نوى

السوريون يدفعون تكلفة "نصر" باهظ الثمن

ما حال دمشق بعد "النصر" الذي حققه النظام على شعبه؟ هنا شهادة تروي أحوال العاصمة السورية وناسها.

مريم يوسف
27 February 2019
1_0.jpg

"وانتصر الأسد" تتوسط ساحة في أحد أحياء دمشق الغنية. هذه اللوحة وغيرها انتشرت بشكل كبير في شوارع العاصمة السورية بشكل خاص بعد معارك الغوطة الشرقية منتصف العام 2018 والتي استخدم فيها النظام السوري مستويات غير مسبوقة من العنف ضد المناطق الخارجة عن سيطرته، كاستعراض للقوة وترويج للنصر المفترض للنظام السوري على معارضيه (تصوير: مريم يوسف).هذا المقال ينشر بالتعاون والشراكة بين حكاية ما انحكت وموقع نوى على أوبن ديموكراسي ووحدة الأبحاث عن الصراع والمجتمع المدني لدى كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

أسير كل يوم في شوارع مدينتي، دمشق، والتي يحلو لي التجوّل فيها ليلاً على وجه الخصوص. أحب أن أتأمل وجوه وعيون سكانها، وشكل أزقتها وحاراتها، وأحزن لما آلت إليه حالها بعد ثمانية سنوات من الحرب. هذا الشتاء، تبدو الوجوه حزينة أكثر من المعتاد، وتذوي العيون من التعب والإرهاق. صحيح أنه شتاء هادئ حيث صمتت أصوات المدافع لأول مرة منذ بداية الحرب، لكنه حمل لقلوبنا حرباً من نوع آخر، حرباً جعلت كثيرين يتهامسون بين بعضهم البعض وهم يتمنون لو تعود أيام قذائف الهاون التي كانت تمطر شوارع المدينة كل ساعة مع المعارك التي كانت تدور في محيطها، فالموت حينها كان مباشراً وواضحاً لا لبس فيه، لكن الموت اليوم، بطيء ومؤلم، وله ألف شكل ولون.

عاشت دمشق، منذ بدأ الحراك في سوريا، وتحوّل بعدها لحرب طاحنة، سنوات صعبة خيّم فيها الموت على كل زواياها. انقسمت المدينة وريفها لقسمين، أحدهما بقي تحت سيطرة النظام السوري والآخر وقع تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، وكان لكل قسم نصيبه من الحرب التي استمرت قرابة سبعة أعوام. معظم أرياف المدينة، والتي خرجت عن سيطرة النظام تدمرت نتيجة المعارك العنيفة، وهجرها مئات الآلاف من سكانها الذين قتل منهم الآلاف أيضاً، في حين أنّ مركز المدينة ومناطق أخرى من الأرياف شهدت مستويات أقل من العنف. لكن الموت حصد أرواح الآلاف منها بسبب استهدافها بشكل خاص بقذائف الهاون، وعانت كذلك من هجرة سكانها، وخاصة الشباب هرباً من الخدمة العسكرية، ومن أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، ما هي إلا انعكاس للدمار الكبير الذي أصاب الاقتصاد السوري بالمجمل.

"عام الانتصار"

 كل ذلك بدا، وكأنه انتهى إلى غير رجعة منتصف العام الفائت، حين أنهى النظام السوري وبشكل كامل تواجد المعارضة المسلحة في العاصمة ومحيطها، مستعيداً السيطرة عليها بالكامل بعد حملات عسكرية بالغة العنف، وترافق ذلك مع تقدّم ميداني أحرزه بدعم من حليفيه الروسي والإيراني بشكل أساسي في مناطق سورية أخرى، حتى أنّ العام 2018 لُقب بـ"عام الانتصار" لدى النظام ومؤيديه ووسائله الإعلامية، والتي لم تفوّت مناسبة دون الحديث عن الانتصار ونهاية الحرب في سوريا وعودة الأمن والأمان. وامتلأت شوارع العديد من المدن السورية بلوحات إعلانية ضخمة تحمل صور الرئيس بشار الأسد مع عبارات تبارك بالنصر (صورة)، وترحب بعودة الحياة لسابق عهدها. وشهدت أشهر فصل الصيف بشكل خاص مهرجانات ومعارض كان على رأسها معرض دمشق الدولي، حاولت بدورها الترويج لفكرة نهاية الحرب في سوريا، وفي دمشق على وجه التحديد، والاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب، ومن أهم ملامح هذه المرحلة إعادة الإعمار المرتقبة وما يفترض أن يرافقها من مشاريع عمرانية بدأ التحضير لعدد منها بشكل فعلي، مع إقامة معارض خاصة بإعادة الإعمار ومواد ومعدات البناء، وإصدار قوانين وتشريعات جديدة تساهم في إعادة تنظيم المناطق العمرانية وتسهّل عمل رؤوس الأموال والمستثمرين الراغبين بخوض غمار تلك المرحلة، وأيضاً إجراء انتخابات شكلية لتعيين مجالس جديدة للإدارات المحلية تضمن سيطرة كبيرة على أي تنفيذ مستقبلي للمشاريع العمرانية المرتقبة، وتؤكد في الوقت نفسه دعاية النظام السوري حول عودة الحياة لمجاريها في البلاد.

2_1.jpg

صورة متداولة عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي السورية على أنها لطوابير انتظار توزيع أسطوانات الغاز المنزلي امام المراكز المخصصة في مدينة حلب شمال سوريا، حيث تعيش البلاد أزمة غاز ومحروقات غير مسبوقة منذ مطلع شهر ديسمبر 2018، والصورة تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها

حمل ذلك دون شك ارتياحاً لكثير من السوريين المتعبين من الحرب التي لم يعد لها جدوى بنظرهم، وترقبوا أوضاعاً معيشية أكثر أمناً وراحة، وأتحدث هنا عن شريحة واسعة من السوريين الذين لم تعد لهم أحلام سوى تأمين متطلبات الحياة الأساسية لهم ولعائلاتهم بعد أن أنهتكهم الحرب والحالة الأمنية على كافة الصعد الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. بعد أشهر من ذلك قرع فصل الشتاء أبوابنا، وتوجّسنا منه لوهلة، ونحن نتذكر فصول الشتاء الفائتة والتي عانينا فيها من انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي، وشح في الوقود، وبالتالي صعوبات في الحصول على التدفئة اللازمة، خاصة مع خسارة آلاف العائلات لمنازلها واضطرار عدد منها للعيش بمنازل غير مهيأة لاستقبال الشتاء، وحتى في الطرق والحدائق العامة. لكن التصريحات الحكومية، مطلع هذا الشتاء جاءت مريحة، مع وعود بقضاء فصل دافئ لا معاناة فيه، فالكهرباء لن تقطع والوقود والغاز سيتوفران بكميات كبيرة، وسنكون قادرين على أن ننعم بالدفء داخل منازلنا، فوفقاً لهذه الوعود الحرب، قد انتهت ولا مبرر لأي معاناة بعد اليوم. أسابيع قليلة على بداية الشتاء كانت كفيلة كي نعرف، بأن كل تلك الوعود والآمال، لم تكن سوى فقاعة من الأوهام، استفاق بعدها السوريون على أوضاع معيشية صعبة بشكل لم يعهدوه حتى في سنوات الحرب الأكثر قساوة.

عام  طوابير البؤس و الانتظار

خلال سنوات الحرب اعتدنا على ساعات تقنين طويلة للتيار الكهربائي كانت تصل في بعض الأيام حتى عشرين ساعة يومياً بدون كهرباء. لم يُسمح في معظم المدن السورية بالاعتماد على مولدات كهربائية كبيرة تعتمد عليها الأبنية، حيث يتم الاعتماد على مولدات يشتريها المواطنون القادرون بشكل فردي، وتوضع أمام أبواب محلاتههم أو على شرفات المنازل. كما يعتمد قسم آخر على تجهيز المنازل ببطاريات كبيرة نشحنها خلال ساعات توافر الكهرباء ونستخدمها عند الانقطاع لإضاءة المنزل وتشغيل بعض المعدات البسيطة كشواحن أجهزة الخليوي وربما شاشات التلفاز، دون أن تكون كافية بكل الأحوال للحصول على التدفئة، والتي كنا قبل الحرب نعتمد على مدافئ الوقود (المازوت) لتأمينها، لكن الوقود أيضاً بات عملة نادرة وغالية الثمن في الحرب حيث ارتفع سعره لأكثر من عشرة أضعاف، وأصبح الحصول عليه صعباً ومكلفاً، حيث يمكن لكل عائلة الحصول على 400 ليتر بسعر مدعوم حكومياً (حوالي نصف دولار لليتر الواحد) وعليها شراء باقي احتياجاتها من السوق السوداء بسعر مرتفع (يبلغ متوسط دخل العائلة السورية 100 دولار أمريكي شهرياً، وهو دخل لا يتوافق مع هبوط قيمة العملة السورية بمقدار عشرة أضعاف منذ العام 2011 والتضخم الذي أصاب معظم السلع والمواد الاستهلاكية، والتي ارتفعت أسعار كثير منها لأكثر من عشرة أضعاف). نتيجة لذلك، باتت كثير من العائلات تعتمد وسائل بديلة للتدفئة خلال فترات انقطاع الكهرباء، وعلى رأسها مدافئ الغاز أو الحطب.

وعلى غرار كثير من السنوات السابقة، تحوّلت أيامنا هذا الشتاء لساعات من الانتظار. ننتظر الكهرباء كي تنتهي فترات تقنينها، والتي تتراوح بمجموعها داخل دمشق بين ثمانية ساعات واثنتي عشرة ساعة، وتتجاوز هذه المدة في بعض مناطق محيط المدينة. ننتظر السيارة المسؤولة عن توزيع مادة المازوت كي تصل إلى حيّنا ونحصل منها على بعض الليترات الكافية لتدفئة منازلنا إن استطعنا لذلك سبيلاً. بعض الأرقام الحكومية الصادرة هذا الشهر تتحدث عن أن 85 بالمئة من العائلات في دمشق لم تشترِ حتى الكمية المدعومة حكومياً وذات السعر المخفّض لعدم امتلاكها مبالغ كافية لذلك، حيث يعيش اليوم حوالي 80 بالمئة من السوريين تحت خطر الفقر، ومنهم حوالي 6 ملايين نازح داخلياً، وذلك وفق آخر الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدةtd بعض الأيام أيضاً انتظر الآباء والأمهات طويلاً للحصول على سلع أساسية مثل الحليب لأطفالهم، حيث فُقد حليب الأطفال من الصيدليات بشكل تام لأيام عديدة قبل إعادة توفيره بشكل تدريجي، ونشطت إثر ذلك حركة التهريب البري من أسواق لبنان المجاورة للحصول على هذه المادة الأساسية لكثير من العائلات، وإن بأسعار مرتفعة.

لكن أكثر طوابير الانتظار بؤساً هذا الشتاء هي طوابير انتظار الغاز، والذي تعيش سوريا أزمة حادة بخصوصه منذ حوالي شهر ونصف. تحتاج كل العائلات السورية لوجود جرة غاز واحدة على الأقل في منزلها للطبخ، وإن كانت ستستخدمها للتدفئة فالأمر كارثي، إذ أنها ستحتاج لتبديل هذه الجرة كل بضعة أيام وقد يصل سعر الجرة الواحدة في السوق السوداء إلى 9000 آلاف ليرة سورية (18 دولاراً أميركياً) في حين يفترض بأن سعرها العادي 2500 ليرة سورية (5 دولارات). اليوم، تُنتج سوريا حوالي 30 بالمئة من احتياجها من الغاز بشكل محلي وتعتمد على الاستيراد لـ70 بالمئة. الإنتاج المحلي بالطبع لن يكفي لتلبية الحاجة المتزايدة، والاستيراد يبدو اليوم أصعب من أي وقت مضى. هذه الحاجات فاقمتها درجات الحرارة المتدنية التي وصلت في بعض الأيام والليالي لثلاثة درجات مئوية تحت الصفر، وزاد منها أيضاً اضطرار الحكومة السورية لتخديم المزيد من المناطق التي عادت إلى سيطرتها خلال العام الأخير، ومنها مساحات شاسعة في محيط دمشق، وأيضاً في المنطقة الوسطى والجنوبية. هذه المناطق ومئات الآلاف من سكانها، وأيضاً البعض ممن عادوا من بلدان اللجوء المجاورة وهي لبنان والأردن، يحتاجون لتقديم الخدمات كالكهرباء والماء والوقود، ويزيدون من حجم الطلب على تلك الخدمات.

أتأمل صور الطوابير على مراكز توزيع الغاز لأتذكر تلك الصورة الشهيرة من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب العاصمة دمشق عام 2014، والتي تظهر آلاف المحاصرين وهم في انتظار توزيع مساعدات إنسانية، وأشهد قصصاً وأسمع عن أخرى أخالها من محض الخيال. رجل سبعيني يجلس عند بوابة مركز توزيع الغاز منذ السادسة صباحاً، وحين تصل السيارة محملة بمئات العبوات ويتعذر عليه الحصول على واحدة بسبب الفوضى، يحاول الاعتراض ليتلقى الشتائم والضرب من موظفي المركز. على أمل الحصول على تلك الجرة، رجال يقضون ليالٍ بأكملها بالانتظار ويضطرون للنوم في العراء عند أبواب المراكز رغم درجات الحرارة المنخفضة، في حين يتحدث الجميع علناً عن شدة انتشار الفساد والمحسوبيات في عمليات التوزيع، حيث يحصل تجار ومتنفذون ورجال أعمال وأثرياء على كميات كبيرة من تلك الأسطوانات دون أي معاناة، ويضطر معظم الناس العاديين، والذين لا يملكون أي نفوذ للانتظار ساعات طويلة دون أي طائل، ويشهدون بأنفسهم حضور سيارات من الباب الخلفي لنقل تلك الأسطوانات.

3_0.jpg

الصورة الشهيرة لمخيم اليرموك في شباط 2014 تظهر الآلاف في المخيّم وهم ينتظرون الحصول على المساعدات الغذائية (الأمم المتحدة)، والصورة تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها

أشعر بأننا وصلنا لأقصى درجات التوحش، حيث نعجز عن التفكير سوى بحاجاتنا الأساسية، حتى لو على حساب معاناة الآخرين، ونبرّر كل ما نقوم به باسم الحرب والحاجة، والبعض لا يكلف نفسه حتى بالتبرير ويكتفي باستخدام سلطته ونفوذه وأمواله للحصول على ما يريد وإن كان على حساب الآخرين. وبالطبع تختلف تلك الحاجات وآليات التعامل معها من عائلة لأخرى ومن مكان لآخر. العائلات الفقيرة، والتي تشكل غالبية سكان سوريا اليوم، ما عاد معظمها يحلم بالحصول على الدفء، فهو لم يعد بمتناول يدها، ويلجأ كثير منها الآن لحرق الأوراق والبلاستيك والأقمشة المتاحة داخل المدافئ المتوقفة عن العمل للتنعم بدفء حتى لو كان مؤقتاً، وتبقى أولوياتها محصورة بتأمين الغذاء والمأوى والدواء، ويضطر أبناؤها للتسرّب من المدارس والجامعات بحثاً عن عمل يعيلون به أهلهم.

الطبقة الوسطى.. انهيار متواصل

 العائلات التي تشكّل الطبقة الوسطى في البلاد، وهي طبقة تتضاءل يوماً بعد آخر، تعجز هي الأخرى عن الحياة برفاهية وراحة كما اعتادت في السابق، فتكاليف الحياة ترتفع يوماً بعد آخر دون أن يقابلها ارتفاع مكافئ في الأجور، والحصول على تدفئة جيدة خلال فصل الشتاء هذا ليس بالأمر السهل. يعني ذلك بالنسبة لها التخلي عن العديد من الرفاهيات التي كانت معتادة عليها، والاقتصار على الضروريات. وحدها الطبقة الأكثر ثراء، ومعظمها اليوم من تجار الحرب والمتنفذين والمقربين من النظام، قادرة على أن تعيش بشكل شبه طبيعي، والحصول على ما تريد مهما كان الثمن مرتفعاً، وهي طبقة تشكل نسبة ضئيلة جداً من سكان سوريا اليوم.

ووسط طوابير الانتظار تلك، بدأت الوعود الحكومية: ستحل الأزمة الأسبوع القادم، أو الذي يليه أو الذي يليه. وقُدمت تبريرات عديدة، منها أن الطلب ازداد بشكل مفاجئ على الوقود، أو أنّ ناقلات النفط تجد صعوبة في الوصول للموانئ السورية بسبب سوء الأحوال الجوية، أو أن الاستهلاك يحتاج للتنظيم حيث أنّ السوريين يهدرون الكثير من الطاقة لاستخدامات غير ضرورية. ومع هذه الوعود والتصريحات بدأ الشارع السوري بالغليان.

موجات من الغضب

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع السابقة بشكل غير مسبوق بمنشورات تتحدث عن سوء الأوضاع المعيشية في مناطق سيطرة الحكومة السورية، وتتهكم من البروباغندا القائلة بانتصار النظام على الإرهاب في حين يعاني معظم السوريين من فقدان أبسط مقومات الحياة، ومن الملفت للنظر خروج تلك الاحتجاجات في الواقع الافتراضي من شريحة تعتبر بأغلبها مؤيدة للنظام السوري وحتى لنهج العمليات العسكرية التي اتبعها في سوريا.

يوماً بعد يوم اتسعت موجة الاحتجاجات في مواقع التواصل وفي أحاديث الشارع، وانضمت إليها بعض النخب من فنانين وصحفيين بدأوا بمناشدة الحكومة والرئيس السوري للاهتمام بحال السوريين وبذل جهود أكبر لمكافحة الفساد الذي بات مستشرياً في كافة مفاصل الدولة. قابلت السلطات السورية ذلك بدايةً بمزيد من الوعود بانفراج قريب للأزمة، وتهكم رئيس مجلس الشعب في إحدى جلسات المجلس على موجات الاحتجاج تلك، والتي اعتبر بأنها تُدار من الخارج بهدف زعزعة الاستقرار في البلاد، بعبارات مشابهة لما يتهم به جميع معارضي النظام السوري منذ أن بدأ الحراك في البلاد.

وفي حادثة تختصر برمزيتها حكايتنا، اختنق سبعة أطفال أخوة ليلة الثالث والعشرين من يناير، عنددما احترق منزلهم نتيجة عودة مفاجئة وغير متوازنة للتيار الكهربائي، اندلعت على إثرها نار مفاجئة في مدفأة كهربائية لتلتهم المنزل والأطفال السبعة الذين ماتوا خنقاً قبل أن تحترق أجسادهم الصغيرة. نشعر وكأن الموت يحاصرنا من كل اتجاه، في العام الفائت كنا نموت بسبب المعارك وقذائف الهاون، واليوم نموت لأننا لا نملك الموارد الكافية لنحصل على وسائل تدفئة طبيعية.

في اليوم التالي، خرج المئات من أبناء دمشق في تشييع الأخوة السبعة في مشهد مهيب أعاد إلى ذاكرتي تلك المظاهرات التي خرجت عام 2011 وطالبت بحياة أكثر عدلاً وكرامة لنا نحن السوريين. هتف المشيعون بملء حناجرهم والغضب يخنق الأصوات في صدورهم. هي المرة الأولى التي نرى فيها مشهداً مشابهاً داخل دمشق منذ آخر مظاهرة خرجت فيها ربما في العام 2012.

نشعر اليوم بأنّ درجات الغضب والحنق بلغت أقصاها، والجميع يتحدث عن انفجار شعبي قريب ووشيك إن استمر الوضع على حاله. رغم أنّ كثراً يتخوفون من ردود فعل النظام السوري وأجهزة الأمن في حال حدوث هذا الانفجار، "فهناك سجون تتسع لنا جميعاً" كما يتهامسون، ولا زلنا أساساً ننتظر عودة آلاف المغيبين في سجون النظام منذ سنوات (تتحدث تقارير حقوقية عن وجود حوالي 90 ألف مغيب قسري في سوريا)، أو حتى أخباراً عنهم، لكن معظم السوريين اليوم يشعرون بأنه لم يعد لديهم ما يخسرونه بعد هذا التردي الشديد لأوضاعهم، والذي ينال من أمنهم الإنساني ومن كرامتهم. من لم يفكر بالسفر من قبل، يحلم اليوم بالمغادرة لمكان أفضل، ومن لا يملك لذلك سبيلاً، يريد المطالبة بحياة أفضل داخل سوريا، وهو ما لا يتوافر فيها اليوم على الإطلاق. الحياة في سوريا تسير نحو الأسوأ بخطا متسارعة.

"حرب اقتصادية"

وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد، بدأت الحكومة السورية خلال الأيام الأخيرة بالتراجع عن وعودها البراقة، وشرعت باستضافة محللين سياسيين واقتصاديين عبر وسائل إعلام مختلفة للحديث عن حرب اقتصادية يفرضها الغرب اليوم على سوريا عن طريق العقوبات المفروضة من قبل، وقانون سيزر الأمريكي الأخير الذي أتى في وقت ساعد الحكومة في تثبيت روايتها بإلقاء كل اللوم على الخارج وتبرئتها من مسؤولياتها، وتغير الخطاب الرسمي من "خطاب النصر" إلى "ضرورة التحضير لمرحلة قادمة صعبة قد تفوق بصعوبتها أيام حصار العراق، فالحرب القادمة ليست عسكرية وإنما اقتصادية ونفسية" انت أولى مؤشرات هذا التحضير تخصيص مجلس الوزراء السوري جلسته الأسبوعية يوم 27 يناير "لوضع خطة لمواجهة الإجراءات الاقتصادية الأحادية الجانب والقسرية على الشعب السوري" في إشارة للعقوبات الاقتصادية الأخيرة على البلاد، وهي إجراءات تتضمن زيادة الإنتاج المحلي وتخفيض الاستهلاك الحكومي في مجال الوقود، وتفعيل القطاع الزراعي والصناعي بشكل أكبر، إضافة لدعم المجتمع الأهلي كي يمارس دوره في مجال المساعدات والتنمية بشكل أكبر.

4-1.jpg

وسط دمشق التي يكسوها السواد بسبب انقطاع التيار الكهربائي. بائع الذرة المسلوقة يبدأ بممارسة عمله بعد يوم طويل من الانتظار للحصول على جرة الغاز اللازمة للعمل ويستخدم لإضاءة عربته مصابيح الليد التي تعمل على البطارية والتي شاع استخدامها كثيراً في سوريا في السنوات الأخيرة حيث يمكن تشغيلها حتى في فترات انقطاع الكهرباء بوصلها إلى بطارية صغيرة تُشحن عند اللزوم. تصوير: مريم يوسف

واليوم، ماذا تعني كل تلك التصريحات بالنسبة لنا، نحن الذين نشعر بأننا من يدفع الأثمان مضاعفة؟ ندفع ثمن الحرب التي تسبّبها أولاً النظام السوري، وندفع ثمن انتصاراته الواهية وإصراره على أنّ الحرب في سوريا شارفت على الانتهاء، وندفع ثمن عقوبات يحاول الغرب من خلالها، أو يدعي بأنه يحاول التصدي لممارسات النظام الوحشية بحق المدنيين، رغم أنّ معظم هذه العقوبات لم تسهم إلا  بجعل الحياة أكثر صعوبة وثقلاً علينا.

يحدثني أحد باعة الذرة المسلوقة الجوالين عن كل ذلك بكلماته البسيطة والدموع في عينه: "أنتظر كل يوم ساعات للحصول على جرة الغاز الضرورية لعملي، وفي الساعات المتبقية أعمل فلا أحصل على قوت عائلتي إلا بشق الأنفس. انظري حولك، الكبار يعيشون كما يحلو لهم، بل ويستفيدون من الأزمة ويجمعون الثروات. لا يشعر بالحرب سوانا ونحن وقودها".

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram