نوى

الكفّ الذهبي: رعب الحياة خارج النظام الألماني

تتكرّر في ألمانيا مقولة تفيد بأنّ النظام الألماني الاقتصادي هو نظام لا يرحم من يرتكب الأخطاء في حياته.

وسيم الشرقي
13 May 2019
Franziska Kraufmann/DPA/PA Images. All rights reserved.

ترسم المخيّلة التقليديّة لكثير من اللاجئين صورة متخيّلة عن المجتمع الألماني، في تلك الصورة يعيش عالمان لا ثالث لهما، في الأوّل يعيش الألمان ويمارسون حياتهم "الألمانيّة" وفي الثاني يعيش اللاجئون معزولين عن ذلك العالم الأوّل، ويحاولون جهدهم طوال الوقت خرق الجدار الوهمي الذي يفصل بين هذين العالمين، والعبور إلى الضفة الأخرى. بعبارة أخرى يحاولون إنجاز "الإندماج" والذي ليس هوساً يحمله اللاجئون من الفراغ، بل أيضاً مجموعة من التعليمات عن شكل الحياة الصحيح في ألمانيا، تصل إليهم من مصادر مختلفة، وليست كلّها طبعاً من بنات أفكارهم.

ولكن ما مقدار مطابقة الواقع لهذه الصورة المتخيّلة عن الحياة في ألمانيا؟ أي حياة المجتمعين المتوازيين غير القابلين للالتقاء. للإجابة على السؤال السابق يمكن متابعة مجمل أعمال المخرج الألماني-التركي فاتح آكين، أو بتوصيف أدق، المخرج الهامبورغي، نسبة إلى مدينة هامبورغ التي نشأ فيها وأنجز معظم أعماله عن بعض عوالمها المختلفة، العوالم المتنوعّة والمتعايشة في الجمهوريّة الإتحاديّة الألمانيّة، والّتي ذهب في فيلمه الأخير "الكفّ الذهبي" إلى أحدها، وهو عالم قد لا يتخيّل طالبوا اللجوء أنفسهم مدى سودايتّه، ذلك على الرغم من كون أبطاله جيمعاً ألمان، أي من العالم الأوّل السعيد، بحسب الوهم الذي ذكرناه سابقاً.

في فيلمه الأحدث يعود آكين إلى رواية الكاتب "هاينز شترونك" والمبنّية على قصة حقيقيّة عن حياة قاتل متسلسل عاش في حيّ سان باولي الشهير عالميّاً بسبب ناديه الكروي ومشجعيه ذوي التوجهات السياسيّة التقدميّة، إلا أنّ حياة القاتل "فريدريش هونكا" كانت مادة نقيضة للصورة النمطية عن الحي، حيث قام الأخير باغتصاب وقتل العديد من النساء على مدى سنوات، بعد أن قام بإخفاء الجثث في تجويف خشبي في بيته الصغير حيث قام بتنفيذ جرائمه.

يحمل الفيلم عنوان "الكفّ الذهبي" نسبة إلى الحانة المحليّة التي تحمل الاسم ذاته، والتي كان القاتل يصطاد معظم ضحاياه فيها، وهم غالباً من النساء المشرّدات المدمنات على الكحول، والّتي كان القاتل الذي يمتلك عملاً نهاريّاً يموّل نفسه من خلاله يغريهم بتقديمها لهن، مقابل القدوم معهم إلى شقّته، أو مسرح جرائمه المتكرّرة، والتي تنقلها عدسة آكين، وأداء ممثليه وعلى رأسهم "يوناس داسلر" بغرافيكيّة عالية، خلقت العديد من الانطباعات الصادمة عند العديد من متابعي الفيلم، لما تحمله من قسوة وعنف عار، نجح ممارسه بالحياة لفترة طويلة دون محاسبة حتّى انكشاف أمره بالصدفة، وهو الأمر الذي يفتح الباب بشكل واسع على تساؤلات عن سبب وحدة هؤلاء النسوة، وعن غياب عمليّة بحث جنائيّة عن أسباب اختافئهنّ، ذلك على الرغم من تكرار الحادثة لأكثر من مرّة.

ضحايا الرفاه والعدالة الاجتماعيّة

تتكرّر في ألمانيا مقولة تفيد بأنّ النظام الألماني الاقتصادي هو نظام لا يرحم من يرتكب الأخطاء في حياته. خطأ أو اثنان خلال مسيرة حياتك، وسيرميك النظام الاقتصادي خارج عجلته، كأن تأخذ مثلاً قرضاً كبيراً من المصرف بناءً على وظيفتك الثابتة، ثمّ تفلس الشركة التي تعمل فيها، فتعجز عن تسديد الأقساط وعن إيجاد عمل في الفترة القصيرة التي سيدعمك فيها التأمين الاجتماعي.

مثل هذه القصص المتكرّرة في النظام الاقتصادي الألماني تخلق دائما، وكما في ظلّ أيّ رأسمالية، ضحايا مرميين خارج النظام، قد يساعد طبعاً إدمانهم للكحول أو المخدّرات في تعميق الخندق العميق الذي يفصل بينهم وبين عودتهم إلى "السيستم".

تكمن أهميّة سينما آكين في الذهاب إلى حياة المجتمعات المتنوّعة داخل ما يسمّى "المجتمع الألماني" من حكايا المهاجرين الإيطاليين في ألمانيا في "سولينو" إلى قصّة الحب الجامحة بين جاهد وسيبيل نصف الأتراك نصف الألمان في "ضدّ الجدار"، إلى حكايا المهاجرين اليونانيّين، وحكايا الألمان الذين لا يحملون خلفيات مهاجرة، كلّ ذلك في تنويع أسلوبي يتغيّر من فيلم لآخر بحسب طبيعة القصّة الّتي يحكيها الفيلم، مع هامش خيارات عريض يختار منه آكين يتنوّع من تقاليد الواقعيّة الإيطاليّة إلى أفلام الرعب الأمريكّية.

لكن ما يضبط ذلك التنوّع الواسع في سينما آكين هو الإخلاص للحكايات التي ترويها أفلامه، والتي تنتمي في النهاية إلى ذلك الطيف المتنوّع من الخلفيّات الثقافيّة والاجتماعيّة في ألمانيا، كلّ ذلك بعيداً عن السرد "السياسوهويّاتي" المبتذل، وقريباً من شكل الحياة في واقعها المتنوّع اقتصاديّأً واجتماعيّاً.

في "الكفّ الذهبيّ" ينجح فريق العمل في إيصال كميّة كبيرة من الرعب للمشاهد، ليس الرعب كنوع سينمائي ترفيهي فقط، بل أيضاً الرعب من أن ينتهي بنا المصير يوماً مكشوفين وضعفاء كضحايا فريدريش هونكا، اللّاتي انتهى بهنّ المصير كجثث متعفّنة بعد قتلهم بأبشع الطرق، كل ذلك لأنهنّ كنّ بحاجة لمكان لقضاء الليلة، أو لزجاجة كحول أخرى لنسيان الوحدة وقلّة الحيلة التي هم فيها، وحدة قد لا يتخيّلها اللاجئون أنفسهم، حتّى في أسوأ كوابيسهم عن ألمانيا، وعن آفاق الحياة فيها.

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram