" للتنمية الاقتصاية والإصلاح من خلال الشركات في باريس في أبريل/ نيسان 2018 حاجة لبنان إلى إنشاء الشراكة بين القطاعين العام والخاص مقابل قروض وهبات بقيمة 11 مليار دولار.

تبنّت عدّة دول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشريعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص لمضاعفة خصخصتها للخدمات العامة وللبنية التحتية الحضرية للدولة.

السعودية: خصخصة أم تحول وطني؟

في السعودية، أصبحت الشراكة بين القطاعين العام والخاص عنصرًا أساسيًا في الإستراتيجية الاقتصادية والسياسية لرؤية 2030 التي يروّج لها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. يفصّل برنامج التحوّل الوطني لعام 2020 الذي قُدّم بعد رؤية 2030 السياسات الاقتصادية للطاقم السعودي القيادي الجديد ويضع رأس المال الخاصّ في جوهر الاقتصاد السعودي المستقبلي. أعلنت الحكومة السعودية خططها لعقد الشراكات بين القطاعين العام والخاص لعدّة خدمات تقدّمها الحكومة، بما فيها القطاعات الاجتماعية الأكثر تقليدية مثل التعليم والإسكان والصحة. وصفت صحيفة "فاينانشل تايمز" هذه الخطط بالـ"الثاتشرية السعودية" (الثاتشرية تضمّ مجموعة سياسات اقتصادية ليبرالية، ويشتقّ الاسم من رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر التي أطلقت هذه السياسات).

في سوريا أيضا

في سوريا أيضًا، طوّرت السلطات سياسات على نسَق الشراكة بين القطاعين العام والخاص على مدى عدّة سنوات. قبل الحرب في سوريا، كانت الحكومة تعتبر هذه الشراكة أداة أساسية لتسريع تعبئة رأس المال الخاصّ، خصوصًا في قطاع الطاقة.

كانت الاستثمارات في البنية التحتية للكهرباء بحاجة إلى جذب الاستثمار الخاصّ وتخفيض كلفة العمليات التجارية. وفق تقرير حضّره البنك الدولي بالتعاون مع وزارة الكهرباء في سوريا عام 2010، ثمّة حاجة إلى استثمارات بقيمة 11 مليار دولار خلال عام 2020 لتحقيق قدرة إنتاج جديدة (7000 ميغاواط) وتوسيع شبكات التوزيع والنقل في البلاد.

الاستراتيجية الاقتصادية الجديدة المزعومة في سوريا: "التشاركية الوطنية"

ساءت الديناميات المذكورة بسبب الحرب والدمار، بينما سرّعت الحكومة السورية مواقفها الليبرالية الحديثة إثر اندلاع انتفاضة 2011، مع تزايد عسكرة النزاع بعد 2012.

في يوليو/ تموز 2015، وافقت الحكومة على قانون يسمح لمجالس المدن والوحدات الإدارية المحلية الأخرى بتأسيس شركات قابضة في القطاع الخاصّ لإدارة الخدمات والأصول العامة؛ خالقةً مساحة للمحسوبين على النظام لتوليد أعمال تجارية عبر الاستفادة من الأصول العامة.

كذلك، جرى تمرير قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص في سوريا في يناير/ كانون الثاني 2016، بعد ستّة أعوام على صياغته. يسمح القانون للقطاع الخاصّ بإدارة أصول الدولة وتطويرها في جميع قطاعات الاقتصاد، باستثناء النفط.

صرّح وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية همام الجزائري أنّ هذا القانون أوجد "إطارًا قانونيًا لتنظيم العلاقات بين القطاعين العام والخاص، كما أنّه يلبّي الحاجات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة في سوريا، تحديدًا في قطاع إعادة الإعمار"، وفي الوقت نفسه، يؤمّن للقطاع الخاص فرصة "المساهمة في التنمية الاقتصادية كشريك أساسي وفاعل".

لكن، على الأرجح، سيستمرّ القانون الجديد للشراكة بين القطاعين العام والخاص في تشديد تحكّم رأسمالية المحسوبيات بالأصول العامة على حساب مصالح الدولة والمصلحة العامة.

يجب فهم هذا القانون أيضًا في سياق الديناميات الليبرالية الحديثة المتنامية، بحيث تنفتح القطاعات الاقتصادية التي كانت تديرها الدولة وحدها على احتمال للجهات الفاعلة في القطاع الخاص لتكديس رأس المال.

ذُكر هذا القانون كمرجع للـ"الإستراتيجية الاقتصادية الجديدة" في التشاركية الوطنية التي أطلقتها الحكومة بعد شهر، في فبراير/شباط 2016.

جاءت التشاركية لتحلّ مكان النموذج الاقتصادي للسوق الاجتماعي الذي طُوّر في منتصف عام 2000، عندما كانت السلطات تركّز بشكل ملحوظ على تراكم رأس المال الخاص وعلى التحرير الاقتصادي.

الليبرالية الحديثة وإعادة الإعمار

تظهر السياسات الليبرالية الحديثة المتجذّرة بوضوح في خطط إعادة الإعمار في سوريا أكثر من أي مجال آخر. في خريف 2016، تأسّست شركة دمشق الشام القابضة المساهمة المغلقة الخاصّة برأس مال بقيمة 60 مليار ليرة سورية، وتعود ملكيتها كليًا إلى محافظة دمشق. تولّت هذه الشركة تمويل عملية إعادة إعمار منطقة بساتين الرازي في جنوب غرب دمشق[2].

في عام 2018، أعلنت محافظة حمص عن تأسيس شركة قابضة مشابهة، واتّخذت السلطات في حلب وفي ريف دمشق خطوات مماثلة هذا العام. حتى الآن، لم تبدأ أيّ من هذه الشركات، باستثناء شركة دمشق الشام، بعملياتها.

لكن، يُستخدم قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص لدواعي إعادة الإعمار المزعوم. ففي حماة، أُعلن عن مشروع تطوير عقاري في أكتوبر/ تشرين الأول 2018 في حيّ وادي الجوز الذي دمّره الجيش السوري والقوات الموالية للحكومة كليًا في عام 2013. وُضع المشروع تحت قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص لعام 2016، واستخدمت الحكومة قانون التخطيط العمراني رقم 5 للعام 1982 لتدمير وإعادة إعمار الحيّ عبر بناء 2400 شقة بقيمة 40 مليار ليرة سورية (86 مليون دولار).

في الإطار نفسه، أعلن رئيس الوزراء، عماد خميس، خلال لقاء مع ممثلين عن قطاع الأعمال شاركوا في معرض دمشق الدولي في سبتمبر/ أيلول 2018 أنّ الحكومة ستفتح على الأرجح 50 مشروع بنى تحتية أمام مستثمرين خاصين على شكل الشراكة بين القطاعين العام والخاص. خلال جلسة برلمانية في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، دعى النائب ورئيس غرفة الصناعة في حلب، فارس الشهابي، إلى المزيد من الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المجال الصناعي العام لتوسيع فرص الاستثمار للقطاع الخاصّ. قد تمهّد هذه الخطوة الطريق أمام سوق استثمار جديد يسمح لرجال الأعمال بالاستثمار في المجالات الصناعية العامة المُربحة، بينما تتخلّى الدولة تدريجيًا عن القطاعات التي تخلّف عجزًا.

في الوقت نفسه، لا تزال بعض القطاعات في وزارة الصناعة والاتحاد العام لنقابات العمّال الذي تتحكّم به الدولة تعترض على المقترحات.

خصخصة قطاع الطاقة!

تحدّثت الدولة بشكل متزايد عن احتمالات التحرير الاقتصادي في قطاع الكهرباء. بمعنى آخر، يخوّل ذلك المستثمرين "الخاصين" بدخول القطاع من باب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتوليد كهرباء واستيراد مشتقات النفط وشراءها بأسعار دولية. على الأرجح، سيسبّب تحرير قطاع الطاقة في سوريا أو تطبيق الشراكة بين القطاعين العام والخاص صعوبات كبيرة لشريحة واسعة من القطاعات الزراعية والصناعية، خصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة، عبر زيادة فاتورتها الكهربائية بشكل ملحوظ. بالتالي، ستنخفض قدرة قطاعيّ الصناعة والزراعة على المنافسة، وسيتّسع التفاوت بين الفاعلين الصغار والكبار في هذين القطاعين، إذ سيتمكّن الفاعل الأكبر من تحمّل الأسعار العالية والمحافظة على نشاطاته الاقتصادية. أمّا الشركات الأصغر والمتوسطة الحجم، فستواجه خطرًا لا يُستهان به، وقد تُضطرّ إلى إيقاف أعمالها في المستقبل.

سعت الحكومة السورية منذ فترة قصيرة إلى توقيع عقود مع مستثمرين خاصين في بعض شركات الأغذية التي تملكها الدولة، ضمن صفقات "التشييد والتشغيل ونقل الملكية"، أو عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

لكن، لم تُطبّق معظم مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص في سوريا بعد، وتقتصر معظمها على كلام مُعلن فارغ يعكس قيود الدولة وخططها للنهوض بالتنمية الاقتصادية.

مشاكل التمويل والعقوبات

تواجه عدّة تحديات أخرى سياسة سوريا لترويج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي والدمار بعد سنين من النزاع. يشكّل نقص التمويل والأموال الخاصة لتطوير هذه السياسة العائقين الأبرز. على المستوى المحلي، التمويل المصرفي غير كافٍ بطبيعة الحال، خصوصًا أنّ كلفة إعادة الإعمار تُقدّر بـ250 إلى 400 مليار دولار.

واجهت خطط الشراكة بين القطاعين العام والخاص التي طرحتها الحكومة السورية مشاكل تمويل لأنّها تعتمد إلى حدّ كبير على تمويل المصارف المحلية.  في نهاية 2018، بلغت أصول المصارف التجارية الـ14 في القطاع الخاص 2 ترليون ليرة سورية (أي حوالي 4,4 مليار دولار، بحسب سعر الصرف حينها). في عام 2010، بلغ هذا الرقم 13,8 مليار دولار. على صعيد الأصول، كانت ستة من المصارف التي تملكها الدولة أهمّ من نظيراتها في القطاع الخاص، تحديدًا المصرف التجاري السوري. لكنّ هذه المصارف كانت تملك محفظات كبيرة من الديون المعدومة.

يؤثر هذا الهبوط المطوّل وتأرجح العملة المحلية على مستوى الاستثمار المنخفض أصلًا في البلاد. كما يثير عجز الحكومة السورية والمصرف التجاري السوري عن تثبيت الليرة السورية، على الرغم من الوعود المتكرّرة، مخاوف لدى المستثمرين الأجانب من احتمال خسائر في الصرف بسبب تراجع قيمة العملة.

تفيد سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص المستثمرين الأجانب، مثل الدول المتحالفة مع الحكومة السورية، خصوصًا روسيا. أمّا إيران، فتعتمد استفادتها على مجموعة مذكرات التفاهم الموقّعة بين البلدين التي لم تُطبّق بعد. حصلت بعض الشركات الإيرانية على عقود، معظمها مرتبطة بالخطّ الاعتمادي الإيراني الممتدّ إلى دمشق، مثل عقد مجموعة الشركات الإيرانية "مبنا" التي تُعنى بتطوير الطاقة الحرارية والمتجدّدة وتطبيق خططها. وُكّلت "مبنا" ببناء محطّة لتوليد الطاقة في مدينة اللاذقية الساحلية.

وقّعت الشركة الروسية "سترويترانسغاز" عقدًا مع الحكومة السورية لإدارة مرفأ طرطوس لفترة 49 عامًا. فسّر وزير النقل السوري، أنّه يُتوقّع من الشركة أن تستثمر 500 مليون دولار خلال فترة العقد، خصوصًا لتطوير وتوسيع المرفأ والسماح لسفن أكبر أن ترسو فيه.

وقّعت الشركة الروسية عقدين آخرين مشابهين في سوريا عام 2018؛ أحدهما لتطوير مناجم الفوسفات في خنيفس في ريف حماة؛ والآخر لإدارة مجمّع إنتاج أسمدة قرب حمص تشغّله الشركة العامة للأسمدة. بالتالي، ستسمح هذه العقود للشركة الروسية بالإشراف على السلسلة الكاملة لإنتاج الفوسفات ونقله وتصديره، من المنجم إلى المرفأ.

أثار بيع أصول اقتصادية وطنية رئيسية نقدًا ملحوظًا من شريحة كبيرة في المجتمع السوري، وشملت الموالين للنظام.

أُرغم وزير النقل السوري علي حمود على إعطاء تفاصيل إضافية حول صفقة طرطوس مع روسيا، لتشتيت الانتباه عن هذا النقد الكثيف. على حدّ قوله، لم تتخلَّ سوريا عن المرفأ الذي كان وسيبقى ملكها، لكنّها أوكلت إدارته إلى دولة عظيمة وصديقة لسوريا. كما برّر الوزير الصفقة بكمية الاستثمارات اللازمة لتوسيع قدرة المرفأ على استيعاب أن ترسو سفن بوزن 100 ألف طن، وقال إنّ الحكومة السورية لا تملك المال اللازم لإتمام هذه الأعمال. بالتالي، اضطُرّت إلى استقطاب مستثمر أجنبي.

في البداية، ستحصل الحكومة على 25% من الإيرادات التي تنتجها نشاطات المرفأ، وسترتفع هذه النسبة تدريجيًا إلى 35%. قد يعزّز الاتفاق مع الشركة الروسية إيرادات مرفأ طرطوس إلى 84 مليون دولار بدلًا من 24 مليون دولار التي يحصّلها المرفأ حاليًا. أخيرًا، شدّد حمود على أنّ حقوق العمّال في المرفأ محفوظة، وطمأن إلى أنّ وظائفهم محمية وأنّهم سيتلقون دروسًا باللغة الروسية.

في الوقت نفسه، ثمة شكوك جدية حول تطبيق المشاريع الاقتصادية بين سوريا وحلفائها، خصوصًا في ما يخصّ خطط إعادة الإعمار، وأيضًا مذكرات التفاهم في الأعوام الماضية. مثلًا، عجزت الحكومة السورية عن تأمين الأموال اللازمة لمساهمتها في صفقات قطاع الكهرباء مع إيران وروسيا، فانسحبت الدولتان بالتالي من تلك الاتفاقات.

يبقى تمويل رأس المال الأجنبي لعملية إعادة الإعمار مبهمًا وغير كافٍ، تحديدًا لأنّ روسيا وإيران تواجهان مشاكل اقتصادية كبيرة في الوقت الذي تقدّمان فيه مستويات عالية من الدعم المالي والمادي للنظام السوري.

كذلك، ترتبط مشاركة فاعلين أجانب في إعادة إعمار سوريا باعتبارات دولية أخرى، خصوصًا تلك المتعلّقة بإيران. تشكّل عقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على سوريا عائقًا قد يخيف الشركات الأجنبية.

كما تدفع تهديدات العقوبات الأميركية معظم الشركات الصينية والدولية المتعدّدة الجنسيات إلى تأجيل استثماراتها، مثل شركة الهواتف الذكية "هواوي" التي أعلنت حديثًا انسحابها من سوريا وإيران. في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، زادت الولايات المتحدة الضغط على سوريا عبر إعلانها أنّها ستطبّق عقوبات على أي طرف متورّط في شحن النفط إليها (بما في ذلك شركات الشحن والتأمين ومالكي السفن والمدراء والشركات المشغّلة). كما عرقل الضغط الأميركي التقارب بين الأنظمة العربية وسوريا. وعلى الرغم من أنّ العلاقات السورية- الإماراتية[3] تتقدّم، تراجع الزخم لإعادة ضمّ سوريا إلى جامعة الدول العربية.

كرّر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اعتماد دعمهما لإعادة الإعمار في سوريا ورفعهما للعقوبات على عملية سياسية موثوقة تؤدّي إلى انتقال سياسي فعلي. في يناير/ كانون الثاني 2019، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على 11 رجل أعمال بارز وعلى خمسة كيانات لتورّطهم في تطوير عقارات فخمة، مثل مشروع "مدينة ماروتا" في بساتين الرازي، ولسمسرتهم لصفقات تجارية عديدة نيابة عن النظام.

الاستنتاج

طرحت الحكومات السورية المتعاقبة السياسات الليبرالية الجديدة العميقة في سوريا، تحديدًا من خلال الاستراتيجية الاقتصادية الحديثة المتجسّدة بالشراكة الوطنية وقانون الشراكة بين القطاعين العام  والخاص، كتدابير ضرورية و"تكنوقراطية". لكن يجب اعتبار هذه السياسات منفذًا لتغيير الشروط العامة لتراكم رؤوس الأموال ولتمكين الشبكات الاقتصادية التابعة للنظام. غالبًا ما اغتنمت الدول الأزمات كفرص لإعادة الهيكلة والترويج للتغيير بوسائل لم يسبق اعتمادها، بغية توسيع ملحوظ في مجال السوق في مجموعة واسعة من القطاعات الاقتصادية التي كانت الدولة تسيطر عليها بشكل كبير.

على الأرجح، سيرسّخ قانون الشراكة بين القطاعين العام  والخاص نفوذ رجال الأعمال التابعين للنظام وسيطرتهم على المنفعة العامة، على حساب مصالح الدولة والمصالح العامة. لذا، تتكفّل هذه السياسات الاقتصادية بتجديد إستراتيجيات تراكم رأس المال الخاص التي تعود إلى ما قبل عام 2011، وفي الوقت نفسه، تجدّد وترسّخ استبدادية النظام ونزعة التوارث فيه.

من هذا المنطلق، لم تخلق الحرب شرخًا مع النموذج الاقتصادي السابق، إنّما عمّقت النموذج الاقتصادي التجاري القائم على المضاربات والشائع في المنطقة. يتميّز هذا النموذج بالاستثمار في مشاريع مربحة على المدى القصير، خصوصًا في مجالات التجارة والعقارات والخدمات، على حساب الاقتصاد الإنتاجي.

يبدو أنّ السياسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للنظام السوري ستفاقم التفاوت الاقتصادي والاجتماعي والمناطقي في البلاد، وستعمّق المشاكل التي انطلقت بسببها الثورة في مارس/آذار 2011. لسوء الحظّ، لم تفلح المعارضة بأغلبها، حتى قبل عام 2011، في طرح بديل اقتصادي واجتماعي فعّال لسياسات النظام الليبرالية الجديدة (في الواقع، لم تختلف السياسات التي طرحها المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني السوري عن سياسات النظام). إذًا، في الأغلب، كان الفشل حليف المعارضة أيضًا في معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي انتفض بسببها الشعب في عام 2011.

المراجع:

[1] آدم هنية (2018)، المال والأسواق والأنظمة الملكية: مجلس التعاون الخليجي والاقتصاد السياسي للشرق الأوسط المعاصر، كامبردج يونيفرستي برس، كامبردج، المملكة المتحدة، ص. 163

[2]  لكن بدأت بعد التوترات تبرز بين الكيانين في نهاية مايو/ أيار 2019 على خلفية امتيازات الشركة ومطالبتها بالمزيد من الصلاحيات. كان مجلس إدارة شركة دمشق الشام القابضة قد طلب من مجلس محافظة دمشق السماح لإحدى الشركات الفرعية بأن تتولّى إدارة جميع نواحي التنمية العقارية في المحافظة، بالإضافة إلى منحها ولاية من خمسة أعوام تتمتّع خلالها بالحرية الإضافية في عملياتها. انتقد عدّة أعضاء في المجلس هذا الطلب وعارضوه.

[3]  للمزيد من المعلومات حول العلاقات بين سوريا والإمارات، راجع: جوزيف ضاهر (2019)، "ديناميات وتطوّر العلاقات بين الإمارات وسوريا: بين التوقعات والعقبات"، معهد الجامعة الأوروبية، https://cadmus.eui.eu/handle/1814/64727

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram