openGlobalRights-openpage

تحديات وفوائد مفهوم "مسؤولية الحماية" في الحالة السورية

تظهر سوريا صعوبة ترجمة مفهوم "مسؤولية الحماية" إلى فعل حقيقي، ولكن يجب علينا المحاولة إذا كنا نريد لهذا المفهوم أن يتحول لما هو أكثر من مجرد  لفظ معنوي. لكن في الوقت نفسه، يجب أن يرتبط أي تدخل عسكري بحوار من أجل التوصل  إلى حل سياسي، إذ أنه، وفي حال تم المضي قدمًا في مثل هذا العمل دون الحصول على تفويض من الأمم المتحدة، فمن شأن ذلك  أن  يعرض مفهوم "مسؤولية الحماية"  لخطر المزيد من تآكل التأييد له. English, Español

Kwesi Aning Frank Okyere
26 September 2013


 تطرح سوريا ونزاعها المفتوح سلسلة من التحديات والصعوبات أمام المجتمع الدولي وأمام تنفيذ مفهوم "مسؤولية الحماية". فقد  دفع الوضع في سوريا هذا المفهوم  إلى المجهول. كما فشل المجتمع الدولي حتى الآن في ترجمة مسؤولياته من النظرية  إلى التطبيق. كما أن هذا الفشل الواضح أدى إلي إثارة الشكوك في أذهان المراقبين حول معايير تطبيق المفهوم.

فبعد عامين من بدء النزاع السوري، لا يوجد أي أمل في الأفق بالنسبة للعديد من المدنيين الموجودين تحت الحصار. كما يبدو أن الكشف عن أكثر من 100,000 شخص قتلوا في هذا النزاع وما يقرب من 4.5 مليون نازح داخلي و2 مليون لاجئ لم تفاجئ المجتمع ولا هزت ضميره. وبعد عامين من تمرير قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 بشأن ليبيا، يبدو أن الرغبة الدولية  للقيام بتدخل آخر يعتمد على مفهوم  "مسؤولية الحماية" قد تضاءلت. كما تعقدت عملية إيجاد حل للأزمة بسبب المواجهة بين الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، أي بين روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا    من جهة أأخرى. وعلى الرغم من  كون وضعية مفهوم  "مسؤولية الحماية"   أقرب لأن تكون واجباً أخلاقياً، إلا أن الهوة الحالية بين القوى الكبرى تؤكد على الدور البارز الذي لا تزال تلعبه السياسة الواقعية، والذي يؤثر على سياسات الحماية. كما يبرز أياضاً التحدي المتمثل في التوفيق بين المبادئ الإنسانية والمخاوف الجيوسياسية.

تشير لجنة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في سوريا إلى تقديرات بأن هناك 6,000 سوري يقتلون شهريًا، و إلى المزاعم بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية  ضد المدنيين. وقد وقف المجتمع الدولي موقف المتفرج في مواجهة هذه الإحصاءات المخيفة. وتذكرنا هذه السلبية بالشلل الدولي الواضح في الفترات التي سبقت مذابح الإبادة الجماعية في رواندا ويوغسلافيا سابقًا (اللتان أثرتا كلتاهما على نشأة مفهوم "مسؤولية الحماية"). وفيما  ترتفع حصيلة الضحايا المدنيين، لم يعد واضحاً للمجتمع الدولي  سبيل إحلال السلام، إن  كان هذا الأمر ممكناً أصلاً. كما يبدو أن التفاؤل باستصدار قرار من الأمم المتحدة بالتدخل في سوريا يتضاءل بشكل مستمر.

وحتى الآن، فإن نهج الدعامات الثلاث لمفهوم  "مسؤولية الحماية" لم يوفر أي حماية على الإطلاق للسكان في سوريا. وبالرغم من أن الدولة السورية قد فشلت بشكل واضح في حماية مواطنيها من الفظاعات، بل وأسهمت في عمليات القتل الجماعي في سوريا، إلا أن المجتمع الدولي لم يظهر أي التزام فعال لوقف العنف. ولم يتخذ حتى الأن أي إجراء حاسم لوقف الجرائم التي ترتكب ضد المدنيين. وبالتالي، من الصعب للغاية في هذا السياق  الإقرار  بجدوى مفهوم  "مسؤولية الحماية".

إذاً توضح الحالة السورية مدى تعقيد وصعوبة ترجمة هذا المبدأ عملياً في الحروب الأهلية، حيث تقع فيها مسؤولية إرتكاب الفظائع  ضد السكان المدنيين على عاتق كل من النظام وقوات المتمردين. في هذا الإطار ما يثير الدهشة  هو أن حملة تأييد التدخل في سوريا قد تركزت في أغلبها على معاقبة مرتكبي العنف بدلاً من التركيز على إنقاذ ضحايا الحرب.وهذا ولا يزال العالم منقسمًا إلى معسكرين: بين فصيل يقول بأن "على الأسد أن يرحل" و فصيل  آخر يدعو إلى "الاحترام المطلق للسيادة السورية". ومع ذلك، فلم يقدم أيًا من هذين الفصيلين حتى الآن أي حلول تسهم في جلب الاستقرار أو الراحة لسوريا. وكما أشار غاريث إيفانز، فإنه بدون التركيز على ضحايا الفظائع المحتملين، فإن شرعية التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية لسوريا ستكون محل شك دائم. وتدعم الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والاتحاد الأوروبي قوات المتمردين، بينما تقدم روسيا الدعم السياسي والعسكري لنظام الأسد. وقد أصبحت هذه الخلافات الأيديولوجية الراسخة بين أعضاء مجلس الأمن بمثابة عقبات هائلة في سبيل التوصل لحل سلمي، كما أنها أسهمت في تعقيد جهود تحريك أجندة مفهوم  "مسؤولية الحماية" في  الملف السوري.لا شك في أن  تبني مفهوم  "مسؤولية الحماية" في ليبيا قد أدى لشلل واضح في الأمم المتحدة. ففي حين كان هذا التدخل ضروريًا لحماية المدنيين من الوحشية الجماعية، إلا أنه غذى المناقشات بشأن ما إذا كانت هناك تجاوزات في تطبيق وتنفيذ المبدأ. وفي الواقع، إن غياب المعايير الواضحة للاستخدام الشرعي للقوة،  يبرر المخاوف بشأن ما إذا كان "تغيير النظام" يشكل هدفًا مشروعًا  تحت مظلة مفهوم "مسؤولية الحماية". مع ذلك، من الخطأ أخلاقيًا أن ندع المخاوف التي خلفها تطبيق هذا المفهوم في ليبيا بعرقلة اتخاذ إجراء حاسم يهدف إلى إنقاذ الأرواح في سوريا. وكما جاء في الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي، فإن مبدأ  "مسؤولية الحماية" يجب أن ينفذ على أساس كل حالة على حدة. وتختلف الأزمة السورية عن ليبيا في كثير من النواحي الحاسمة. فبينما سهلت الأوضاع في ليبيا تفعيل التدخل الذي كان بتفويض من الأمم المتحدة وكان يقوده حلف الناتو، فإن موقع سوريا الجيواستراتيجي يشكل تحديات خطيرة على الاستقرار في المنطقة. وفي حين أدى استخدام القذافي لخطابات الترويع ضد المتظاهرين العزل في خضم الأزمة إلي جذب غضب واسع النطاق وساهم في عزلته الدولية، فإن نظام بشار الأسد تلقى دعمًا من روسيا، وإيران، ودولاً عربية أخرى. علاوة على ذلك، وضع الشرق الأوسط المضطرب (مع دخول حزب الله وتنظيم القاعدة للساحة) حيث يمكن للأزمة أن تمتد إلى لبنان، والعراق، والأردن وإسرائيل،  وانقسام جامعة الدول العربية أيضًا، أضافا المزيد من التعقيد على الأزمة في سوريا.

من المفيد أن نشير في هذا الإطار إلى الدور الحاسم الذي تلعبه المنظمات الإقليمية في تسهيل تنفيذ إطار مفهوم  "مسؤولية الحماية". فالدور الذي لعبه الاتحاد الإفريقي في كينيا  إثر اندلاع  أعمال العنف ا  جراء الانتخابات عام 2007، والدور القيادي للجامعة العربية في انتزاع قرار من مجلس الأمن بشأن ليبيا، كانا حاسمين. لذا سيكون من الضروري توحيد الجامعة العربية خلف أي اقتراح لحل الأزمة في سوريا.

كما ينبغي بذل محاولة حقيقية لمواصلة الحوار والجهود الدبلوماسية  بالتزامن مع تقديم اقتراح لتوجيه ضربة عسكرية قابل للتطبيق. ويمكن للأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن تكثيف الجهود لإجبار قوات الحكومة السورية وقوات المعارضة على الالتزام بعملية سياسية حقيقية؛ وإذا فشل ذلك، فمن المرجح  حينها  النظر للتدابير القسرية على أنها  خيار مشروع.

إذا كان لمفهوم  "مسؤولية الحماية" هو  أن يكون مفيدًا وأن يرتقي لمبادئه بدلاً من  البقاء مجرد لفظ معنوي ، فلا بد  من التوصل إلى توافق على رد مناسب  بشأن الحرب الأهلية في سوريا. وقد صاغ كل من جون وسترن وجوشوا غولدشتاين الأمر بشكل صريح للغاية: "لإنقاذ المبدأ، علينا أن ننسى تغيير النظام". فمفهوم  "مسؤولية الحماية" هو عبارة عن حزمة كاملة. ولكي يكون شرعيًا وفعالاُ، يجب  تبني ركائزه الثلاث – ليس بالضرورة بتسلسل محدد مسبقًا، ولكن مع إيلاء الاعتبار الواجب لكل منها وألا يجري استخدام الركيزة الثالثة (التدخل المسلح) إلا كملاذ أخير فقط. كما وأن  قيام الصين وروسيا  مراراً باستخدام حق النقض الفيتو ضد صدور أي قرار، وإن كان ضعيفاً،  عن مجلس الأمن، رغم الأدلة الصارخة على الفظاعات الجماعية المرتكبة ضد المدنيين، يشير إلى أن احتمال صدور قرار بتدخل عسكري هو مستبعد للغاية.

ومع دخول الأمم المتحدة في حالة من الجمود طال أمدها، فإن احتمال تدخل عسكري خارج الإطار القانوني لمواثيق الأمم المتحدة لا يمكن استبعاده بشكل كلي. وهذا يعود بنا إلى حقبة التسعينيات حيث كانت "التدخلات الإنسانية" تهدد  بتقويض الآلية الدولية الموجودة لصالح صون السلم والأمن. وهذا سوف يزيد من تآكل التقدم المحرز على صعيد ترجمة مفهوم  "مسؤولية الحماية" من النظرية إلى التطبيق.

وإذا كانت هناك مساحة محدودة للمفاوضات السياسية بين الأطراف المتنازعة، فلا بد من  بحث هذا الاحتمال لمصلحة  الناس ووضع حد لمأساتهم. إن الرئيس بشار الأسد سيكون عليه  التنحي عاجلاً أم آجلاً، ولكن العملية السياسية  وحدها ستسهل وضع نهاية سلمية للعنف المتصاعد في سوريا وتنقذ مبدأ  "مسؤولية الحماية" من حالة الالتباس.

EPlogo-ogr-3.png

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

Comments

We encourage anyone to comment, please consult the oD commenting guidelines if you have any questions.
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram