Home

من بيروت إلى باريس، الحزن الانتقائي: "كلّنا يعني كلّنا" مذنبون

في كشفنا الحزن الانتقائي للآخرين، يبرز حزننا الانتقائي. علينا أن نعترف بعدم كفاءتنا في التعامل مع مصائب وعذابات الناس وأن نظهر التضامن بالفعل وبالقول مع جميع ضحايا الإرهاب والقمع English

حليم شبيعة
30 November 2015

11153760234_82620f4c80_z_1.jpg

Flickr/Markus Grossalber. Some rights reserved.بعد الهجمات الارهابية التي هزت العاصمة الفرنسية نهار الجمعة 13تشرين الثاني الجاري، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي، كما كان متوقعاًً بطبيعة الحال، وابلاً من التعاطف وعلامات التضامن مع باريس والشعب الفرنسي

بيروت ايضاً كانت قد ذاقت مرّ كأس "داعش" قبل يوم فقط من هجمات باريس. ففي 12 تشرين الثاني، فجّر انتحاريان حزاميهما الناسفين في منطقة سكنية في الضاحية الجنوبية في بيروت. وكانت حصيلة التفجير وفاة 43 شخصاً وجرح أكثر من 250 مدنيا

كشف وزير الداخلية نهاد المشنوق أنّ الانتحاريين الأربعة أو الخمسة كانوا يستهدفون أصلاً مستشفى الرسول الأعظم في المنطقة. ولكنّ الإجراءات الأمنية المكثفة في محيط المستشفى أفشلت خطّتهم، فاختاروا تفجير أنفسهم في منطقة تعجّ بالسكان في ساعة الذروة

لم يرُق لبعض الأشخاص ردّ الفعل المختلف للإعلام العالمي على هجمات باريس بالمقارنة مع الهجمات التي تحصل يومياً في العالم العربي وفي نواحٍ اخرى من العالم. ففي الواقع، العراق ايضاً كان قد شهد وفاة 18 شخصاً نتيجة تفجير أحد انتحاريي "داعش" نفسه—و في اليوم ذاته الدي وقعت فيه أحداث باريس

لم يكُن هذا الانتقاد لانتقائية الإعلام موجهاً ضدّ أحقِّّية الوقوف الى جانب الشعب الفرنسي في مواجهة النتائج المأساوية للتطرّف الوحشي الذي يعكس إيديولوجيا تتلاعب بمفهوم الدين لتوظيفه في تبرير إرهابها الشنيع. ولكنّ بيت القصيد كان في التغطية الإعلامية من ناحية استعمالها مصطلحات مغيّنة وسردها الخاصّ في تفسير الأحداث

وقد أصاب حبيب بطاح في مقالة على مو قع "الجزيرة" حين كتب، "لعلّ ما يزعج أكثر من تغييب هجمات بيروت عن ساحة الغضب الدولية هو عدد التقارير الإخبارية الغربية التي سعت إلى تصنيف الضحايا اللبنانيين بدلاً من بكائهم". و في كلامه عن "تصنيف الضحايا" إشارة إلى أنّ الهجوم الانتحاري وقع في ما سُمّي غي وسائل الإعلام الأجنبية "بمعقل حزب اللّه" أو "عقر دار حزب اللّه". و قد رأى كثيرون في اختيار عناوين كتلك محاولة واضحة لتحجيم أثر الهجوم الانتحاري ولتجريد الضحايا من إنسانيتهم

لبنان، ولدى إدانته بطريقة شرعية ومحقّة للحزن الانتقائي المُمارس بحقّه، ينسى ويتناسى أنه بلد يختار انتقائياً ما يحزن عليه في كلّ يوم

وكما كتبت بيلين فرنانديز في "ميديل إيست أي"، إن ما يساهم في تجريد الضحايا من إنسانيتهم وهويتهم المدنية في هذه الحالة مردّه أنّ "الأشخاص في الجهة المتلقية للهجمات قد جُرّدوا تماماً من أنسانيتهم مراراً وتكراراً". بالإضافة إلى ذلك، يفترض مثل هذا التصنيف أنّ جميع الضحايا ينتمون إلى الطائفة الشيعية، ما يبرر وفاتهم كنتيجة مباشرة لانخراط "حزب اللّه في الأزمة السورية

وحتى لو سلّمنا جدلاً بصحة هذا التبرير الضعيف وغير اللائق في حالات تستدعي اليقظة والتضامن الوطنيين، فإنّ هذا المنطق المغلوط يتجاهل أنّ الاستهداف المتعمّد للمدنيين في حالات النزاع المسلّح يُعدّ جريمة حرب من دون أدنى شكّ حسب القانون الإنساني الدولي. وإنّ المنطقة المستهدفة، بحسب فرنانديز، "يسكنها لبنانيون آخرون وفلسطينيون وسوريون وأشخاص من ديانات مختلفة واتجاهات سياسية متنوعة. هناتفشل أيضاً معادلة الضحايا=الشيعة/"حزب اللّه" في الاعتراف بالمجتمع المسيحي الصغير في المنطقة

ماذا عن الحزن الانتقائي؟

وعلى الرغم من أنني أؤيد تماماً ضرورة الطعن في المصطلحات التي يستخدمها الإعلام العالمي ووجوب السعي إلى معاملة جميع الضحايا بمسواة، فإنّ الجدل الممتاز الذي نشهده حول الحزن الانتقائي والمعاملة السوية للضحايا يكشف حقيقة مزعجة عن كلّ منّا، أياً كان موقفنا السياسي

ما أقصده هو أنّ لبنان، ولدى إدانته بطريقة شرعية ومحقّة للحزن الانتقائي المُمارس بحقّه، ينسى ويتناسى أنه بلد يختار انتقائياً ما يحزن عليه في كلّ يوم

فها هو لبنان يبكي وفاة رجل على طرقاته نتيجة ملاحقة بالسيارات وتعدّ مرعب التُقط على الفيديو. ولكنّ لبنان نفسه لا يحزن عندما يشاهد رجلاً في فيديو يعنّف زوجته بشراسة في موقف سيارات أحد المراكز التجارية الفخمة

ويبكي لبنان وفاة السكان الباريسيين في 13 تشرين الثاني 2015. ولكنّ لبنان نفسه لا يحزن على موت عدد كبير من العمال الأجانب انتحاراً يومياً

ويبكي لبنان ضحايا صحيفة "شارلي إيبدو" العُزّل. و لكنّ لبنان نفسه لا يحزن لدى الاطلاع على تقارير الاعتداءات الجنسية على الأطفال ولا يتضامن مع ضحاياها عندما يكون المعتدي فرداً من العائلة أو الحزب أو الدين

ويبكي لبنان محنة اللاجئين السوريين الذين يغرقون على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ولكنّ لبنان نفسه لا يحزن على وجود 17 ألف شخص مفقود منذ الحرب الأهلية، لا تزال عائلاتهم تستيقظ يومياً دون أدنى فكرة عن مصيرهم أو مكان وجودهم. كما لا يحزن لبنان بالشكل المطلوب على الجنود المخطوفين وعائلاتهم التي تعيش حالة خوف وقلق منذ شهر آب 2014

ويبكي لبنان نلسون مانديلا وشخصيات عالمية عبر نشر عبارة RIP (أي إرقد بسلام) على مواقع التواصل الاجتماعي. ولكنّه لا يكترث لمصائب الضحايا من طوائف أخرى أو من أحزاب سياسية معارضة. ففي الواقع، يبدو آنّ كل طرف يهتمّ فقط للجرائم التي يرتكبها خصومه محلياً وإقليمياً ودولياً. ففي سوريا مثلاً، يرتبط تضامن الاعلام مع الضحايا بموقفه الداعم للسعودية أو لإيران، وباتالي للأسد أو لخصومه

بالنتيجة، إذا كنّا فعلاً نكترث لحياة الناس وللروح البشرية، لكنّا غيرنا جميعاً صورتنا الشخصية على الفايسبوك لتصطبغ بألوان العلم السوري. فوسط وفاة أكثر من 200 ألف شخص واختفاء 65 ألف شخص وتوسّع منظمة إرهابية تضطهد الأقليات وتوظف النساء والبنات كمستعبدات للجنس وترتكب جرائم قتل رهيبة، لا شكّ في أنّ وضع العلم السوري هو خير تعبير عن فعل تضامن مع الجرائم ضد الإنسانية التي تحصل هناك

ولو كنّا فعلاً نكترث لحياة الناس وعذاباتهم لكنّا أدخلنا ألوان العلم الفلسطيني في صورتنا الشخصية. فهناك، طُرد الأهالي من أراضيهم وهم يعيشون تحت الاحتلال أو كلاجئين منذ عام 1948، و لا تزال تُضمّ أراضيهم المتبقية إلى أراضي المسطوتنين الإسرائيليين، في مخالفة واضحة للقانون الدولي لم تُثر غضب إلّا القلائل

الحزن الانتقائي هو بالفعل واقع خبيث ومزعج. ولكّن الحقيقة هي أنّنا جميعاً خبثاء، وجميعاً نحزن بانتقائية، وجميعاً نتعاطف بانتقائية

في كشفنا خبث الآخرين، يُكشف خبثنا. وفي كشفنا الحزن الانتقائي للآخرين، يبرز حزننا الانتقائي. وفي كشفنا العدالة الانتقائية في العالم، يتبيّن لنا تغلغل واستشراء العدالة الانتقائية في مجتمعاتنا

ويبقى أملنا في أن تسرّع الأحداث المأساوية التي وقعتالأسبوع الماضي استيقاظ قادة العالم وسكّانه من غيبوبتهم ونزولهم عن عروشهم ومسحنا لريائنا واعترافنا بعدم كفاءتنا في التعامل مع  مصائب وعذابات الناس وإظهارنا التضامن بالفعل وبالقول ، كلّ بحسب إمكانياته، مع جميع ضحايا الإرهاب والقمع والاحتلال والتعذيب والخطف والاختفاء القسري والاتجار بالبشر والفساد والهجرة القسرية والاعتداء الجنسي والتمييز والنزاعات المسلّحة


نُشر هذا المقال في جريدة النهار اللبنانية
 وعلى موقع WorldPost وكان قد نشر باللغة الإنكليزية على موقع  openDemocracy


Don't LGBTQI Africans have a right to religious freedom, too?

White Christian supremacy vs queer liberation theology

Across the world, churches slam their doors into the faces of LGBTQI congregants. And in Africa, more and more queer people and their allies are looking for new ways to express their faith – and to challenge the White Christian supremacy that's long been imposed on their continent.

Hear from:

Arya Karijo openDemocracy columnist, Kenya

Alba Onofrio Womanist theologian, Soulforce

Chair: Adam Ramsay Editor, openDemocracy

More speakers to be announced

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى openDemocracy تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram WhatsApp yourData