Home

الأزمة الأخلاقية العالمية أمام الثورة السورية

Rita from Syria
27 May 2012

عندما يتعلق الأمر بالمصالح و مناطق النفوذ فإن ردود أفعال السياسيين و أنظمة الحكم لا تختلف, فالجميع دون استثناء يتخذ القرارات و الخطوات التي من شأنها أن تزيد أو أن تحافظ على الأقل على غنائمه السياسية و الاقتصادية, و قد يكون مثاليا جدا أن أتحدث عن التجاوزات الأخلاقية للسياسة و السياسيين بما أن هذه حقيقة يعرفها الجميع و تفرضها المنظومة الرأسمالية المسيطرة, لكننا في نفس الوقت نجد هذه المنظومة تتقنع خلف قناع أخلاقي لتبرر كل ما ترتكبه و تؤدي إليه من مصائب على الإنسانية ,سواء بشكل مباشر كغزو العراق و أفغانستان أو بشكل غير مباشر كتقديم الدعم السياسي و الاقتصادي للنظام الديكتاتوري في سوريا مثلا.  

للأسف, لا يختلف الوضع كثيرا أمام انتهاكات الانسانية, فرغم أن معظم دول العالم قد وقعت على الإعلان العالمي لحقوق الانسان و أنشأت عددا لا يحصى من المنظمات لحماية و ضمان تطبيق هذا الإعلان, لكنها تمارس اللعبة السياسية مع معاناة الشعوب كما يحدث الآن في المواجهة الأخلاقية للوضع الإنساني المتردي في سوريا و الذي ازداد ترديا مع تكثيف المجازر و الاعتقالات التعسفية التي يرتكبها النظام الاستبدادي بحق معارضيه. و على هذا فإن دول العالم لم تظهر من التعاطف الأخلاقي أكثر من تعاطف شاب ما تجاه سيدة لا يعرفها واقفة وسط زحام وسائل النقل العام!  

عندما يواجهنا موقف ما في حياتنا, فإننا نظهر ردات فعل مختلفة وفق تباين خلفياتنا الاجتماعية و العائلية و التربوية, مثلا وجود فتاة تقف في باصات النقل العمومية - و الذي أصبح مظهرا شائعا في سوريا و العديد من الدول الأخرى خلال السنوات الأخيرة - سيثير ردات فعل مختلفة لدى الشبان الجالسين, بعضهم قد يتجاهلها تجاهلا كليا و يتجنب النظر إليها منشغلا بالتفتيش في حقيبته أو الحديث على هاتفه الخلوي ليتجنب مساءلة نفسه كما فعلت معظم دول العالم بتجاهلها المجازر التي ترتكب يوميا في سوريا و عدد الشهداء الذي قارب الاثني عشر ألفا - و هذا رقم تقريبي بالطبع مع استحالة الوصول لبعض المناطق المنكوبة - و قد تدب الحمية في شاب آخر يجلس في آخر الباص متعاطفا ظاهريا مع الصبية الوافقة و لكنه سيستمر بجلوسه دون فعل شيء و يلوم باقي الركاب على تخاذلهم كما فعلت دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تتوانى عن التنديد و الإدانة و التهديد و فرض عقوبات اقتصادية لا تؤذي إلا الفقراء من السوريين, لكن دون أي خطوة فعلية من شأنها أن تزيد الضغوط على النظام السوري و تعزله دوليا. 

أما روسيا و الصين, فحكاية أخرى مع الفيتو المضاعف الذي عطل مجلس الأمن من اتخاذ قرار لإدانة النظام السوري, بالإضافة إلى استمرار روسيا بتوريد السلاح للنظام السوري و هنا تتجلى قمة الوقاحة السياسية و الضرب بعرض الحائط لتاريخ الشعب الروسي الحافل بالنضال ضد الديكتاتورية, هذا يشبه شابا لا يكتفي بمراقبة الفتاة الواقفة وسط الباص بل يبدأ بمضايقتها و دفعها للسقوط. 

لكن الأسوأ بنظري, هو موقف دول الخليج العربي التي يبدو أنها تبذل الغالي و الرخيص لإسقاط النظام الديكتاتوري في سوريا لكن بهدف إنشاء نظام متوافق طائفيا و دينيا مع سياساتها و بالتالي بسط نفوذها و التحكم بالتركيبة السياسية و " الطائفية " للمنطقة, مثل شاب قد يترك مقعده للفتاة الواقفة و قد يحمل لها حقيبتها أيضا أو يدفع عنها أجرة الباص, لكن ليس لشهامته المفرطة بل بهدف استغلالها جنسيا أو سرقتها. 

رغم أن موضوع وقوف السيدات في وسائط النقل العامة أو عدم وقوفهن هو ظاهرة اجتماعية بحتة تتعلق بعادات و تقاليد كل بلد وليس من حقي أن أقف معها أو ضدها, لكن الموقف يتحول إلى قضية أخلاقية حتما إذا كانت هذه السيدة تعاني من آلام المخاض, مثل ثورتنا التي تقف وسط العالم و تتألم لأنها تبشرنا ببلد حر جديد و مختلف.

يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هنا, لو كانت الشعوب هي فعلا صاحبة القرار في بلدانها هل كان العالم سيتجاهل ما يحدث من انتهاكات في بلدي و يتراكض لقطف كل ما يستطيعه من امتيازات و تسويات على حسابنا؟ يبقى هذا سؤالا مثاليا جدا و غير منطقي في عالم السياسة و المصالح لكنني لا أستطيع إلا أن أطرحه على شعوب مرت بنفس تجربتنا في سوريا يوما ما في تاريخها و دفعت كما ندفع الآن و ربما أكثر ثمن حريتها.

Rita is one of Arab Awakening's columnists. To stay up to date with our columnists, bookmark our You Tell Us page and follow the columnists on twitter.

Expose the ‘dark money’ bankrolling our politics

US Christian ‘fundamentalists’, some linked to Donald Trump and Steve Bannon, have poured at least $50m of ‘dark money’ into Europe over the past decade – boosting the far right.

That's just the tip of the iceberg: we've got many more leads to chase down. Find out more and support our work here.

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب openDemocracy ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram