نوى

كُرد سوريا وكعب أخيل

الانسحاب الأمريكي سيضع الكُرد أمام امتحان صعب، وعليهم الاختيار بين التفاوض مع الحكومة السورية والقبول بتنازلات مؤلمة على طريق الوصول لحل سياسي مقبول، أو الدخول في مواجهة عسكرية مع الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية الموالية لها.

آلان حسن
7 January 2019
PA-37543879.jpg

Kurdish training camp in Hasaka, Syria. Picture by Sebastian Backhaus/NurPhoto/Sipa USA/PA Images. All rights reserved. لم تكن الحرب السورية الممتدة منذ آذار/مارس عام 2011 بأكثر تعقيداً مما هي عليه الآن؛ فما من طرف إقليمي أو دولي، إلا وينتظر جني ثمار ما زرعه خلال السنوات السبع الماضية، لكن ذلك ليس بالإمكان على ما يبدو.

يقف كُرد سوريا اليوم على مفترق طرق خطير للغاية، يواجهون الخطر الأكبر منذ انخراطهم في الحرب السورية بالتنسيق حينها مع الحكومة السورية التي سلمتهم المناطق ذات الغالبية الكُردية، واستداروا باتجاه التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية منذ معركة استعادة السيطرة على مدينة كوباني/عين العرب شمال سوريا أواخر العام 2013

التحالف ذاك توطد شيئاً فشيئاً بفضل الانتصارات المشتركة التي توجت بالسيطرة على مدن تل أبيض ومنبج والرقة وأجزاء دير الزور الواقعة شرق نهر الفرات، وهو ما اُعتبر حداً فاصلاً بين النفوذ الروسي غرب النهر، والأمريكي شرقه.

كانت الانتصارات العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية (والتي تشكل وحدات حماية الشعب "الكُردية" عمادها الرئيسي) تسير بالتوازي مع مكاسب إدارية تمثلت بإعلان حزب الاتحاد الديمقراطي (مع حلفائه من الأحزاب العربية والسريانية) الإدارة الذاتية الديمقراطية مطلع العام 2014 ومن ثم الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا ربيع العام 2016 وأخيراً الإدارة الذاتية المشتركة لشمال وشرقي سوريا أواخر العام 2018

بقيت أزمة تمثيل حقيقي لمكونات المنطقة تشكل عائقاً رئيسياً تمنع الانفتاح الغربي على المشاريع السياسية لـ "الاتحاد الديمقراطي"، فكانت متهمة دوماً بالانفراد بحكم المنطقة، دون إشراك فعلي لبقية الأطر السياسية والعرقية، وجنوحه لإيديولوجيا حزب العمال الكُردستاني وزعيمه عبد الله أوجلان الذي يقضي حكماً مؤبداً في سجن إيمرالي ببحيرة مرمرة التركية منذ عام 1999

كان إعلان الرئيس الأمريكي عن انسحاب كامل وسريع لقوات بلاده، مفاجئاً للكُرد، رغم أنه الثاني من نوعه، حيث سبق ذلك إعلان ترامب نفسه ربيع العام 2018 خطط لسحب الجنود الأمريكيين من سوريا معللاً ذلك آنذاك بغياب النجاعة الاقتصادية لوجود جيشه هناك، وتراجعه عن طرحه ذاك لاحقاً، بعد تدخل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وكذلك نصائح المستشارين العسكريين الأمريكيين، وبتمويل من المملكة العربية السعودية.

ويأتي الإعلان الأخير صادماً في هذا الوقت؛ كون المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا جيمس جيفري أعلن أكثر من مرة عن ثلاثة محددات لإنهاء الوجود الأمريكي في سوريا، وحددها بهزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" ومنع عودة ظهوره شمال شرقي سوريا، وتقليص النفوذ الإيراني، والعمل مع موسكو بالحوار والضغط للوصول إلى حل سياسي وفق القرار «2254».

يبدو الرئيس ترامب مصراً على موقفه بعدم إيلاء أي أهمية للوضع السوري عامة، والوضع في الشمال بشكل خاص، إلا فيما يخص أمن إسرائيل بالطبع، ولهذا السبب فإنه غير آبه باعتراض كبار ضباط الجيش الأمريكي على قراره، أو نصائح أعضاء بارزين في الكونغرس بضرورة البقاء في المنطقة وعدم تركها لمصيرها.

القرار الجديد أكد غياب أي استراتيجية للولايات المتحدة في سوريا، وأربك حسابات جميع فرقاء الأزمة السورية، فحالة الفراغ الذي سيشكله الغياب الأمريكي ليس من السهل إشغاله، وكذلك فإن قضية منع ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" لم تحسم بعد، ولعل ضمان عدم حصول حرب عرقية في المنطقة، خصوصاً ضد الكُرد، هي من أبرز الملفات التي يجب العمل لأجلها، فالانتقامات التي حصلت في عفرين شمال سوريا عقب سيطرة الجيش التركي وحلفائه من المعارضة السورية المسلحة مطلع عام ٢٠١٨، هي أشد ما يخشاه سكان شرق الفرات، خصوصاً بعد التهديدات التركية الأخيرة بشن عملية واسعة شرق الفرات.

هذا الانسحاب سيضع المنطقة في حالة من التشظي السياسي بين حلفاء الضرورة (روسيا وتركيا وإيران) وسيبحث الجميع عن أدوار تناسب طموحاتهم التوسعية، بعد أن توحدوا لمواجهة النفوذ الأمريكي والطموح الكُردي، وستظهر التناقضات الموجودة بينها، خصوصاُ في ملفي إدلب وشرق الفرات.

الإعلان الفرنسي عن بقاء قواته في سوريا لن يغير من واقع الحال شيئاً، فلا تعويل على أي دولة من دول التحالف دون مشاركة واشنطن، وكذلك فإن الاحتجاجات الفرنسية تمنع أي مراهنة على دور فرنسي لاحق في سوريا، وما حماس باريس للانخراط في تحديد مستقبل الشمال السوري إلا وسيلة لاستخدام الملف الكُردي كأداة في المفاوضات المقبلة بخصوص إعادة إعمار سوريا، والذي يشكل ملف صراع بين عديد من الدول والشركات العالمية.

الانسحاب الأمريكي سيضع الكُرد أمام امتحان صعب، وعليهم الاختيار بين التفاوض مع الحكومة السورية والقبول بتنازلات مؤلمة على طريق الوصول لحل سياسي مقبول، أو الدخول في مواجهة عسكرية مع الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية الموالية لها، وهذا الخيار يعيد إلى الأذهان سيناريو عفرين، والذي انتهى بانسحاب وحدات حماية الشعب "الكُردية" من المدينة بعد مقتل وإصابة المئات، وكذلك تهجير الآلاف من أبناء المدينة.

خيار الحرب، إن حصل، لن يحمي أحد، وسيكون كارثياً على حزب الاتحاد الديمقراطي بالدرجة الأولى، الذي راهن على الدعم الأمريكي، دون سواه، عسكرياً وسياسياً في تحديد مستقبل المنطقة، حيث بات محاصراً بجملة من الأعداء والخصوم بدءاً من حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مروراً بحكومة كردستان العراق وليس انتهاءً بحكومة الرئيس السوري بشار الأسد، وكل من مواليه، ومعارضيه على حد سواء.

سيكون على قادة "الاتحاد الديمقراطي" أن يتحلوا بالحكمة اللازمة لإدارة المرحلة الأكثر دقة في الحرب السورية، وأن يتخلوا عن سياسات أكبر من أن يتحملها الكُرد عبر مشاريع طوباوية غير قابلة للتطبيق، وأن يجنبوا المنطقة ويلات كوارث لن تقي أحداً من أتونها.

فالخوف كل الخوف هو من سهم قاتل يخترق كعب أخيل الكُردي، بعد أن وصلوا إلى ربع الساعة الأخيرة من الحرب.

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram