نوى

السينما والمسرح داخل السجون التونسية

لا أنكر أبداً سعادتي بهذه التجربة التونسية المتفردة في بلادنا الناطقة باللغة العربية، والتي تعدّ نموذجاً يمكن تصديره أمام الدول الأخرى

أميرة مهذب
8 January 2019

PA-39837212 (1).jpg

NurPhoto/SIPA USA/PA Images. All rights reserved.

كان شعوراً غريباً حين كُلّفت بتغطية المهرجان الدولي لأيّام قرطاج السينمائية داخل أحد السجون. شعور مختلط مفعم بالغبطة والخوف في آن واحد. أخيراً، سأزور إحدى الأماكن التي طالما أثارت نقطة استفهام وفضول في حياتي، ألا وهو السجن.

أحسست أن الحظ بجانبي حين تم إختياري في المحطة التي أعمل بها لتغطية هذا الحدث، خاصة مع منحنا حرية شبه كاملة في اختيار السجن الذّي نود زيارته. كانت الخيارات بين سجن المرناقية والمسعدين وبرج الرومي وسيدي الهاني وغيرها من الأسماء التي وجدت على قائمة المعدين للبرنامج، والتي لا تتفاوت فيما بينها إلا بدرجة سوء المعاملة. من دون الكثير من التفكير، اخترت سجن برج الرّومي الذي سيعرض به فيلم "سامحني"، من إخراج نجوى الإمام سلامة وبطولة عابد فهد والممثل التونسي محمد علي جمعة وسوسن معالج.

وبدأت فعلاً بالإعداد للرحلة إلى محافظة بنزرت، الواقعة شمال البلاد، حيث السجن لتصوير التقرير من داخله.

برج الرومي.. بوّابة الموت

لمن لا يعرف برج الرّومي، فقد كان السجن حصناً للاحتلال الفرنسي، ثم أصبح في عهد الاستقلال سجناً ما زال يعرف بأنه الأسوأ على الإطلاق والأكثر رعباً في تونس، لما شهده جرائم بشعة بحق الإسلاميين والسياسيين على حد سواء.

تأتي تسميته من المصطلح الدارج لدى التونسيين في حديثهم أو تعبيرهم عن المستعمر وهو "الرومي"، أما البرج هو دليل على المكان المرتفع للمراقبة. السجن الذي اعتقل فيه مناضلو الوطن في فترة الاستعمار الفرنسي ومن بعدها معارضو بورقيبة وصولاً إلى معارضي الرئيس السابق بن علي، حصد تسميات عديدة لتوصيفه، منها "جحيم الدكتاتور المفضّل" و"أبواب الموت" و"معتقل المساجين السياسيين".

يقول السجين السياسي السابق بن دادة دادي الذي دخل الرومي في فترة التسعينيات لانتمائه لحركة الاتجاه الإسلامي في عهد بن علي خلال فيلم وثائقي بعنوان "برج الرومي.. بوابة الموت" الذي أنتجته الجزيرة، "لما دخلت برج الرومي، أحسست أنني في قرية مهجورة خلف التاريخ، فلا نتحدث عن البياض في الجدران، بل هي غرف مبنية في سفح جبل لا توحي أبداً بارتباطها بالحضارة إنما توحي أننا في مكان خلف التاريخ."

لم أنسَ أيضاً وأنا في طريقي إلى محافظة بنزرت، رواية "برج الرومي" التي أهداني إياها كاتبها سمير ساسي منذ أربع سنوات أو يزيد والذي سجن فيه لمدة عشر سنوات على خلفية نشاطه في الجامعة، حيث كان ناطقاً رسمياً باسم الفصيل الطلابي التابع لحركة النهضة، رواية أرّخت بتفاصيل دقيقة سنوات عشر قضاها ساسي في أقبية سجون ثلاثة، كان أسوأها وبلا منازع، برج الرّومي.

كل ما تحدّثت عنه الرواية استحضرته آنذاك وكأنني أتممت قراءتها للتوّ، سجن مرعب تهتزّ له الأرواح والنفوس، يرى من يدخله فظاعة خارج التصنيف والتوصيف.

منفى المنطقة العسكرية

لن ترى وأنت متجّه لذلك المكان غير الجبال الشاهقة التي تفصل السجن عن المدينة، جبال لا يحدّها شيء سوى البحر. يزداد قلبي ارتجافاً كلما جاوزت السيّارة عشرة أمتار، أتخيّل كيف سيكون لقائي مع السجناء، هل سنتحدّث إليهم؟ هل سيفصحون عن أسمائهم وتهمهم الحقيقية؟ هل سيخبروننا أن سماءهم صافية وأن العصافير تزقزق ككل الزيارات المعلنة مسبقاً؟ حتماً المشهد في ظاهره بروتوكولياً بالأساس، زيارة مرتقبة منتظرة، لن تكون إلاّ كذلك.

بلغنا الحواجز العسكرية، ولم يعد يفصل بيننا وبين السجن إلاّ بعض الأمتار، سألت المصوّر الذّي كان يرافقني بلهفة وارتباك، هل يمكننا تصوير الطريق والحواجز؟ أو هل من الممكن أخذ لقطة للسجن من بعيد؟

أجابني بسخرية وبرود شديدين، أميرة ما بك؟ إنّها منطقة عسكرية يمنع فيها التصوير، ألم تري اللافتة؟ ساد الصمت بيننا، وأخذت السيارة تسير ببطء، استخرجت هاتفي من حقيبتي لم آبه إلى التغطية التّي فقدتها بمجرد أن تجاوزنا الحواجز العسكرية، وأخذت أسجّل فيديو مصور للطريق الذّي أسرني. التفت السائق نحوي فجأة ليقول انتبهي إنّها منطقة عسكرية..

الحيّ يروّح"، إلا أنّه قد لا يعود أبداً

كان الوضع مريحاً حين وصلنا مقارنة بما كان في خيالي، بل كان أفضل ممّا توّقعت، دخلنا من ذلك الباب الصغير، واحداً تلو الآخر، ولم يفتّشوننا البتّة بل طلبوا منّا فقط بطاقة هوية أو جواز سفر لمن هو أجنبي.

ترجّلت بخطى متثاقلة نحو قاعة العرض، أطبق الصمت على أرجاء المكان، إلاّ من أصوات الكلاب التي زادت المشهد سوداوية في ذهني. كان رجال الأمن من حولنا كثر يحدّقون فينا بأعين تملؤها الريبة والحذر.

تبادر إلى ذهني أثناء العرض، كم من موساري بيننا الآن؟

دخلنا القاعة التي بدت تغص بالمساجين الذين اختارتهم إدارة السجن لمشاهدة الفيلم، توجّهت الأنظار نحوي، لم يعد يفصل بيني وبينهم شيئاً، لا حواجز ولا قضبان، يتحدّثون بصوت خافت وما إن ترتفع أصواتهم قليلاً حتى تأتيهم نظرات السجّان المتوعدة والناهرة.

ساد الصمت للحظات، أطفئت الأنوار، وبدأ عرض الفيلم.

من قمة العبثية كان ومن غرابة الصدفة أن يتحدّث الفيلم عن قصّة "موساري"، الذي هو الشخصية الرئيسية في الفيلم، والذي قضى إحدى عشرة سنة في السجن ظلماً وبهتاناً ليجد نفسه بعد خروجه من السجن مصاباً بمرض السرطان، ولا يفصل بينه وبين الموت إلا شهرٌ واحدٌ. تبادر إلى ذهني أثناء العرض، كم من موساري بيننا الآن؟ حاولت التمعّن في وجوه المساجين كلّما دخل أحد الأعوان إلى القاعة مزيحاً الستار الأسود، ليتسلّل الضوء لثواني إلى القاعة، ثوان معدودة أحاول فيها رؤية ملامح وجوههم التي أنهكتها العزلة وفصلتها عمّا يحدث خارجاً.

وجوه بدت متأثّرة بنسق الأحداث الذّي يتصاعد شيئاً فشيئاً كلما أشرف الفيلم على النهاية. كم يشبه "موساري" هؤلاء السجناء الذّين لا يعرفون ما الذي ينتظرهم خارج السجن. تحضرني على غفلة المقولة التونسية المتوارثة شعبياً والتي لها غرض الطمأنة عن المُغترب والمُسافر والبعيد أو حتى السجّين "الحيّ يروّح"، إلا أنّه قد لا يعود أبداً. وهكذا كانت نهاية الفيلم.

باقة الورد والعصا

تقريباً بعد شهر، وخلال أيّام قرطاج المسرحية، كان لي موعد آخر مع السجناء مجدّداً، لكن هذه المرّة خارج أسوار السجن. في مبادرة نادرة من وزارتي العدل والثقافة وكمسار إصلاحي جديد يعطي السجين حقه في حياة ثقافية واجتماعية على اعتباره مواطن فقدَ حريته ولكن له حقوق إنسانية كاملة، قدم مهرجان أيام قرطاج المسرحي خمسة عروض مسرحية أبطالها من السجناء بمشاركة نجوم من المسرح العربي.

المبادرة التي كانت بعنوان "أيام قرطاج المسرحية السجنية"، والتي احتضنتها دار الثقافة المغاربية ابن خلدون، لم تكتف بمشاركة المساجين الصورية فقط، بل أحدثت لجنة تحكيم لتقييم الأعمال المسرحية المعروضة، واختيار أفضلها ومنح المشاركين من المساجين شهادات وتحفيزهم على الانخراط في الأعمال الثقافية.

"داموس 34"، كان عنوان العمل المسرحي الذي قدمه السجناء على خشبة المسرح، والذي يعني النفق العميق تحت الأرض. عمل أدّاه خمسة مساجين بحرفية عالية، أمام جمهور ضيّق مختار بعناية لا يشمل إلا صحافيين ونقاد وممثّلين. مفارقة ساخرة بين كلا المهرجانين، فبالأمس حرصوا على انتقاء المساجين "الجمهور" لمشاهدة الفيلم، واليوم يتفننون في انتقاء الجمهور ليشاهد العرض المسرحي "السجين".

لا أنكر أبداً سعادتي بهذه التجربة التونسية المتفردة في بلادنا الناطقة باللغة العربية، والتي تعدّ نموذجاً يمكن تصديره أمام الدول الأخرى التي تتعامل مع السجين على أنه مواطن فاقد لحقوقه المدنية والإنسانية. نموذج ٌبحاجة لحشد كبير يدعمه كي لا يقتصر على مناسبات تنتهي فيها فسحة السجين عند انطفاء الشاشة واسدال الستارة، ولكن، مازال الأمل قائماً، فطالما السجّان قادر على معانقة السجين على خشبة المسرح لتهنئته وتقديم باقة ورد له، فمن الممكن يوماً استبدال عصا السجّان بباقة من الورد.

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram