نوى

رياضة وثورة وسياسة: كيف أثر نادي الألتراس على الوعي المصري؟

هذا الجزء الأول من أربعة أجزاء تتعمّق في تاريخ ما يُعرف بـ"الألتراس"، أي المشجعين الرياضيين المتطرفين، وتأثيرهم على المجتمع المصري. الجزء الأول: مَن هم الألتراس؟ English

Karim Zidan
28 September 2016
Nasser Nasser/AP/Press Association Images. All rights reserved.

Nasser Nasser/AP/Press Association Images. All rights reserved.يكفي أن نلقي نظرة سريعة على صفحة فيسبوك الرسمية لألتراس أهلاوي لنتذكّر السنين الخمس الماضية الموجعة من تاريخ مصر. فعوضاً عن مسلسل زمني (تايم لاين) مكرّس لمشجعي كرة القدم والداعمين المتفانين لنادي الأهلي، تعجّ الصفحة بصور شباب كُتبت تحت كلّ منها عبارة تمنيات لعيد ميلاد سعيد لأعضاء لقوا حتفهم.   

وذكر منشور على فيسبوك في 7 أيلول/سبتمبر: عيد ميلاد الشهيد خيري فتحي .. كل سنة وانت طيب .. في الجنة إن شاء الله يا خيري .. 

 على الرغم من أنّه لم يمضِ عقد على وجود ألتراس مصر، إلّا أنهم فقدوا براءتهم منذ زمن بعيد. وقد عُرفوا كأبطال لشجاعتهم خلال الثورة المصرية في كانون الثاني/يناير 2011 عندما مثّلوا شباباً محرومين من حقوقهم يتخبّطون للاستمرار ولإيصال أصواتهم.

وقد اعتقد كثيرون أنهم يمثّلون الجيل الجديد من المصريين الذين يتمتعون بوعي سياسي والذين سيعيدون بناء دولتهم العزيزة. وعارض هؤلاء الشباب الأنظمة الغاشمة التي حلّت مكان حكم مبارك الفرعوني الذي دام ثلاثين عاماً وتحمّلوا العواقب التي تراوحت بين القمع العنيف والمجازر المروّعة.

في الأعوام العاصفة التي تلَت الربيع العربي، تحوّلت صورة الألتراس أهلاوي الشعبية من أبطال إلى مشاغبين ومخرّبين وإرهابيين مفترضين، وقد رسّخت قوانين مصر القمعية الجديدة التي منعت الوجود الجماعي للألتراس هذه الصورة.

وقد جاء حكم حظر هذه المجموعات نزولاً عند طلب نائب رئيس مجلس إدارة نادي الزمالك مرتضى منصور الذي زعم أنّ أعضاء من مجموعة ألتراس وايت نايتس (التابعة لنادي الزمالك والمنفصلة عن ألتراس أهلاوي) حاولوا قتله ومنعوه من الدخول إلى مركز ناديه الخاص.  

اختفت الشعارات المعارضة للنظام ومعها خفتت الأغاني والهتافات التي ضجّت بها الملاعب بين عاميّ 2007 و2010. وبات شبح مجزرتين وعنف موجه يلاحق وجود الألتراس.

Mohammed El Raai/AP/Press Association Images. All rights reserved.

Mohammed El Raai/AP/Press Association Images. All rights reserved.إذاً، لمَ تعتبر الدولة المصرية استئصال الألتراس بهذه الأهمية؟ كيف أصبح النادي كياناً استقطابياً في مصر وكيف بات نادي مشجعي كرة القدم المتفانين لفريق الأهلي رمزاً للثورة والمعارضة السياسية؟

حرية التعبير من خلال الرياضة

خلال حكم الرئيس السابق حسني مبارك لمدة ثلاثة عقود، كانت الفرص المتاحة أمام المواطنين المصريين للمشاركة في الحياة الاجتماعية-السياسية محدودة. وكانت الدولة تفتقد للطموح والموارد والبنى اللازمة والمؤسسات لاحتضان هذا النوع من النقاش. ولم يكُن للأشخاص الذين يريدون التعبير عن آراء مختلفة منبر رسمي للتذمّر من خيباتهم وشعورهم بالإحباط.

بطبيعة الحال، سمح  هذا الفراغ بظهور مجموعات غير تقليدية كبديل مختلف للمظاهرات وللتعبير عن الآراء علناً. وبالنسبة إلى كثيرين، تجسّدت هذه المجموعات بمؤسسات دينية أو بنى اجتماعية مشابهة وبالنسبة لآخرين، بات تشجيع كرة القدم أفضل فسحة تعبير. وما يثير للاهتمام هو أنّ ظهور الألتراس أهلاوي رافقته موجة جديدة من النشاط السياسي والاجتماعي.

Mohammed El Raai/AP/Press Association Images. All rights reserved.

Mohammed El Raai/AP/Press Association Images. All rights reserved.

أسّس أعضاء نادي مشجعي الأهلي المرتكزين في القاهرة والممتعضين الألتراس أهلاوي (UA-07) في عام 2005 كجماعة على الإنترنت. وانفصلوا عن نادي المشجعين التقليدي بعد تزايد المخاوف من تأثير أعضاء مجلس إدارة نادي الأهلي على المجموعة. وبعد أقلّ من عامين، في 13 نيسان/أبريل 2007، ظهر رمز شوكتي الشيطان الحمراوين للمرة أولى خلال مباراة ضدّ نادي إنبي وبات هذا الرمز الشهير للنادي. وكانت هذه البداية الرسمية لقاعدة مشجعي الألتراس في مصر.

لم يسبق لكرة القدم المصرية أن شهدت شيئاً مماثلاً. فكان أعضاء الألتراس أهلاوي منظمين ومنضبطين في تصرفاتهم على مدرّجات الملعب. وانفصلوا عن جمعيات كرة القدم المموّلة من نادي الأهلي، ما منحهم استقلالية كاملة في سلوكهم خلال المباريات.

أشعلوا المدرّجات بوابل من الألعاب النارية القرمزية وأنشدوا أغانٍ طويلة وتباهوا بهويتهم الجماعية الجديدة. حتى أنهم حملوا 30 يافطة كُتبت عليها شعارات ملهمة مثل "نحن مصر" We Are Egypt.

مواجهة السلطة

وكما كان متوقعاً، بدأت الدولة المصرية تحقّق مع أعضاء الألتراس في محاولة لتحديد مصدر إلهام المجموعة وطبيعة علاقتها بالسلطة وسيطرتها. وسرعان ما تُرجم ذعر الدولة في عنف الشرطة. بالتالي، انطلق محور من العلاقات الدامية بين أعضاء الألتراس والشرطة المصرية.

ولفهم السبب وراء اهتمام الدولة بشؤون نادي مشجعين، يكفي النظر إلى كيفية تعاطي مصر مع التجمعات تاريخياً.

على مدى عقود، التزمت مصر بقانون الطوارئ الذي سمح برقابة غير محدودة وسيطرة موسعة للشرطة ومنع التجمعات غير المشرّعة. على الرغم من أنّ هذا القانون وُضع لردع أي نشاطات سياسية غير مرحّب بها، استُعمل أيضاً لمراقبة الشباب المصري وتحديد ما إذا كانوا يشكّلون خطراً على النظام. وبقيت هذه الإستراتيجية فاعلة في عهد مبارك وعادت في مرحلة ما بعد الثورة.

من وجهة نظر الدولة المصرية، تشكّل مجموعة الألتراس خطراً محتملاً على الحكومة بسبب قاعدتها الشبابية المتحمسة التي لا تملك أجندة متطرفة كما يبدو. هل كانت هذه وحدة سياسية متخفية وراء قناع نادي مشجعين؟ هل كانت مجموعةً من المخرّبين الانقلابيين الساعين وراء نشر الفوضى؟ كانت هذه الأسئلة كافية لتحريك مخاوف الحكومة حول وجود المجموعة.

STR/AP/Press Association Images. All rights reserved.

STR/AP/Press Association Images. All rights reserved.خلال السنوات القليلة الأولى بعد إنشاء االألتراس أهلاوي، اقتصر حديث المجموعة على بعض التصريحات السياسية القليلة. وكانت تخشى عدم البروز في الفضاء العام وتخاف المقاومة المستمرة من المسؤولين في الدولة مثل جهاز الشرطة. وواجهت المجموعة تصرفاً عدوانياً من قوى الأمن في المدرجات إذ لجأ رجال الأمن إلى أسلوب عنيف لضبط الوضع خلال المباريات. ومن وقت إلى آخر، كانت التوترات تؤدي إلى مناكفات بين الألتراس والشرطة.

 وكانت مقاربة الألتراس القتالية ولاحقاً رسالتهم السياسية وليدة عدم قدرتهم على تحقيق استقلاليتهم الشرعية تحت حكم مبارك القمعي. وظهرت شعارات الغرافيتي في زوايا الشوارع وعلى جدران المدرجات، وما بدأ كتعبير واضح عن حبّ للمجموعة ونادي كرة القدم أصبح كناية عن تصريحات مقاومة ومواجهة قوية.

"إحترم الموجود أو تقبّل المقاومة"

تجدر الإشارة إلى أنّ الفرق شاسع بين الانخراط السياسي للألتراس قبل الثورة المصرية عام 2011 وتأثيرهم خلال الأيام الـ18 من الفوضى التي أعلنت بداية الثورة حتى سقوط مبارك.

في حين أعطى العديد من أعضاء الألتراس تصريحات سياسية وتورّطوا في مناكفات اعتُبرت مشحونة سياسياً، سلّطت الأحداث الضوء على المصالح الفردية بدلاً من الأفعال الجماعية. ولم تدعم مجموعة الألتراس أيّ كيان سياسي. ولكنّ أُخوة أعضائها وحسّ الزمالة بينهم هو ما جمعهم.

خلال الثورة، كشفت مجموعة الألتراس عن تصرفاتها الفعلية ووظّفت خبرتها في قتال الشرطة المصرية بطريقة أفضل.

الجزء الثاني من سلسلة المقالات الأربعة سيتعمّق في تحوّل أعضاء الألتراس إلى ثوريين وكيفية تأثيرهم مجريات الأحداث لاحقاً.

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram