نوى

ماذا حدث للمصريين؟ الجزء الرابع: مشروع أرستقراطيين

ما الذي يثير قلق أغنياء مصر ويشعرهم بعدم الأمان؟ لماذا يريدون الهرب فجأة؟ لمَ نخيفهم؟ English

Hesham Shafick
24 September 2016
Lewis Stickley/EMPICS Entertainment. All rights reserved.

Lewis Stickley/EMPICS Entertainment. All rights reserved.يقضي أغنياء مصر فصل الصيف في مجمع مراسي السياحي المسوّر. وليُسمح لك بالدخول كزائر، عليك أن تثبت أنّ لديك الموارد المالية اللازمة والطبقة الاجتماعية المنشودة. فما بالك إذا كنت ترغب بالتملّك! حتى أنّ بعض المطاعم/النوادي في المجمع تطلب أن ترى حساب فايسبوك الخاص بك قبل إدخالك كي تتأكّد من أنك "على مستوى من الرقي."

وهل يُعقل أن أعرض صفحتي الخاصة على فايسبوك على مطلق أي كان لا أعرفه كي يتحقّق من أهليتي لدخول المجمع؟ يا للهول! لمَ قد أسمح بـ"تصنيف مدى رقيي" بكامل إرادتي؟

حدّث ولا حرج عن الدعايات التي تسوّق لمنشآت المجمع، فهي تثير التساؤلات. بالإضافة إلى كونها موجزة وتتّسم بنبرة آمرة، تتبنّى سلطة انضباطية على طبقة عليا يبدو أنها بحاجة إلى إنعاش مجتمعها المسوّر. تظهر إحدى الدعايات صورة رجل أبيض نصف عارٍ (في بلاد أفريقية بالدرجة الأولى) ملتقطة من الخلف مع رسالة رباعية الكلمات مخطوطة على جسده المفتول العضلات: "عزّز جاذبيتك لمراسي،" "إفتل عضلاتك لمراسي،" و"كُن رائعاً لمراسي." 

لا يمكنني أن أخبّئ صدمتي من أنّ نموذج الأعمال لمجمع مراسي يتناقض مع جميع مبادئ المؤسسات الناجحة. فشعاراته غير مناسبة على عدّة أصعدة. أولاً، كُتبت باللغة الإنكليزية في بلاد تتكلّم العربية؛ وثانياً، بطل الصورة رجل أبيض على الرغم من أنّ معظم المصريين من ذوي البشرة السمراء أو حتى السوداء؛ ثالثاً، تتمحور الدعايات حول الرجولة علماً أنّ المنشآت تستقبل العائلات والرجال والنساء على حدّ سواء؛ وأخيراً، ما من إشارة إلى المجمع أو الخدمات التي يقدّمها.

فهو يميّز بين الزبائن المحتملين ويغذي الشكّ بالذات لدى أي شخص غير متأكّد ما إذا كان سيُسمح له بالدخول. إلى هنا، يبدو المجمع مرهقاً ولا يصلح ليكون منتجعاً ترفيهياً، علماً أنّ هدف المنتجعات أساساً منح الناس المتعة بالحياة أبعد من الرسميات وملزمات الطبقة الاجتماعية.

مع ذلك، يبدو أن مجمع مراسي في حالة ممتازة! فأسعار المنازل ترتفع بشكل خيالي ويتمّ افتتاح أماكن جديدة كلّ شهر تقريباً. ما السرّ؟

يبدو أنّ الطبقة الاجتماعية المستهدفة راضية بأن يتمّ التعامل معها كخطر محتمل شرط أن يبقى الخطر الفعلي بعيداً. وتماماً كما نتقبّل حواجز التفتيش التي تنصبها الشرطة لسلامتنا، لا يمانع هؤلاء الأشخاص أن "يُحفظ أمن" مكان عطلتهم (عبر التحقق من حساباتهم على فايسبوك، إلخ.) طالما يشعرون بالـ"حماية". ولكن، لمَ يشعرون بهذه الحاجة الماسّة إلى الحماية؟

من الواضح أنهم يكرهوننا ولا يريدوننا على مقربة منهم بأيّ شكل من الأشكال. وعندما أقول "نحن"، لا أتكلّم نيابة عن الفقراء. فأنا لست فقيراً، بل إنني من الطبقة الوسطى، ولكن حتى المصريين من الطبقة الوسطى أمثالي يُمنعون من الدخول.

فالخطر هنا هو من الآخر الذي لا يشمل فقط الفقراء أو أفراد الطبقة الوسطى، ولكن أيضاً الأغنياء الذين لا يتبعون النموذج الكلاسيكي النمطي الذي حدّده مرتادو مراسي مثل "الأغنياء الجدد" أو "البلديين" ]أي السكان المحليين[.

هل يستحقّ الأمر الملايين التي تُصرف على منازل الاصطياف في المجمعات المسوّرة على الساحل الشمالي لمصر؟ سأترك هذه الأسئلة مفتوحة على أيّة إجابات لأنني أعجز عن الإجابة. ولكن هناك تحليلان جائزان.

أولاً، إنّ الأشخاص الذين يرتادون المجمعات المسوّرة النخبوية مثل مراسي يعرفون طبقتهم الاجتماعية جيداً ويدركون خطر انقراضها. فالنيو برجوازية أو البرجوازية الجديدة التي جمعت ثرواتها في الخليج وخلال الانفتاح تهدّد هذه الطبقة الأرستقراطية الكلاسيكية. والبرجوازية "القديمة" مستعدّة للقيام بأي أمر لاستعادة الشعلة وأمجادها. وأتاحت لها هذه المجمعات المسوّرة الفرصة لذلك.

ثانياً، تتوق هذه الطبقة إلى رسم صورة محددة في أذهان الآخرين عن نفسها وهي صورة لا تحاكي الواقع على الإطلاق وتتّسم بالـ"الرقي"  و"بالعضلات المفتولة" و"بالإثارة" و"بالبشرة البيضاء"، ويا للسخرية! وهي أيضاً "طاهرة" من العناصر غير الراقية مثل كلّ ما هو بلدي.

وتنطبع هذه الصورة الذهنية التي ترسمها لغة الدعايات وأسلوب "التحقق" من أيّ شخص يحاول زيارة المجمع في ممارسات هؤلاء الأشخاص اليومية لمنحها مصداقية.

وتكمن عبقرية نموذج مراسي في جعله "الرقي" سلعة مترفة بحدّ ذاته. فالقائمون على المشروع يبيعون "الرقي" بدلاً من منازل العطل لزبائنهم. ويبدو أنهم يبيعون صورة ذهنية عن أرستقراطيي أوروبا تتّسم بالرقي والجاذبية والبشرة البيضاء. بالفعل، يدفع مرتادو المجمع أموالاً طائلة على هذه الصورة تحديداً. فمن خلال استثمارهم في هذه المنشآت، يستثمرون في "أنفسهم". 

شعار "عزّز جاذبيتك لمراسي" ليس دعوة حرفية إلى الاستثمار في جاذبيتك بل على العكس. مراسي هو المكان الذي يقصده الناس "الجذابون" وإذا تمكّنت من الدخول، تهاني! أنت جذاب! والجاذبية هنا تعني "الرقي" والامتثال لصورة الطبقة العليا العالمية الراهنة: رجل أبيض ومفتول العضلات يتكلّم اللغة الإنكليزية.

ويُعتبر هذا تمريناً في الطهارة التي تزدهر من خلال إقصاء الآخر. فالرقي هنا ليس مرتبطاً بالثروة بقدر ما هو مرتبط بالانتماء إلى "الأغنياء" وتقليدهم في الشكل والتصرّفات وفي "قضاء العطل" كما هي الحال الآن. 

ولكنّ الخبر المخيّب يا أصدقائي "الجذابين" في مراسي هو التالي: لطالما كان العالم يقصي طبقات معينة ولم يساعده ذلك في بلوغ التوازن أبداً.

فمثل الشخص الذي يتمرّن على آلة المشي، سيظلّ طيف الطموح إلى "الرقي" (أو الجاذبية أو مهما كان) يلاحق هذه الطبقة للأبد. ويقيس أفرادها إنجازاتهم بحسب الأميال التي يركضونها وهي أميال وهمية يقطعونها وهم واقفين في المكان نفسه الذي انطلقوا منه. ولدى وصولهم إلى خطّ النهاية، تراهم فخورين بإنجازاتهم ولكنهم في اليوم التالي يكرّرون المهمة نفسها — مهمة لا تنتهي ولا تصل إلى أي وجهة.

دفع هؤلاء الناس الملايين مقابل منزل عطلة يبعد 400 كلم عن العاصمة حيث يقطنون. مَن يدري أين ستكون الوجهة "الراقية" العام المقبل؟  

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram