نوى

الوطن المجنون ليس فقط هنا

رغم أن الحرب الباردة كانت بالوكالة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي، إلا أنها كانت مباشرة بين الأمريكيين أنفسهم، مَنْ يظنون أنفسهم حماة الفكر الأمريكي الحر في مواجهة الشرور الشيوعية الحمراء، ولم يتوقف الأمر عند الساسة فقط بل طال أيضـًا الفنانين. English


Ahmed Zakaria
12 June 2016
2018958027_49ba31b4b9_z.jpg

WGBH Morning Stories/Flickr. Some rights reserved.بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وخروج الولايات المتحدة منتصرة مع حلفائها على حساب دول المحور، كانت المشاعر الوطنية قد تعالت لدى المواطنين الأمريكيين، وخصوصــًا مع بداية انخراط الولايات المتحدة في حروب مختلفة أهمها حرب كوريا، والتي اندلعت في بداية الخمسينات، وأصبحت هي البلد الأكثر قوة في العالم، في مواجهة مع الاتحاد السوفيتي. 

رغم أن الحرب كانت بالوكالة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي، إلا أنها كانت مباشرة بين الأمريكيين أنفسهم، مَنْ يظنون أنفسهم حماة الفكر الأمريكي الحر في مواجهة الشرور الشيوعية الحمراء. لم يتوقف الأمر عند الساسة فقط بل طال أيضـًا الفنانين. 

أما الساسة، فقد رأى الجمهوريون أن الروس أو بمعنى أدق الشيوعيين خطر داهم على الوطن الأمريكي، فصار كل مواطن أمريكي يعتنق الفكر الأحمر عدوًا، ووصل الجنون لدرجة أن الجنرال دوايت إيزنهاور وشريكه ريتشارد نيكسون كان شعار حملتهما الرئاسية عام 1952 : Let's clean house with Ike and Dick.

أما الفنانون، فوالت ديزني، واحد من كبار هوليوود في ذلك الوقت، أنشأ كيانــًا سماه: Motion Picture Alliance for the Preservation of American Ideals وكان الهدف هذا التحالف هو الحفاظ على المُثل العليا الأمريكية في السينما وعدم التعظيم من أي قيم شيوعية عبر الصورة، وكان قد كُتب في أحد منشورات هذا الحلف: "لا تحقر من نظام السوق الحر، ولا تقلل من شأن الرأسماليين، أو الثراء، أو الدافع للربح، ولا تعظم من الرجل العادي أو تمجد في الجماعية".

كذلك قام ويليام ويلكرسون، مؤسس مجلة The Hollywood Reporter بكتابة مجموعة من المقالات ووضع فيها أسماء عدد من فناني هوليوود المنتمين للفكر الشيوعي. كانت هذه المقالات سببـًا -في مرحلة لاحقة- في ظهور ما عُرف بـ(قائمة هوليوود السوداء). القائمة السوداء لهوليود ضمت ممثلين من بينهم تشارلز تشابلن، و كتاب سيناريو ومخرجين. 

القصة بدأت بعشرة أشخاص كانوا كُتاب سيناريو ومخرجين، وعرفوا باسم (The Hollywood Ten) ثم اتسعت القائمة بمرور الوقت لتضم كل فنان يعتنق الفكر الأحمر، أو يتعاطف معه، فوصلت لأكثر من 150 فنان ومذيع، ونُشرت أسماؤهم في كتاب سُمي (القنوات الحمراء: تقرير التأثير الشيوعي على التليفزيون والراديو).

تمت مُساءلة هؤلاء الفنانين أمام الكونجرس، وكان السؤال الموجه لهم: هل أنت عضو في الحزب الشيوعي؟ وكان الفنانون لا يجيبون بالنفي أو الإيجاب، مما جعلهم متهمين.

الملفت للنظر أن الفنانين الذين تم استدعاؤهم وأجابوا بإنهم تم استدراجهم مثلاً، يكون السؤال التالي لهم: وماهي الأسماء التي كانت معك في الحزب ؟

رونالد ريجان، رئيس الولايات المتحدة الأسبق، كان عضوًا حينها في اتحاد كُتاب السيناريو الأمريكيين، وكان يرى مثل ديزني خطورة الفنانين ذوي الفكر الشيوعي، إلا أنه كان يرى أنهم قلة داخل الاتحاد، وأن الوضع تحت السيطرة.

كان من بين إجراءات اتحاد كتاب السيناريو للحماية من الخطر الشيوعي، أن طالب أعضاءه الجُدد بحلف اليمين أنهم ليسوا شيوعيين.

بطبيعة الحال، تم منع هؤلاء الفنانين من العمل نهائيــًا، وعندما كان أحد هؤلاء الفنانين يحاول المقاومة، تتعدد وسائل الضغط ضد الشركة المنتجة للعمل فيتم فسخ التعاقد مع هذا الفنان ومنعه من أي عمل في المستقبل.

استمرت هذه الممارسات لعدة سنوات حتى اكتشف صناع السينما في هوليوود أن كثير من هؤلاء الفنانين، وتحديدًا كُتاب السيناريو، يعملون تحت أسماء مستعارة، وقد حازت أعمالهم على جوائز كبرى، مثل الكاتب دالتون ترامبو الذي حصل على جائزتي أوسكار عن فيلم Roman Holiday وفيلم The brave one.

وبدأ عدد ليس بالقليل من فناني هوليوود ومخرجيها بالتعاون مع الفنانين المدرجين في القائمة السوداء، فمثلاً قام المخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك بالتعاون مع المنتج والممثل نورمان لويد في سلسلته التليفزيونية الشهيرة (Alfred Hitchchock Presents)، وتوالى التعاون بين كبار نجوم هوليوود حينها مع القائمة السوداء، مثلما فعل النجم الهوليوودي كيرك دوجلاس، عندما طلب من دالتون ترامبو بكتابة سيناريو الفيلم الكلاسيكي سبارتاكوس، إخراج ستانلي كيوبريك وكُتب اسم ترامبو على الفيلم.

خفتت حدة الإقصاء تجاه هذه القائمة وانتهت بشكل علني مع بداية الستينات من القرن الماضي، إلا أن ظلالها حتى المرحلة الراهنة لازالت موجودة، ولعل هذا يظهر في موقف شهير للغاية في حفل توزيع جوائز الأوسكار، حيث تم تكريم المخرج الكبير إيليا كازان على أعماله السينمائية عام 1999. خلال هذا الحدث لم يصفق عدد من الممثلين عندما دخل كازان للقاعة، لماذا؟ لأن كازان من بين السينمائيين الذين شاركوا في ذكر عدد من الأسماء الشيوعية في هوليوود خلال تلك الفترة. 

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram