نوى

إمبراطورية الكلاشينكوف

في الواقع، ثمة عوامل عدة تفسر انتشار هذا السلاح في العالم العربي، منها سعره الرخيص نسبياً 

أحمد صلحي
10 December 2018

 

PA-15698414.jpg

A man holds a Kalashnikov in front of a destroyed house in Aleppo, Syria, 03 February 2013. An airstrike on Sunday destroyed a house and killed and injured several people. Thomas Rassloff/DPA/PA Images. All rights reserved.تبدأ الحروب وتنتهي، تتقدم الجيوش وتتراجع، وحده سلاح الكلاشينكوف صامدٌ يقاوم كل هذه المتغيرات. الكلاشنكوف، هو سلاحٌ اعتادت العيون على رؤيته وتمييزه، ففي كل مرة تشاهد فيها نشرة الأخبار أو فيلماً من أفلام الحركة أو وثائقي ما، ستصادف مقاتلاً أو مجموعة مقاتلين يلوحون بهذه البندقية الهجومية.

ومنذ أكثر من سبعين عاماً أصبح الكلاشنكوف حاضراً في المواجهات الحربية وحروب الشوارع تحديداً. كما بقى السلاح المفضل لدى الفاعلين من غير الدول؛ كالجماعات المسلحة، والحركات القبلية، وعصابات المافيا وغيرها، ولتكتمل أسطورته الثورية، تتزين بعض أعلام الدول بأيقونته، كعلم دولة موزمبيق التي عانت من الحرب الأهلية لأكثر من عشر سنوات. كما أن عدداً من أعلام الجماعات المسلحة والثورية والإسلامية في عدة دول تحمل صورة الكلاشينكوف، كعلم حزب الله في لبنان، وأنصار الله الحوثيين في اليمن، وفيلق بدر في العراق، أنصار بيت المقدس في مصر، وحركة الشباب المجاهدين الصومالية، وألوية الفرقان في سوريا، والقوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك).

البداية

اشتهرت بندقية الكلاشنكوف باسم مخترعه ميخائيل كلاشينكوف (1919-2013)، إلا أنها تُعرف لدى العسكريين باسم AK-47. وبدأت حكاية البندقية في ذهن ميخائيل بعد إصابته بجروح في إحدى معارك الحرب السوفيتية-الألمانية عام 1941، وكان قد التحق بالجيش كتقنيّ دبابات، وطيلة فترة النقاهة كان يحلم بسلاح يُنهي التفوق الألماني.

وفي عام 1947 صمّم النموذج الأول لهذا السلاح، واستُخدم في المعارك كسلاح سري سوفيتي. وكان التتويج المحوري للكلاشنكوف بجعله السلاح الرسمي للاتحاد السوفييتي. وكتكريم معنوي لمخترعه نال صاحبه جائزة ستالين وهو في التاسعة والعشرين من عمره، واعتبر بطلٌ قوميٌ روسيٌ، ثم تتالت عليه الأوسمة والتكريمات.

وظهر الكلاشنكوف كرمز للتفوق السوفيتي، خاصة مع توفير إنتاج ضخم له وتصديره لحلفاء الاتحاد، فأصبح المساند للحركات الثورية والتحررية، وأصبح رمزاً لنضال الشيوعية ضد الإمبريالية الغربية، تمثّل ذلك بعدة معارك ضد الجيش الأمريكي، كانت ذروتها في الفيتنام.

غير أنه عرف تحولاً كبيراً، ومفاجئاً في حرب أفغانستان، فقد أضحى السلاح المفضل للمجاهدين الأفغان، فاستعمل لأول مرة ضد الجيش السوفيتي، وأصبح بيد الأعداء - أي الحركات الأفغانية المقاتلة - وبتمويل أمريكي أي المعسكر الغربي لشراء هذا السلاح. كما خلّف قتلى للجيش السوفيتي في مناطق أخرى كالشيشان، إلا أنه عاد ليرتد على الأمريكان أيضاً في حربهم في أفغانستان، معلناً وفاءه للحروب الطويلة فوق أي معسكر.

وعلى المستوى التقني كان المصنع السوفييتي هو المطور الوحيد للسلاح، فطوُرت نماذج منه بعيارات وأحجام مختلفة لتحقق وزناً أخف ومدى أبعد للسلاح، كما طُور منه نسخاً مقلدةً عدة، مما جعل هذا السلاح التدميري نسبياً رخيصاً ومتوفراً بكثرة.

هذه الخواص أهلته لينافس بندقية M16 الأمريكية، إذ غالباً ما يقارن بها، لكنه ينفرد -الكلاشنكوف- عنها بشهرته الواسعة وتصنيعه بأكثر من 30 دولة واستخدامه رسمياً كسلاح للجيش بأكثر من 100، مما أهّله ليكون أكثر الأسلحة انتشاراً في العالم، إذ يشكل حوالي 80 بالمئة من مبيعات الأسلحة الأوتوماتيكية المنتشرة في السوق السوداء العالمية للأسلحة الصغيرة.

الكلاشينكوف وحروب المنطقة

هذه الحرب التي تشن باستخدام الكلاشينكوف لها نصيبها في العالم العربي؛ فمن جرائم الشرف إلى جرائم الأصوليات وتصفية النعرات القبلية والحروب الأهلية. وقد كانت بداية استخدامه في  العالم العربي خلال صفقة تسليح سوفيتية للجمهورية المصرية 1955، ثم أصبح سلاحاً رئيسياً لعدة دول عربية يستخدم في الحروب كما في الجزائر، والسودان، وسوريا، والعراق، ومصر، واليمن، دافعاً ببعض هذه الدول لتصنيعه محلياً.

وبفعل التحولات الدولية، انتقل هذا السلاح إلى أيدي المقاتلين في الحروب الأهلية ولاحقاً ليد الجماعات الإسلامية

كما أصبح الكلاشنكوف في أوج الثورة الفلسطينية سلاح المقاومين الأول ضد الجيش الإسرائيلي، ورمزاً للمقاومة الفلسطينية، وقد حصلوا عليه من مصادر متعددة بتسهيل من دول الجوار. واستعمل بداية في معركة الكرامة 1968، كما استخدم في عملية ميونيخ ضد الرياضيين الإسرائيليين عام 1972، وأصبح رفيقاً للفدائيين في الأردن، والفلسطينيين في المخيمات الفلسطينية في لبنان. وأضحى في الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة سلاحاً رئيسياً لمقاتلي حماس على سبيل المثال.

وبفعل التحولات الدولية، انتقل هذا السلاح إلى أيدي المقاتلين في الحروب الأهلية ولاحقاً ليد الجماعات الإسلامية، فاعتبر السلاح المفضل للأطراف المتنازعة خلال الحرب الأهلية اللبنانية والعشرية السوداء في الجزائر. كما تجدد استخدامه مؤخراً بكثافة في الحروب التي نشأت على خلفية الديكتاتوريات المقاومة للربيع العربي كما في سوريا وليبيا واليمن.

في الواقع، ثمة عوامل عدة تفسر انتشار هذا السلاح في العالم العربي، فقد استفادت عدة جهات من الظروف الأمنية المضطربة لتهريب هذا السلاح إلى داخل هذه الدول وبيعه بسعر رخيص نسبياً، حيث يشير تقرير النزاهة المالية العالمية حول الجريمة العابرة للحدود والعالم النامي الصادر عام 2017، إلى أن سعر الكلاشنكوف يقدر بأقل من 2100 دولاراً أمريكياً في سوريا، مقابل 1606 دولاراً في لبنان، غير أنه ينخفض لحوالي 1396 دولاراً في اليمن، وإلى أقل من 700 دولاراً في كردستان العراق، وهي أرقام منخفضة مقارنة مثلاً بثمنه في غرف الإنترنت المظلم Dark web، حيث يبلغ سعره أكثر من 2800 دولار، وبذلك، تُشكل أسعاره المنخفضة عاملاً مشجعاً على اقتنائه للتعبير عن الرجولة والشهامة والوجاهة الاجتماعية أو لاستخدامه في حروب منطقتنا الدامية.

إذ أن لثقافة حمل السلاح في بعض الدول العربية دوراً أيضاً، كما في صعيد مصر، وعند قبائل اليمن والسودان وغيرها، وتتفاوت التقديرات حول حجم قطع السلاح المنتشرة، وقد حاولت الحكومات في هذه البلدان جمع الأسلحة والتخلص منها، غير أن الاضطرابات الإقليمية المتتالية تساهم في استمرار انتشاره.

لم يكسب مخترع الكلاشينكوف أموالاً وثروات من بندقيته المخترعة هذه، والتي وصفها عدة مرات على أنها البندقية البسيطة والموثوقة وسهلة الاستخدام، وبرغم فخره لصنعه هذا السلاح، إلا أنه قد عبّر عدة مرات عن ندمه من استخدام سلاحه في قتل المدنيين. أما أمراء الحروب في منطقتنا، فمن غير ندم صنعوا من هذا السلاح أموالاً وثروات، وقدموه لتأجيج كل النعرات الطائفية والإثنية في منطقتنا، مما جعل هذه البندقية السلاح الأكثر قتلاً للمدنيين. ومازال هذا السلاح يحصد أرواح المدنيين يومياً في سوريا التي تدعمها روسيا يومياً بأسلحتها، واليمن الذي كان يوماً يطلق عليه اليمن السعيد قبل أن يشهد حروبه ونزاعاته.

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram