openGlobalRights-openpage

بين المثالية والسياسة الواقعية لقوة ناشئة: السياسة الخارجية لجنوب أفريقيا

جنوب أفريقيا مرشحة أكثر من معظم دول العالم لأن تكون مدافعًا ومروجًا قويًا لحقوق الإنسان، وذلك بسبب ماضيها. حيث لديها القدرة على تزعم طريق الضغط من أجل نظام دولي أكثر ديمقراطية.

Dire Tladi Nahla Valji
4 July 2013
handshake

Flickr/Government ZA. Some rights reserved.

في مقال كتبه عن الشؤون الخارجية في عام 1993، بلور نيلسون مانديلا، زعيم حزب المؤتمر الوطني الأفريقي والذي أصبح فيما بعد رئيسًا لجنوب أفريقيا، موقف الحزب من السياسة الخارجية لجنوب أفريقيا في مرحلة ما بعد الفصل العنصري. فقد ذكر في توصيف تطلعاته المستقبلية ما يلي: "إن قضايا حقوق الإنسان هي محور العلاقات الدولية ويجب فهم أنها تتجاوز القضايا السياسية، وتشمل القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية؛ وأن الحلول العادلة والدائمة للمشاكل البشرية لا يمكن أن تأتي إلا من خلال تعزيز الديمقراطية في جميع أنحاء العالم؛ وأن اعتبارات العدالة واحترام القانون الدولي هي التي من المفترض أن توجه العلاقات بين الأمم؛ وأن السلام ينبغي أن يكون هو الهدف الذى تسعى من أجله جميع الأمم؛ وفي الأماكن التي تنهار فيها تلك الشروط، يجب أن يتم حل المشاكل فيها من خلال توافق دولي وبآليات غير عنيفة...  وأيضًا فإن شواغل ومصالح القارة الأفريقية ينبغي أن تنعكس في خياراتنا للسياسة الخارجية..."

ومنذ 1994، لعبت جنوب أفريقيا دورًا متزايدًا في القارة الأفريقية وعلى الصعيد العالمي أيضًا. فقد تم انتخابها مرتين كعضو غير دائم في مجلس الأمن، وهي عضو في مجموعة IBSA وأصبحت مؤخرًا عضوًا في مجموعة دول البريكس، كما أن دورها في الاتحاد الأفريقي كوسيط ومساهم في قوات حفظ السلام في القارة الأفريقية قد شهد نموًا متزايداً.

ربما يمكن أن يكون أفضل وصف للسياسة الخارجية لجنوب أفريقيا هو كالمشي على خيط رفيع بين ما يتوقع منها في أن تكون رائدة في قضايا حقوق الإنسان (والرغبة في لعب هذا الدور على الساحة الدولية) وبين السياسة الواقعية الحتمية من التفاوض على أرضية من الرمال المتحركة للجغرافيا السياسية والتي يتم فيها تشكيل تكتلات القوى بأساليب جديدة. أضف لهذا، أن طموحات جنوب أفريقيا الخاصة – كزعيمة في أفريقيا، وكزعيمة لأفريقيا على الصعيد العالمي – تجعل قادتها يختارون جمهورهم ومواقفهم بشأن كل قضية بعناية تامة.

ومع نمو قوتها ودورها، أصبحت أولويات وأهداف السياسة الخارجية لبريتوريا تحت رقابة متزايدة – بل وتتعرض أحيانًا لانتقادات لاذعة – بما في ذلك انتقادات من رمز النضال ضد الفصل العنصري الأسقف توتو الذي شكك في سجل البلاد أثناء خدمته في مجلس الأمن، مشيرًا على وجه الخصوص للجهود التي بذلت للإبقاء على زيمبابوي خارج جدول أعمال المجلس. وربما كانت هذه الانتقادات حادة للغاية كنتيجة للمجموعة الفريدة من التوقعات التي كانت منتظرة من جنوب أفريقيا في مرحلة ما بعد 1994، وهي مجموعة من التوقعات تتعلق بماضيها في حقوق الإنسان وبوصول حزب تحرري للسلطة، أفرز ثلاثة من الحاصلين على جائزة نوبل. وأيضًا نظرًا للقيادة الأخلاقية من رموز حقوق الإنسان مثل نيلسون مانديلا والأسقف توتو نفسه. ولذا فقد كان من المفترض أن تكون السياسة الخارجية لجنوب أفريقيا الديمقراطية انعكاسًا للقيادة على قضايا حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية على وجه الخصوص. وأيضًا كان هناك مجموعة من التوقعات لم يكن على القوى الناشئة الأخرى – البرازيل، وتركيا والهند على سبيل المثال – أن تتنافس فيها.

وفي حين أن جنوب أفريقيا قد تجلس بشكل غير مريح في تكتلات القوى الناشئة مثل مجموعة دول البريكس، إلا أن لديها رغبة مشتركة مع تلك الدول لإعادة تشكيل ديناميكيات القوى العالمية الحالية، بما في ذلك الضغط من أجل إصلاح مجلس الأمن ليصبح كيانًا أكثر تمثيلاً وديمقراطية. هذه الرغبة في إعادة تشكيل ديناميكيات القوى العالمية وتحدي الوضع الراهن تشتمل التشكيك بشدة في تقييم استخدام لغة حقوق الإنسان بشكل انتقائي في تسليط الضوء على بعض الحالات وإغفال حالات أخرى. والسبب في ذلك هو، وعلى سبيل المثال، أن الرأي العالمي لا يتفاعل مع انتهاكات حقوق الإنسان في الصحراء الغربية أو في خليج جوانتانامو بنفس الطريقة التي يتفاعل بها عندما تكون مصالحه الراسخة على المحك. وفي المناقشة السنوية لمجلس الأمن حول الصحراء الغربية العام الماضي، اتهم سفير جنوب أفريقيا مجلس الأمن بأن لديه معاييرًا مزدوجة؛ مشيرًا إلى التناقض بين الاستجابة للربيع العربي وفي نفس الوقت رفض السماح لآلية دائمة لمراقبة حقوق الإنسان في منطقة الصحراء الغربية واتهم الهيئة باستخدام "نهج انتقائي فيما يتعلق بحقوق الإنسان". وهذا النقد يتماشى مع نقد أعم صدر من بريتوريا أشار إلى ممارسات أولئك الذين لديهم القوة على الساحة العالمية في استخدام حقوق الإنسان كأداة لتحقيق مصالحهم الوطنية من خلال نجاحهم في صياغة حديث "حقوقي" في بعض الحالات بينما يقومون بتجاهل حقوق الإنسان في حالات أخرى.

هذه النقطة مفيدة للتذكير بأنه لا يوجد شيء يسمى "السياسة الخارجية لحقوق الإنسان"، وأن تقييم السياسة الخارجية على أساس النظر إلى قضية واحدة بشكل محض هو بالتأكيد معيب من الناحية التحليلية. ولذا فمن المناسب بشكل أكبر توفير تحليل سياقي لهدف الدولة العام من معالجة قضايا حقوق الإنسان، وقبول الاتساق حيثما وجد، ولكن مع التركيز على الاتجاهات التي قد تكشف عن الأولويات. فهذا قد يساعد في فهم الشكل الذي قد يبدو عليه النظام العالمي الجديد في حال إذا ما استمر نمو تأثير القوى الناشئة على المسرح العالمي.

إن تقييم السياسة الخارجية لجنوب أفريقيا، وخاصة فيما يتعلق بقضايا الحرب والسلام، يتطلب تثمينًا بأن جنوب أفريقيا تنظر لعلاقاتها الدولية من خلال عدسة تاريخها الخاص في تحقيق حل مستنير على الصعيد المحلي، وعن طريق التفاوض حيث تم السعي لتحقيق السلام والعدالة كحتميات يعزز بعضها البعض. وينبغي ألا يكون من المستغرب أنه في تلك الحالات التي تم فيها الحكم بقسوة على جنوب أفريقيا، قامت فيها باتباع سياسة الحل التفاوضي. ففي ليبيا، وبالرغم من أن جنوب أفريقيا قامت بالتصويت لصالح قراري مجلس الأمن رقم 1970 و1973، بخصوص إنشاء منطقة حظر جوي والإحالة للمحكمة الجنائية الدولية، إلا أنها واصلت السعي لحل تفاوضي من خلال سياق قمة الاتحاد الأفريقي رفيعة المستوى التي قادتها. وبالمثل، ففي سوريا، وبينما تم انتقاد موقفها في مجلس الأمن عام 2012 على نطاق واسع، إلا أن نهجها سواء كان صائبًا أم خاطئً عكس جهدًا مستمرًا لإيجاد حلول تفاوضية للصراعات التي تبدو مستعصية الحل.

أيضًا فإن نهج جنوب أفريقيا فيما يخص المحكمة الجنائية الدولية، يبين كيف أنها تحاول تحقيق التوازن بين المقتضيات التي تفرضها المجموعات المختلفة، وبين التزاماتها الخاصة في مجال حقوق الإنسان وأيضًا سعيها للحصول على أهداف أوسع مثل الحوكمة العالمية.

وفي تصريحات لها أمام مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة والجمعية العامة للدول الأطراف في قانون روما، أكدت جنوب أفريقيا مرارًا على أهمية مكافحة الإفلات من العقاب وعلى المساهمة الكبيرة التي قدمتها المحكمة الجنائية الدولية في تعزيز المساءلة، كما شجعت الدول الأخرى على التوقيع على قانون روما وسلطت الضوء على تلك القضايا، مثل التمويل وعدم التعاون، والتي تعيق من عمل المحكمة. وفي الوقت نفسه فقد أثارت جنوب أفريقيا المخاوف بشأن السياسة الأوسع للمحكمة الجنائية الدولية وعدم الاتساق باعتبارهما يمثلان تهديدًا لشرعية وفعالية المحكمة نفسها وأيضًا النوايا التي تقوم عليها.

وقد ساندت جنوب أفريقيا المحكمة باستمرار ولكنها أيضًا دعت لتطبيق عملية المسارين في حالات مثل دارفور والتي من شأنها السماح بالسير في كل من المسار القضائي والمساءلة وكذلك المسار السياسي للتعامل مع القضايا الأوسع والوصول في نهاية المطاف لسلام دائم وطويل الأجل. وفي هذا السياق فقد دعت جنوب أفريقيا بتأجيل المادة 16 المتعلقة بالحال في دارفور. أيضًا فإن جنوب أفريقيا تسعى لاحترام الجهود الإقليمية الرامية لحل هذا الصراع.

إن تعامل جنوب أفريقيا في علاقاتها مع الرئيس السوداني عمر البشير، يبين كيفية صعوبة تحقيق هذا التوازن الذي تسعى إليه جنوب أفريقيا في بعض الأحيان. فبينما تمت دعوة الرئيس البشير لحفل تنصيب الرئيس زوما في عام 2009، إلا أنه وكما ورد قد تم نصحه أيضًا من خلال القنوات الدبلوماسية الخلفية بعدم الحضور بل ونُصح في وقت لاحق بأن هناك مذكرة اعتقال قد صدرت بحقه في واقع الأمر وسيتم تقديمها في حال وصوله لأراضي جنوب أفريقيا.

هذا الحل يسمح لجنوب أفريقيا بالوقوف إلى جانب التزاماتها، وتسجيل استقلال سلطتها القضائية وكذلك الحفاظ على علاقات دبلوماسية مع رئيس الدولة في موقف قد يكون لديها فيه نفوذ كبير للتوسط والمساعدة في حل النزاع.

وبالمثل، فبينما لم تقم جنوب أفريقيا بدعم اعتراضات الاتحاد الأفريقي بخصوص أن المحكمة "تستهدف الأفارقة"، إلا أنها قامت بالضغط على مجلس الأمن لقبول طلب الاتحاد الأفريقي بتأجيل مذكرة الاعتقال بحق الرئيس البشير.

ربما كان من السابق لأوانه تقييم سجل حقوق الإنسان لهذا البلد الذي لا زال يتفاوض على توسيع دوره على المسرح العالمي. ولكن ما نعرفه هو أن العناصر الأساسية للسياسة الخارجية التي وضعت من قبل الرئيس السابق مانديلا في عام 1993 لا زالت باقية في مكانها – النهوض بالأجندة الأفريقية، وتعزيز عملية صنع السلام، وتشجيع الحلول التفاوضية والمحافظة على حقوق الإنسان باعتبارها عنصرًا حاسمًا في أهداف السياسة الخارجية لجنوب أفريقيا. وفي حين أن هناك تناقضات وتعارضات في السياسة الخارجية لجنوب أفريقيا، إلا أنه من الممكن رؤية الرغبة الشاملة في تحدي القوى الموجودة للسعي لتحقيق نظام دولي أكثر ديمقراطية. ويمكن القول بأن هذا قد يُعد بمثابة أجندة لحقوق الإنسان. 

EPlogo-ogr.png

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

Comments

We encourage anyone to comment, please consult the oD commenting guidelines if you have any questions.
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram