openGlobalRights-openpage

مبدأ "مسؤولية الحماية" وسوريا: الإمبريالية بوجهٍ إنساني

إن معارضة التدخل العسكري في سوريا ليست من باب الدعم لنظام الأسد الوحشي.  بل وبإمكان دول مجموعة البريكس الإعتماد على  تبريرات قانونية وسياسية قوية للوقوف ضد مثل هذا التدخل؛ إذ أن اللغة الإنسانية لمبدأ المسئولية عن الحماية يتم التلاعب بها بسهولة. إن تغليب الحكمة الدولية هو السبيل الأفضل، من خلال دعم حلول تفاوضية ونبذ القوة العسكرية لفرض الديمقراطية. EnglishEspañol

B.S.Chimni
26 September 2013

في كل حقبة زمنية، تتبلور في عالم السياسة والقانون الدولي مفاهيم جديدة تتصدى للمشاكل العصر وقضاياه المركزية. أحد المفاهيم المهمة التي  طورت في السنوات الأخيرة مفهوم "مسؤولية الحماية" ، الذي يهدف  إلى معالجة فشل الدول ذات السيادة في حماية حقوق الإنسان لشعوبها، كما هي الحال الآن في سوريا. فهذا المفهوم يفرض واجباً  قانونيًا على المجتمع الدولي للتصرف في مواجهة جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والتطهير العرقي، والجرائم ضد الإنسانية. وفي تقرير حول موضوع  "مسؤولية الحماية"، لاحظ الأمين العام للأمم المتحدة بأن "المفهوم قد تم قبوله على نطاق واسع".

نظراً للمعاناة الهائلة التي يعانيها الشعب السوري في هذه الحرب الأهلية الجارية، فإن الوضع هناك يبدو وكأنه حالة نموذجية لتطبيق مبدأ "مسؤولية الحماية". فقد وصلت تقديرات القتلى السوريين إلى 100,000 شخص، كما أن هناك ما يقارب المليوني لاجئ فروا من الصراع، وملايين النازحين داخليًا ممن يتلقون القليل من المساعدات الإنسانية أو لا شيء على الإطلاق. أضف إلى ذلك، الآلاف ممن يقبعون في السجون السورية. أخيرًا، هناك الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية من قبل نظام الأسد. وعلى الرغم من الوضع المأساوي لحقوق الإنسان، لا يوجد توافق داخل المجتمع الدولي على استخدام القوة العسكرية في سوريا، الأمر الذي ت  تدرسه الولايات المتحدة وبعض حلفائها. فروسيا تعارض بشدة أي  عمل عسكري،  شأنها شأن  بقية دول مجموعة البريكس (البرازيل، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا). ليس هذا فقط، بل حتى البرلمان البريطاني رفض تأييد العمل العسكري في سوريا.

فما هي الأسباب التي تفسر معارضة هذه الدول للعمل العسكري في مواجهة هذه المأساة الإنسانية الجارية؟ من المهم فهم الأسباب القانونية والسياسية التي تبررمعارضة مثل هذا العمل العسكري. فعلى الصعيد القانوني، هناك صعوبة في التوفيق بين العمل العسكري المقترح ومبادئ القانون الدولي بشأن عدم استخدام القوة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والخارجية للدول. كما أن محكمة العدل الدولية المنعقدة في قضية نيكاراجوا عام 1986 أكدت بأنه "لا يوجد مبدأ يعطى الحق في التدخل لدعم المعارضة في دولة أخرى في القانون الدولي المعاصر."  أما سابقة كوسوفو، التي كثيرًا ما يستشهد بها، ليست مفيدة في هذا النقاش إذ أنه  لا يمكن لتدخل غير قانوني تبرير تدخل آخر. إضافة إلى ذلك،  فإن اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993 لا تقدم أساسًا قانونيًا للقيام بعمل عسكري لأن سوريا ليست طرفًا فيها. وللتأكيد، فإن سوريا طرف في بروتوكول جنيف لعام 1925 وهناك العديد من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن (UNSC) والجمعية العامة للأمم المتحدة (UNGA) التي تدعو الدول للامتثال للاتفاقية. ولكن البروتوكول والقرارات لا يمكن أن تشكل أساسًا لتدخل عسكري، حيث أن مثل هذا العمل (حتى وإن كانت محدودة ) لا يمكن أن يتم إلا تحت الظروف المحددة في ميثاق الأمم المتحدة. وفي هذه الحالة، تتم الدعوة لاتخاذ قرار في مجلس الأمن بموجب الفصل السابع. بيد أنه من المستبعد تبني مثل هذا القرار ، أولاً لأن فريق التفتيش عن الأسلحة الكيميائية التابع للأمم المتحدة والذي قام بزيارة سوريا لم يقدم تقريره بعد. وثانيًا، لأن الصين وروسيا سيقومان باستخدام حق النقض ضد هذا القرار لأنهم يعارضون العمل العسكري، خاصة في غياب أدلة حاسمة على استخدام الأسلحة الكيميائية من جانب نظام الأسد.

 وبالانتقال للأسباب السياسية، فإن الدول السابق ذكرها لديها العديد من الأسباب لمعارضة العمل العسكري.

أولاً، هناك اختلافات فيما يتعلق بشأن فهم مبدأ "مسؤولية الحماية" والتدعيات المترتبة عليه. فعلى سبيل المثال، قامت البرازيل عام 2011 بتعميم مذكرة في الأمم المتحدة تشدد على فكرة " المسؤولية أثناء الحماية" وتشدد على ضرورة  تجنب التدخل العسكري واللجوء إليه كملاذ أخير فقط.  وجاء في المذكرة البرازيلية أنه "حتى  وإن كان مبررًا على أساس من العدالة، والقانونية والشرعية، فإن العمل العسكري يؤدي إلى لتكاليف بشرية ومادية باهظة". ولذا فهناك حاجة أولاً "لاستنفاد كافة الحلول الدبلوماسية في أي نزاع". أيضًا فقد أشارت المذكرة إلي أن "هناك تصورًا متناميًا بأن مفهوم "مسؤولية الحماية" يمكن أن يساء استخدامه في أغراض أخرى، غير حماية المدنيين، مثل تغيير النظام". وتشارك البرازيل في هذه المخاوف مجموعة كبيرة من دول العالم النامي، لا سيما في ما يتعلق  بالشأن السوري.

ثانيًا، أصبحت الدول أكثر حكمة بعد التدخل في ليبيا. فالدول التي لم تعارض الدعوة لتنفيذ مبدأ "مسؤولية الحماية"  في ليبيا،  لم تعد مستعدة لتقديم الدعم له لأنه تمت إساءة تفسير قرار مجلس الأمن رقم 1973 وتم استخدامه من قبل قوات الناتو لإحداث تغيير في النظام.

ثالثًا، هناك قلق قائم بأن العمل العسكري  سيرفع من وتيرة العنف في سوريا والمنطقة،  الأمر الذي  سيؤدي إلي تعميق الأزمة الإنسانية من خلال نزوح المزيد من الملايين داخل وخارج سوريا  ومقتل المزيد من الآلاف حياتهم. كما يعتقد البعض أنه حتى وفي حال رحيل الأسد فإن ذلك  لن يجلب إلا القليل من الراحة للشعب السوري. وقد سبق أن  إختبر ذلك الشعب الليبي،إذ  أنه يتعرض الآن، في فترة ما بعد القذافي، للعنف المتواصل من قبل الميليشيات المسلحة التي تتمتع بنفوذ في أجزاء كبيرة من البلاد.

رابعًا، هناك شعور بأن العمل العسكري سيقوض   مؤتمر جنيف 2، والذي يوفر  أفضل الفرص  لوضع حد للصراع في سوريا. كما أنه  يؤدي   إلى فترة طويلة من عدم اليقين السياسي التي سيكون  خلالها الشعب السوري غير قادر على السيطرة على مصيره السياسي.

خامسًا، يجب الإشارة إلى أن الدعم "للقوى الديمقراطية في سوريا" يأتي من العديد من الأنظمة العربية والتي هي غير ديمقراطية بأي حال. وهذا يقوي الشك في أن ما يدفع الدعم للقيام بعمل عسكري هو المصالح الجيوسياسية.

سادسًا، هناك خوف حقيقي بأن الأسلحة الموردة للمتمردين قد تنتهي في بين أيدي الجماعات المتطرفة التي تشكل جزءاً من قوات المتمردين.

وسابعًا، هناك اعتقاد بأنه لا توجد أطراف بريئة في هذا الصراع. فكلا القوات الحكومية والثوار يسهمان في تصاعد العنف وفي انتهاك القوانين الإنسانية الدولية.

حتى داخل المجتمع المدني العالمي، هناك مقاومة للفكرة القائلة بأن الخيار المطروح أمام المجتمع الدولي هو إما بين دعم العمل العسكري أو دعم النظام الوحشي. وهذه المقاومة تنبع من قراءة معينة للتاريخ.  فثمة إعتقاد يقول إن هذا الخيار المضلل -يرتبط بالمصالح الجيوسياسية الإمبريالية ذات الجذور العميقة في الاستعمار، وإن جذور العنف في دول ما بعد الاستعمار تعود إلى بناء الاستعمار فيها  اإقتصاداً، وبيروقراطية، وشرطة، وجيشاً لخدمة الدولة بدلاً من خدمة الشعب، وإن هيكلية الأنظمة التي خلفها الاستعمار لم يتم تفكيكها بشكل كامل في حقبة ما بعد الاستعمار. ومع ذلك، ففي الدول التي تحولت إلى دول ديمقراطية بعد الاستعمار، تمكنت الحركات الاجتماعية وحركات حقوق الإنسان  من  منع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان (أو على الأقل استخدام النظام القانوني لتقديم الجناة للعدالة عند وقوعها). ولكن في الحالات التي تحولت الدول بعد فترة الاستعمار إلى دول استبدادية، كما في حالة سوريا، فإن هذا لم يكن متاحًا. كما وأن هذه الدول الاستبدادية تلقت الدعم في كثير من الأحيان من القوى المهيمنة الساعية وراء طموحاتها الجيوسياسية. ولكن عندما يصبح أحد هذه الأنظمة عبئًا عليهم، فإن نفس الدول تتلاعب بسياسات دولة ما بعد الاستعمار بالاعتماد على المظالم الحقيقية للشعب لمعارضة النظام القائم. وتكون النتائج غالبًا  زيادة في العنف الذي تمارسه الدولة ضد شعبها. وإزاء هذه الخلفية يمكن النظر في ما قام به الاتحاد الأوروبي من رفع الحظر لتوريد الأسلحة للمتمردين، ومن قبله السماح باستخدام عائدات النفط لتمويل التمرد، بالإضافة لإحتمال  أن يأمر الرئيس أوباما بالقيام بعمل عسكري في سوريا. كما يعتبر البعض أن القوى الإمبريالية تستخدم المحنة الشديدة للشعب السوري لمواصلة مساعيها في تغيير النظام.

إن ما نحتاجه اليوم هو ليس التدخل العسكري ولكن الحكمة الدولية. تلك الحكمة الدولية التي تمتنع عن تقويض إجماع  المجتمع الدولي المبدأي على ظروف جواز  التدخل  العسكري. الحكمة الدولية التي تقر أيضاً بأن الديمقراطية والممارسات الديمقراطية لا يمكن تصديرها للمجتمعات وأن العمل العسكري يمكن أن يقوض من مستقبل الديمقراطية من خلال تعميق الانقسام الطائفي والاجتماعي. الحكمة الدولية التي تحيط علمًا بالنتائج السابقة للعمل العسكري، خاصة استمرار العنف في المجتمعات التي كانت عرضة لمثل هذا العمل (العراق، وأفغانستان، وليبيا على سبيل المثال). الحكمة الدولية التي لا تقبل بالرأي القائل بأن عدم دعم العمل العسكري هو دعم لنظام الأسد الوحشي.

إن الحكمة الدولية ترى وجوب سلوك طريق ثالث، من خلال بذل الجهود الدبلوماسية والسياسية اللازمة لحل الصراع. وهذا يتطلب بأن تقوم الدول وقوى المجتمع المدني المعارضة للعمل العسكري بالتأكد من أن التحضيرات لجنيف 2 تسير  على قدم وساق. وفي الواقع، هناك التزام أخلاقي على عاتق كافة المعارضين للعمل العسكري بألا يظلوا مجرد متفرجين سلبيين على المأساة الجارية في سوريا. وفي هذا الصدد، على البلدان النامية الرئيسية، وبصفة خاصة البرازيل، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا، أن تتحرك على الفور لحشد الدعم للعملية الدبلوماسية. فلا يمكن ترك قرار عقد مؤتمر جنيف 2 لعدد قليل من الدول، ولا سيما الولايات المتحدة. وقد أظهرت مصر كيف أن نفس القوى المهيمنة التي تتحدث عن الحاجة لإقامة نظام ديمقراطي في سوريا يمكنها أن تسكت تمامًا على تدمير تلك الديمقراطية في مصر. لكن أما في هذه الأثناء، وفيما تُبذل الجهود لعقد مؤتمر جنيف 2، يجب تقديم المزيد من المساعدات الإنسانية للشعب السوري للتخفيف من معاناته.

EPlogo-ogr-3.png

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

Comments

We encourage anyone to comment, please consult the oD commenting guidelines if you have any questions.
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram