نوى

التيار الديموقراطي في مصر

التيار الديموقراطي في مصر كان تياراً عابراً محدوداً وُلد في ظرف معين وانتهي سريعا. وإنشاء تيار ديموقراطي قوي في مصر لن يتم سوي بإبعاد المفاهيم الخاطئة عن الماضي. English

Mohamed Hamdy
31 May 2016
512px-Feb11_VICTORY_Planting_Democracy_in_Tahrir_Square_2_0.gif

زرع الديموقراطية في ميدان التحرير. كارلوس لاطوفيعتبر سؤال الديموقراطية هو الشغل الشاغل لأغلب المهتمين بالشأن المصري. فبعد ثورة 25 يناير، ظل المصريون يبحثون عن تيار ديموقراطي حقيقي يستطيع قيادة مرحلة ما بعد الثورة وحل أزمات مصر وخصوصا أزمة التحديث. تفتقد مصر روح التحديث الحقيقية من مؤسسات دولة قوية (بالمعني البنيوي وليس القمعي) محايدة فوق كل دين وعرق توفر مناخا آمنا وحريات سياسية وضمانات اجتماعية لمواطنيها.

ولكن الوصول لهذا الهدف يبدوا لكثير من المصريين المهتمين بعيد المنال. ويلجأ بعض المصرين للتغني بالماضي بل وذكر أن التيار الديموقراطي كان هو المسيطر في مصر خصوصا بعد ثورة 1919 التي تعتبر أكبر مظاهر التيار الديموقراطي في مصر.

والحقيقة أن هذا المقال يريد تفكيك فكرة وجود تيار ديموقراطي راسخ في مصر، وعلى العكس من ذلك، يريد إثبات أن التيار الديموقراطي في مصر (وهو ما كان موجودا بالفعل) كان تياراً عابراً محدوداً وُلد في ظرف معين وانتهي سريعا. وما يحدث من لحظتها ما هو إلا محاولات يائسة لإعادة قوة هذا التيار. كذلك يري هذا المقال ان إنشاء تيار ديموقراطي قوي في مصر لن يتم سوي بإبعاد المفاهيم الخاطئة عن الماضي.

الثورة العرابية كانت تمثل محاولة إدماج وتقوية العنصر المصري - وخصوصا فئة كبار ومتوسطي الملاك – في الجيش والحكم. لذلك يعتبر بعض المحللين الماركسيين مثل طاهر عبد المجيد وصلاح عيسى وغيرهم الثورة العرابية أول ثورة برجوازية. كانت الصحف والجرائد الورقية منابرا لتوجهات فئات كثيرة من الشعب المصري، فقد شهدت الفترة ما بين هزيمة الثورة العرابية ظهور العديد من الإصدارات الورقية. "ففي عام 1898 كانت تصدر في مصر 169 جريدة ومجلة وصلت عام 1913 إلى 282، كان المنتظم منها هي المقطم والأهرام واللواء والمؤيد والوطن والجريدة، وكانت تعبر عن آراء سياسية وأعمال فكرية ذات قيمة عالية."[i]

بعد ذلك نشأت العديد من الأحزاب ذات التوجهات المختلفة ما بين مسانِدة للخديوي والاحتلال البريطاني، مثل حزب الإصلاح علي مبادئ الدستور وحزب الأحرار، وأحزاب أخري تبحث عن حلول لإخراج الاحتلال الانجليزي من مصر، مثل الحزب الوطني[ii] وحزب الاحرار. ولأن حزب الأمة والحزب الوطني هما من قاد التيار الديموقراطي، طبقا لأغلب التوجهات، سيتم سرد وتحليل توجههما من منظور كاتب المقال.

حزب الأمة

نشأ حزب الأمة يوم 20 سبتمبر 1907 بقيادة حسين باشا عبد الرازق الذي حول شركة الجريدة لحزب سياسي. يعتبر هذا الحزب المنشأ الأول لحزب الوفد. اعتمد هذا الحزب على فكرة مهادنة الاحتلال والقبول بالوظائف الحكومية الرسمية تحت سلطة الاحتلال البريطاني، حيث كانت رؤية الحزب تري أن المصريين غير مؤهلين للاستقلال وأن الاستقلال لا يتم سوي بنشر التعليم والتربية السليمة ورفع مستوي الوعي الوطني. أما مفهوم الحزب النظري عن الاستقلال فكان يعني الاستقلال من الانجليز والعثمانيين، وربما نظرياً يعتبر هذا المفهوم متطورا.

اعتمد حسين باشا عبد الرازق على أن تكون أغلب عضوية الحزب من الأثرياء وذوي المكانة الرفيعة وأعضاء مجلس شوري القوانين والمسيحيين، وعين أحمد لطفي السيد سكرتيرا عاما للحزب. كما أن الحزب لم يكن حزبا سياسيا بدرجة كبيرة ولم يكن يهدف للاستقلال عن الاحتلال، بل اهتم بتربية الأمة (الغير مؤهلة للاستقلال) وبتجميع أكبر قدر من الأثرياء. ولذلك ينظر لحزب الأمة على أنه حزب كبار الملاك المعبر عن مصالحهم المالية التي كانت في أغلب الفترات لا ترى ضررا في بقاء الانجليز بل تري وجودهم أحيانا حماية من رؤية الحزب الوطني التي ربما تكون مضادة لمصالحهم.

ونستخلص من هذا المنشأ الأول لحزب الوفد أنه لم يكن سوي حزباً لكبار الملاك، له أهداف وطنية بالتأكيد ولكن حدودها لم تتعدى رؤية الاحتلال، كما أنه لم يكن يؤمن بشكل كامل بالديموقراطية واعتمد على مفهوم تربية الأمة.

الحزب الوطني

إذا كان حزب الأمة هو حزب الصفوة وكبار الملاك، فإن الحزب الوطني هو النقيض، حيث تكونت فيه جميع التيارات المدافعة عن الطبقات الشعبية تقريبا. وفيه تم الدفاع عن والمساعدة في إنشاء نقابات عمالية. وقبل تأسيس حزب الوفد كان هو المعبر الحقيقي عن نبض الطبقات الدنيا.

كان برنامج الحزب يتكون من المبادئ العشرة الشهيرة، وهي:

أولاً: استقلال مصر مع سودانها وملحقاتها استقلالاً تاما غير مشوب بأية حماية أو وصاية أو سيادة أجنبية أو أي قيد يقيد هذا الاستقلال.

ثانياً: إيجاد حكومة دستورية في البلاد، حيث تكون السيادة للأمة، وتكون الهيئة الحاكمة مسئولة أمام مجلس نيابي تام السلطة.

ثالثاً: احترام المعاهدات الدولية والاتفاقات المالية التي ارتبطت بها الحكومة المصرية لسداد الديون احتراماً لا يمس سيادة البلاد.

رابعاً: نقد الأعمال الضارة بكل صراحة والاعتراف بالأعمال النافعة وتشجيع عناصرها.

خامساً: السعي في تحسين الأحوال الصحية والعمل على ترقية الأحوال الاجتماعية.

سادساً: العمل على نشر التعليم في جميع البلاد على أساس وطني صحيح بحيث ينال الفقراء نصيبهم منه، والحث على تأسيس معاهد العمل وإرسال الرسالات العملية وفتح المدارس الليلية للصناع والعمال.

سابعاً: ترقية الزراعة والصناعة والتجارة وكل مرافق الحياة.

ثامناً: نقد الأعمال الضارة بكل صراحة والاعتراف بالأعمال النافعة والتشجيع عليها وإرشاد الحكومة إلي خير الأمة ورغباتها والإصلاحات اللازمة لها.

تاسعاً: المحافظة على روابط المحبة والصفاء بين الوطنيين والأجانب.

عاشراً: إحكام العلاقات الودية وتبادل الثقة بين مصر والدول الأخرى.

رغم تنوع هذه المبادئ وظهور مدي ديموقراطيتها وحداثيتها إلا أن مسؤولي الحزب الوطني أرادوا أن يكون حزبهم الممثل الأول والأخير والشرعي للأمة، وهو كما نري توجه سلطوي بحت أقرب لإقصاء الآخر (الأحزاب الأخرى) عن المشاركة الوطنية في حل مشكلة الاحتلال. كما كان مفهوم الحزب الوطني عن الاستقلال يخص الاحتلال البريطاني، في حين لا يعترض على الاستقلال عن الباب من حيث التبعية الشكلية للحفاظ على الوحدة الإسلامية في مقابل تكوين حكم دستوري قائم على حكومة وطنية. وبالتالي كان الحزب الوطني شديد التناقض في نقاط عديدة، ومن الفروع التي بداخله وُلدت الأحزاب السلطوية كمصر الفتاة والإخوان المسلمون. وظلت تلك الفكرة تأخذ أشكالا كثيرة إلى ان وصلت لتنظيم الضباط الأحرار الذي استطاع إنهاء حكم أسرة محمد علي بالإضافة لإنهاء التيار الديموقراطي الذي مر مرور الكرام على ي تاريخ مصر الحديث.

حزب الوفد

الجميع يعرف دور حزب الوفد وقيادته للثورة الوطنية الديموقراطية ضد الاحتلال الانجليزي بقيادة سعد زغلول.[iii] ولكن حزب الوفد ظل يحمل تناقضات أيضاً. فمن جهة، يعتبر حزب الوفد هو الحزب الأكثر ديموقراطية وعلمانية في تاريخ مصر، ولكنه في نفس الوقت، برغم قيادته للثورة، لم يستمر كثيراً في لعب الدور الثوري ضد الاحتلال، بل مع الوقت أصبحت رؤية عناصره الإصلاحية تتعارض مع أهداف الحزب، مما قلل، مع مرور الوقت، من أداء الحزب في هذا الملف. وبالإضافة إلى ذلك حدثت العديد من الانشقاقات وأسس المنشقون أحزاب الأحرار الدستورين والسعديين وغيرهما.

إذا نظرنا للمؤسسين التاريخين لحزب الوفد سنجد فيهم سعد زغلول ومصطفي النحاس وأحمد لطفي السيد ومكرم عبيد وبطرس غالي ومحمد محمود. وهي، كما نري، عناصر من كبار الملاك والمثقفين الذي ظلوا منفصلين عن تلبية المطالب الاجتماعية الشعبية. مع الوقت لم يستطع حزب الوفد الحفاظ على قوته المعهودة وفشل الملف الانجليزي واتجه الحزب بمرور الوقت للاتجاه الإصلاحي الذي تضاءل أيضا. وعجز الحزب عن توفير حلول اجتماعية، وتعاقبت التغييرات في الحكومات.

ولا شك أنه بحل حزب الوفد انتهي آخر وجود لتيار ديموقراطي حقيقي في مصر.

بعد 1952

انتهاء وجود تيار ديموقراطي لا يعني عدم وجود شخصيات ديموقراطية، فتاريخ مصر بعد انقلاب 52 مليء بالشخصيات المؤمنة بالديموقراطية الحقيقية، ولكنها ظلت في صورة أشخاص أو تكتلات صغيرة جداً. ولا شك أنه مع طرح سؤال الديموقراطية بعد ثورة 25 يناير وعلاقة الدولة بالشعب، يظل تأسيس تيار ديموقراطي هو الشغل الشاغل. يوجد في مصر تجارب ديموقراطية ناشئة ولكننا لم نعلم منتهاها أو تطورها بعد. لا شك أن منظمات المجتمع المدني الحقوقية والنسوية وبعض الأحزاب الصغيرة كالعيش والحرية والمصري الديموقراطي والدستور وبعض المبادرات الشبابية في مجالات الفن والثقافة تعبر عن نواة لتيار ديموقراطي حقيقي، ولكن هذه النواة تتعرض لضغوط شديدة تعرضها للانهيار. فهل تستطيع الصمود؟


[i] مقتبس من جريدة تاريخ مصر.

[ii] الحزب الوطني الذي يعتبر مجرد إعلان للحزب الوطني السري الذي أسس قبله بفترة.

[iii] يري القليل من الماركسيين، ومنهم طاهر عبد الحكيم، أن ثورة كبار الملاك في قيادة الحراك الوطني جاءت لمنع الحزب الوطني من قيادة الحركة الوطنية.

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram