نوى

العنصر المفقود في مصر: الشعور بالانتماء

مع عقود من السياسات النيوليبرالية ، تزايد الانقسامات الطبقية ، وهدم الساحات العامة ، قد اختفى الاحساس بالانتماء الاجتماعي في مصر ، والحاجة إلى استعادته عاملا مشتركا في التحركات الجماهيرية. English

Sarah El Sheikh
23 March 2016
495445831_0.jpg

Mohamed El-Shahed/AFP/Getty Images. All rights reserved.في عام 2011، خرج المصريون إلى الشوارع، ثائرين ضد 30 عاما من الحكم العسكري الفاسد والمستبد والرجعي. بعد ثمانية عشر يوما، تنحي مبارك. لقد فعلوها!

في عام 2013، خرج المصريون إلى الشوارع مرة أخرى لمطالبة الجيش بانتزاع السلطة من نظامهم المنتخب ديمقراطيا منذ عام واحد. مرة أخرى، لقد فعلوها!

في ظل ما يبدو أنه انتكاسة محيرة بعد أول تجربة ديمقراطية، تفرض بعض الأسئلة نفسها: لماذا طالب الشعب بشيء ما في لحظة معينة ثم - بعد وقت قصير جدا - طالب بنقيضه؟ من هؤلاء الناس؟ هل هى نفس الجماهير المصرية تثور ضد مطالبها؟ أم أنها مجموعات مختلفة لها مطالب متعارضة؟

في خضم كل المفارقأت والتناقضات، ظل هناك عامل واحد مشترك وأساسي بين هذين الحدثين: ديناميكيات التعبئة والحشد الجماهيري، وصوت الهتاف الموحد. لقد كان عملا "جماعيا" في جوهره بالمعنى البدائي جدا.  كان جماعيا من كل النواحي، بما في تلك المشاركة الجسدية والحضور اللفظي والتعبير العاطفي. كان متحررا من التعقيد السياسي من حيث اتفاق الشخص أو اختلافه مع مطالب الحدث التفصيلية.

نَزْع ألعنصر "السياسي" من أحداث 25 يناير و30 يونيو على حد سواء، وكذلك من الأحداث الأصغر بينهما وبعدهما، دفع بالبعد "الاجتماعي" إلى الواجهة. كان ذلك الحراك كفاحا من أجل الانتماء الاجتماعي، من أجل العضوية في تكتل ما، "فرد في مجموع". حين نظّرنا لكواليس السياسية المصرية، مرة في إطار العلاقات الدولية وأخرى في إطار تاريخ الفاشية، لما بحثنا عن حل اللغز بين تصرفات حفنة من القيادات، أغفلنا الاحتياجات الفعلية للجماهير.

بعد أكثر من أربعة عقود من سياسات الليبرالية الجديدة، والتي بدأها السادات بسياسة الانفتاح الاقتصادية وصانها ورعاها مبارك خلال فترة حكمه، لم يعد الفقر بمعناه المادي المباشر فقط هو ما يزعج الطبقات الكادحة. بناء على ما كتبه جلال أمين في كتابه "ماذا حدث للمصريين"، برهن هشام شفيق أن النيوليبرالية الاجتماعية والاقتصادية المصرية تسببت في "استبعاد واضطراب اجتماعيين". وهذا يعني أن المواطن العادي في مصر لا يفتقر فقط للغذاء والسكن والخدمات الصحية بل أيضا إلى الشعور بالانتماء: إلى مجتمع وإلى مكان، حيث يشعر المرء بأنه فرد في مجموع، إنسان مقبول وموجود. بعد عقود من سياسات النيوليبرالية الممنهجة، والتي ترجمت إلى: الاستهلاك على النمط الغربي، وتزايد المساحات المسوَّرة، ونمو الفجوة الطبقية، وتدمير المجال العام المادي والافتراضي، تلاشى الانتماء الاجتماعي.

أصبح المواطن العادي غريبا في أرض يزعم أنها تخصه. لم يعد فقط مستبعدا من اللعبة السياسية واعتباراتها، بل أصبح يعاني فوق ذلك من الحرمان الاجتماعي من الحياة العامة الآخذة في التقلص.

بغض النظر عن قدرات الفرد الاستهلاكية أو تصنيفه الاجتماعي، هو لا ينتمي إلى أي مكان. إنه هذا السعي من أجل الانتماء الاجتماعي الذي جمّع الناس من مختلف الطبقات الاجتماعية والخلفيات التعليمية والمعتقدات الدينية والانتماءات السياسية (على ندرة الأخيرة) معا في هذه الأشكال الاحتفالية من التجمعات "الثورية".

هذه النظرة إلى الأمور تفسر السلوك المهرجانى (على عكس السلوك الغاضب المتوقع) لهذه الأحداث التي يفترض أنها "ثورية"، وقد تميزت كلها بروح البهجة التي لا تهتم بالخلافات السياسية. من الأمثلة على هذه الأحداث: مظاهرات 25 يناير و30 يونيو، واحتفالات الذكرى السنوية لكل منهما، وحملات السيسي الأخيرة للتمويل الجماعي لدعم الاقتصاد المصري (والتي دعا إليها موخرا من دون حتى أن يوضح الأغراض أو المشاريع التي ستذهب إليها الأموال). طوال هذه الأحداث المتنوعة، كان الشعور بالانتماء الاجتماعي هو ما يحفز الجماهير على المشاركة في ثورة أو انقلاب أو احتفال أو حملة تمويل جماعي، أو أي شيء هو بالأساس "اجتماعي".

إذا فهمنا هذا في ضوء نظرية ماسلو للسلم الهرمي للاحتياجات، فإن الفئة الثالثة من هذه الاحتياجات، أو "المجتمع"، هي التي عبأت الجماهير. أما المستويين الأول والثاني، الاحتياج "الفسيولوجي" إلى الغذاء والملبس والسكن، والاحتياج إلى "سلامة" النفس والممتلكات والموارد، فمن الواضح أنهما كانا غير فاعلين. ومع ذلك، كان من الصعب أن تكون هذه الاحتياجات فاعلة في ظل تماسك الأجهزة الأمنية والخطاب الديني المخدِّر.

وظيفة الانتماء السياسي في هذه الحالة هي تلبية الاحتياج إلى "تحقيق الذات" والذي يعد شكلا من أشكال الرفاهية التي تأتي متأخرة في التسلسل الهرمي للاحتياجات. وبناء عليه فإن الفئة الثالثة من الاحتياجات - والوحيدة التي سُمح لها بالقيام بوظيفتها، لمجرد حقيقة أن الآلاف من الرفاق المحتملين ينتظرونك في الشوارع ليرحبوا بحضورك وبأفكارك وأفعالك - هي الفئة "الاجتماعية" (أو المستوى الثالث في هرم ماسلو). كل ما تحتاج إليه هو شرارة من أي شكل أو نوع، وكتلة حرجة تتمسك بالخطوط الأمامية لبعض الوقت، وقناة دعاية لتنشر الحالة الاجتماعية للحدث، لتحصل ما تريد!

إنه هذا الشعور المفقود بـ"الانتماء" هو الذي جمّع الجماهير. نفس الناس الذين هتفوا ضد نظام مبارك، وشاركوا بعد ذلك في الانتخابات، وهتفوا للسيسي لنزع الشرعية عن نتائجها، قد يقومون يوم ما على حد سواء بالهتاف ضده أو "ببيع أنفسهم" لأجله. وعلى ما يبدو، من هذه وجهة النظر، أنه لا يمكن تحميلهم المسئولية السياسية عن ذلك. نحن محرومون من "فاعليتنا الإنسانية" بسبب احتياجنا الوجودي الملح للانتماء، وهو احتياج تاريخي مشترك بين البشرية جمعاء. إذا كنا نريد أن نكون فاعلين (سياسيا) فلابد أن نسعى أولا إلى تفعيل الإنسان (اجتماعيا).

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram