نوى

رمضان والشرطة

تختلف آراء الناس حول ما إذا كان الشرب أو الأكل خلال شهر رمضان الكريم جريمة ولكن عندما تصبّ الشرطة اهتمامها ووقتها على هذا الموضوع أكثر من الجرائم الفعلية، يتساءل المرء عن الجهة أو الغرض الذي تخدمه. English

Farah Hallaba
28 July 2016
مصريون يجلسون في مقهى في حيّ الأزهر في القاهرة، مصر. بيلا زاندلسكي/ برس أسوسييشن- جميع الحقوق محفوظة.

مصريون يجلسون في مقهى في حيّ الأزهر في القاهرة، مصر. بيلا زاندلسكي/ برس أسوسييشن- جميع الحقوق محفوظة.خلال شهر رمضان الكريم، يُتوقّع من المسلمين أن يمتنعوا عن تناول الطعام والشرب من بذوغ الفجر حتى مغيب الشمس وأن يتصرّفوا بطريقة تكمّل حرمة هذا الشهر.

في بداية الشهر الفضيل في مصر، كان رجال الشرطة يجوبون الشوارع ويغلقون القهاوي المحلية ويطردون الزبائن ويغرّمون المالكين. وأفادت شبكات التواصل الاجتماعي أنّ رجال الشرطة الذين يقتحمون القهاوي يستخدمون أساليب وحشية ويطلقون الإهانات ويتّهمون الأشخاص الموجودين بأنهم كفّار، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين. ولكنّ هذه الظاهرة ليست جديدة، إذ حصلت قبل بضعة أعوام في 2009 في أسوان.

وقد وردت في أحد مقاطع الفيديو التي نُشرت على الإنترنت تغطية لأعمال الشرطة. ويبدو أنّ نشر مقطع الفيديو حصل على موافقة قوى الأمن لأنه رسم صورة مختلفة كلياً لما أفاد به المارّة والأشخاص الموجودون. فأظهر التصوير رجال الشرطة كمجموعات لفرض الفضيلة "تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر" كتلك الموجودة في السعودية. وقد تمّ تداول الفيديو بشكل واسع على شبكات التواصل الاجتماعي وتحوّل الخبر إلى سجال فرضي بين "المحافظين" والمنفتحين"، كما جرت العادة في مواقف أخرى.

من جهة، اعتبر "المحافظون" أنّ الزبائن في القهاوي أظهروا بوضوح أنهم غير صائمين، ما يقلّل من احترام الشهر الفضيل. وزعموا أنّه كان حريّ بالشرطة أن تفعل أكثر من ذلك. كما أنهم عبّروا عن صدمتهم من الأشخاص الذين أدانوا الشرطة ودافع هؤلاء عن أعمال رجال الشرطة وقالوا إنّ الشباب المسلمين ينحرفون عن "الطريق الصحيح".

من جهة أخرى، قال الأشخاص الذين انتقدوا ردّة فعل الدولة إنّه ليس من العدل فرض العادات الاستهلاكية على الناس وإنّه تعدٍّ على حقوق الإنسان الأساسية. ولكنّ السؤال الأهمّ، بالإضافة إلى القمع، كان عن "الجهة" التي تحاول جعل التقوى أمراً مُنزلاً على المجتمع المصري. هل هي الشرطة المصرية؟ تلك الشرطة التي لا تزال ترفض التخلّي عن سمعتها السيئة الممروغة بالكبت والتعذيب والألفاظ النابية والقمع والاعتقالات الجماعية والتعسفية والفساد، إلخ.؟

والسخرية هي أنّهم كانوا يحاولون "المحافظة على قيم المجتمع" ولكنهم كانوا يستبيحونها شفهياً وجسدياً ويتغاضون عن حرمة شهر رمضان. كما أنّ الأماكن التي اقتُحمت لم تكُن موجودة في أحياء سكنية مكتظة أو فنادق فخمة أو مقاهي لسلسلات عالمية وإنما كانت  قهاوٍ شعبية محلية ومتواضعة.

تُرتكب ممارسات مشابهة في بلدان أخرى في المنطقة. فإيران تجرّم تناول الطعام أو المشروب علناً خلال شهر رمضان كما أنّ شرطة الأخلاق ترغم النساء على تغطية شعرهنّ بالحجاب. وفي الإمارات العربية المتحدة، الشرب وتناول الطعام علناً خلال الشهر الفضيل غير شرعي، وفي حال حصل، يتمّ إلقاء القبض على الشخص المعني وتغريمه.

في الكويت، لا يُعاقب فقط الأشخاص الذين يكسرون الصيام وإنما يُعتبر أيضاً أي شخص يشارك في هذا الفعل غير الشرعي مجرماً. وتكون العقوبة غرامة قد تصل إلى 100 دينار أو حكماً بالسجن لمدّة قد تصل إلى شهر أو إلى إغلاق المطعم أو المقهى نهائياً. في العراق، يُمنع أيضاً تناول الطعام أو المشروب خلال شهر رمضان، ولكن إذا فتح مطعم أو مقهى أبوابه وقدّم الطعام أو المشروب، يجب أن يؤمّن غطاء لتفادي إزعاج المارّة.

عندما تقرّر دولة بفسادها المستشري أن تصبح فاضلة، يدقّ ناقوس الخطر. فالسحر سيرتدّ حتماً على الساحر. فحين تتّخذ دولة دور حرس الفضيلة، تترك الناس في حالة تساؤل عن الجهة المسؤولة عن تأمين العناية الصحية والتعليم وصون حقوق الإنسان. أليست الأولوية خلق مجتمع عادل بدلاً من الوعظ بالتقوى؟

ففي إيران مثلاً، ارتدّ القمع بسبب الممارسات الدينية على الدولة. وخلال شهر رمضان هذا العام، نظّم الناشطون الإيرانيون حملة للامتناع عن الصوم وكسروا صيامهم علناً في النهار لدحض القانون الذي يحظر ذلك.

مصريون يجلسون في مقهى في حيّ الأزهر في القاهرة، مصر. بيلا زاندلسكي/ برس أسوسييشن- جميع الحقوق محفوظة

مصريون يجلسون في مقهى في حيّ الأزهر في القاهرة، مصر. بيلا زاندلسكي/ برس أسوسييشن- جميع الحقوق محفوظة

في مصر، كتب مدافعون عن حقوق الإنسان أنّ الدولة لا تملك الحقّ الشرعي بقمع الناس لعدم مشاركتهم في طقوس الشهر الفضيل. ولكنّ بعض المسؤولين نفوا هذه الادّعاءات وزعموا أنّه من واجبهم إيقاف هذه الأعمال والتبليغ عنها أمام المحاكم.

وقال ممثّل عن وزارة الداخلية إنّ المسؤولين الأمنيين تصرّفوا من تلقاء نفسهم. وإذا كان هذا الأمر دقيقاً، من المشين أن يطلق ممثلون عن وزارة الداخلية العنان لتصرّفات التنمير على المواطنين ويعكس هذا مدى سيطرة الوزارة على مسؤولي الأمن لديها.

في النهاية، سيظلّ دعم رجال الدين لهذه القوانين أو عدمه يثير جدلاً، خصوصاً عندما تُطبّق على الأشخاص الأقلّ نفوذاً وحظاً.

وقد يوافق الناس أو يختلفون على ما إذا كان الشرب أو الأكل خلال الشهر الفضيل جريمة ولكن عندما تمنح الشرطة اهتماماً ووقتاً أكبر لهذا الموضوع وتتناسى الجرائم الفعلية، لا يسَعنا إلّا أن نتساءل عن الجهة أو الغاية التي تخدمها.

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram