Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

لن أبكي ضياع حقيبتي بعد اليوم

أنت هنا على عين المكان، قد تكون مهندساً زراعياً أو عازفاً أو أستاذاً للغة العربية، كل هذا ليس مهماً، المهم أن تنقل حقيقة كل ما يحدث إلى العالم

Swen Pförtner/DPA/PA Images. All rights reserved.

قادمة من تونس إلى إسطنبول، وفي مطار أتاتورك لم أجد حقيبتي، لم أعرف حينها كيف أتمالك أعصابي ولا أكبح توتري الذي ملأ أرجاء المطار.. فقدت تركيزي.. واسودت الدنيا أمام عينيّ.

كيف ذلك؟ حقيبتي التي حرصت على انتقاء كل ما فيها من ملابس بعناية فائقة، حملت فيها أجمل ما لديّ للمشاركة في دورة تدريبية في الصحافة مع قناتين تلفزيونيتين لمدة عشرة أيام.

تصوير وحضور أمام الكاميرا، واجتماعات مهمة تحتاج كل ما أملك من ملابس. وفجأة أصبحت أمام كل ذلك وفي مدينة غير مدينتي وفي بلد لا يحمل لغتي لا أجد شيء أرتديه، ولو جورباً واحداً. ولحسن الحظ أو لسوئه، يتصادف وصولي إلى إسطنبول ليلة ميلادي. لم تفارق عيناي تلك الساعة الحائطية الموضوعة قبالة سجاد الحقائب المتحرّك، أتابع دوران عقاربها ثانية بثانية، إلى أن انتصف الليل.

 إنّه السادس عشر من يوليو/تموز 2018، دخلت عامي الرابع والعشرين تائهة في المطار، بلا حقيبة، لا أحمل شيئاً غير جواز سفري، سُلّمت كل الحقائب إلى أصحابها، غادر المسافرون جميعاً وعادت الطائرة إلى تونس وسقطت جميع أمنيات ميلادي، وصارت كلها أمنية واحدة: أن أجد حقيبتي.

خرجت من المطار بعد منتصف الليل بنصف ساعة، بخطى متثاقلة أبحث عمّن يحمل إسمي بين المستقبلين، زاد توتري من نقص تركيزي. ارتديت نظارتي أمعن النظر في وجوه كل الواقفين من حولي، إلى أن لمحت شاباً أنهكه تأخيري، بالكاد يحمل اللافتة التي كتب عليها اسمي بحروف لاتينية.

 يا للمسكين، ظل ينتظرني لأكثر من ثلاث ساعات، قد أكون حرمته من وجبة عشاء مع زوجته، أو من حضن دافئ ينتظره، أو من كأس نبيذ مع الرفاق، المهم أنّي حرمته من شيء ما، فقط في سبيل شخص لا يعرفه ولا يعني له شيئاً.

وصلت إلى الفندق، أرسلت إيميلاً إلى الفريق الذي سأتدرب معه: "وصلت أنا ولم تصل الحقيبة" ثمّ نمت.

حيّاني وقادني إلى حيث يركن السيارة وسألني إن كنت أحمل حقائب معي. اغرورقت عيناي بالدموع وأعلمته أن حقيبتي لم تُشحن وأنها بقيت في مطار تونس قرطاج. ظلّ طوال الطريق يهدئ من توتري ويخبرني أن ذلك ليس إلا أمراً بسيطاً، وأن في هذه الدنيا مشاكل ومصائب وابتلاءات أكثر بكثير من ضياع حقيبتي.

بقيت صامتة أمام كل ما يقول كمن يسمع ولا يستمع. أردت حينها فقط أن أجيبه بكل ما يحمل هذا العالم من أنانية، أنّ كل المصائب التي تتحدث عنها لا تهمّني الآن، وأنّ حقيبتي هي أولوية، ولو انفجر العالم ولم يبق منه شيئاً، سأظل أطالب بحقيبتي ولو في خرابه الأخير.

وصلت إلى الفندق، أرسلت إيميلاً إلى الفريق الذي سأتدرب معه: "وصلت أنا ولم تصل الحقيبة" ثمّ نمت.

ومن هنا تبدأ القصة

لم تكن ليلتي جيدة، كان النوم فيها متقطعاً، صحوت باكراً، بدأت يوماً جديداً بملابس الأمس. قابلت زملائي الصحفيين المتدربين معي، واساني جميعهم في فقدان حقيبتي وقبلت أنا عزاءها.

كنا ستة عشر متدرباً، جلّهم سوريون، إلا أنا ومغربياً واحداً وأردنياً، الكل قادم من مناطق الحرب فارٌ من أزيز الرصاص، لم تكن الهجرة خيارهم كما الصحافة أيضاً.

تحدث كل منهم عن شهور طويلة قضاها في المعتقلات، هذا سجين النظام، وذلك سجين جبهة النصرة، وآخر يتحدث عن أساليب التعذيب في سجون تنظيم الدولة.

حدثّوني عن "بيت الكلاب" الذي يضع فيه السجّانون معتقليهم لمدة عشرة أيام أو أكثر، وعما يعرف بالتابوت حيث يغلقون على المعتقل ويشدّون على كل أعضاء جسده بشيء حديدي كأحد أسوأ أساليب التعذيب وأعسرها، وعن غرف لا تتّسع لأربعة أنفار في حين يمكث بها العشرات فوق بعضهم البعض.

لا أكل ولا ماء ولا نوم. لا شيء في زنزانات الموت إلا الموت.

 يتحدّثون عن الحرب حيناً وعن الصحافة حيناً آخر.

 "أنت هنا على عين المكان، قد تكون مهندساً زراعياً أو عازفاً أو أستاذاً للغة العربية، كل هذا ليس مهماً، المهم أن تنقل حقيقة كل ما يحدث إلى العالم".

رأيت في أعينهم قوة وتشبثاً بالحياة وهم يتحدّثون عن صدف أدخلتهم هذا العالم، قد تكون صدفاً سيئة إلا أنها جعلت منهم في نهاية المطاف صحفيين.

قاطعنا عن كل هذا فنجان القهوة السورية الذي دخل به أبو عمر إلى القاعة. اشرأبت الأعناق نحوه، الكل مدّ يده إلى فنجان وُضع قبالته، ساد الصمت، هدأ الجميع وعدنا مجدداً إلى الدرس.

لقد هزم فنجان القهوة السورية أحاديث السجون.

لقد هزم فنجان القهوة السورية أحاديث السجون.

 ليلة استقبال الحقيبة

أنهيتُ يومي الأوّل من التدريب، عدت إلى الفندق، أخذت حمّاماً ساخناً وارتديت ملابساً اشتريتها من متجر قريب، الليلة تأتي حقيبتي على متن الخطوط الجويّة التونسية، عند الساعة التاسعة والنصف ليلاً.

رنّ الهاتف، وإذا به السائق يخبرني أنّه أمام الفندق.

كان معنا في الطريق إلى المطار زميلاً سورياً، قابلته صباحاً في القناة لكننا لم نتحدّث، عرفّني عن نفسه، فقلت "أميرة مراسلة من تونس، واليوم عيد ميلادي وقد أضعت حقيبتي".

ضحك كثيراً قائلاً: "سيكون يوم ميلادك مختلفاً هذه السنة".

أبى حينها أن يتركني بمفردي في المطار، كان يتحدّث اللغة التركية بطلاقة، تركته يسأل عن موعد وصول الطائرة، أعلمونا أنها ستتأخر ساعتين. فرصة لتناول عشاء سوريّ إذن. تحدثّنا أثناء العشاء عن وضعه الجيّد جداً في إسطنبول، عن استقراره المادي، عن سيّارته الفارهة، عن الأتراك الذين يحبون المساعدة، وعن أوراقه التي في طورها نحو التجنيس.

كل ذلك، لم يمنعه من أن ينهى كلامه: "بسّ بلدي أحلى".

حدثني عن ياسمين الشام الذّي لا يموت ولو تركته سنتين بلا ماء، وعن أغصانه التي تطول وتمتد على الجدران عالياً، وأنّه لا شيء يجعله يفكر حقاً في العودة إلى سوريا سوى أمّه التي حالت الحرب بينها وبينه سبع سنوات طوال وذلك الياسمين.

انتهى يوم ميلادي، واستلمت الحقيبة، ومرت الأيام العشر مع سوريين من كل رقعة جغرافية، من مختلف المناطق والطوائف، هنا وعلى أراضٍ تركية التقوا وتقاسموا الآلام والأحلام، الغربة التي جمعتهم ذاتها التّي فرّقت بينهم وبين أحبة تركوهم أو دفنوهم وهاجروا، يقولون إنّهم عائدون يوماً، ولو لم يبق في سوريا غير حفنة تراب وذلك الياسمين.

عذراً أيها السوريون .. تهون كل الأحزان أمام أحزانكم.

ولن أبكي ضياع حقيبتي بعد اليوم.

 

About the author

صحفية تونسية


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.