Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

الثقافة الشفوية الشعبية والطائفية، تحليل مادي

كيف يتم إنتاج واستبقاء الطائفية وبواسطة من؟ ولأية أسباب؟ English

نشرت "حكاية ما انحكت" بالشراكة مع صفحة نوى منذ منتصف أيار 2018 سلسلة شهادات لنساء ورجال سوريين من خلفيات إثنية ودينية مختلفة، يتحدثون فيها عن قضية الطائفية في المجتمع السوري وصلاتها بالثقافة الشعبية الشفهية. في مقاله الافتتاحي لهذا "الملف" الجديد، طرح رئيس تحرير "حكاية ما انحكت" العربية، محمد ديبو، عدّة أسئلة، مذكّراً بحق أن ظاهرة الطائفية ليست بجديدة: "من أين أتت تلك الطائفية كلها؟ أين كان يختبأ هذا الوعي الطائفي؟ أم أنها شيء متجذر في العقل "العربي" إلخ…

جذور الطائفية

إذا كان الجواب هو أنّ الطائفية نتاج عنصر أساسي ووشائجي من عناصر العقل العربي/ المسلم، كما يروّج بعض الأكاديميين والسياسيين[1] فلا يمكن في هذه الحالة إيجاد حل خارج نطاق ما يسمى الحل السياسي الطائفي "التوافقي" على طريقة لبنان والعراق، حيث يتم تبادل السلطة بشكل رسمي بين مختلف الطوائف الدينية والإثنية، بينما يخدم في الواقع النخب السياسية والاقتصادية النخبوية لهذه الأخيرة…

وفي حال لم يكن ذلك صحيحاً، كما ستبين هذه السطور، وكما ذكرت عدد من الشهادات في "الملف"، فكيف يتم إنتاج واستبقاء الطائفية وبواسطة من؟ ولأية أسباب؟

طرحت العديد من الشهادات استغلال الطائفية من قبل النظام لتقسيم الشعب السوري، فمثلاً يتحدث الكاتب، عمر قدور، عن حرب صامتة أصبحت مشروعاً معلناً يتوسّل القوالب النمطية لكل هوية،[2] فيما شرحت الصحفية والناشطة النسوية، ميليا عيدموني، شعورها الدائم بأن المسيحيين ضيوف في بلادهم، وأنّ عليهم احترام النظام الذي "يوفر الحماية" لطائفتها.[3]

من جانبه، يشير، أحمد الخليل، أنّ النظام لم يكن الطرف الوحيد الذي يمنع أي مناقشة حقيقية وعلنية للمعتقدات الطائفية، على الرغم من أنّ الاستغلال الطائفي كان الأداة الرئيسية التي استخدمتها دمشق للبقاء في السلطة حتى يومنا هذا، فالمجتمع السوري والتقاليد الاجتماعية بين مختلف المجتمعات في سوريا حالت دون تلك المناقشة. يستشهد الخليل على سبيل المثال بقضية الزواج المختلط، والتي تعتبر نادرة جداً وغير مرغوبة من قبل الغالبية العظمى من السوريين.[4]

تشهد الكثير من الشهادات في الواقع أنّ النكات، التنميطات، التعبيرات المهينة أو الشعور بعدم الأمان تجاه مجموعات أخرى لم تكن أموراً نادرة داخل الطوائف، بل على العكس تماماً. محمد ديبو مثلاً يتذكر في نصه المحادثات التي كانت تدور ضمن عائلته وكيف كان الخوف من احتمال أن يكرر التاريخ نفسه حاضرا على الدوام…[5]

من هذا المنظور، من الواضح أنّ جماعات المعارضة ليست بريئة من الخطابات والممارسات الطائفية، والتي تفاقمت في السنوات القليلة الماضية، بل إنّها صوّرت النزاع في سوريا على أنه طائفي، وبالتالي أجبرت المرء على أن يختار معسكره بين "السنة" و"العلويين"، بحسب توصيف ميليا عيدموني.[6] وبالمثل، أذكر أنّ قطاعات الناشطين الديمقراطيين والتقدميين السوريين كانوا منذ وقت مبكر يسخرون من التوصيفات المتداولة وراء الأبواب المغلقة للمعارضة الرسمية من "تحالف" و"ائتلاف"، والتي كانت تشير إلى شخص ما على أنه "مسيحي (أو درزي) بس معارض"، "كردي بس وطني"، "علوي بس شريف"، إلخ…

لقد أصبحت هوية المرء تُترجم أكثر فأكثر إلى موقع سياسي. وللأسف لم يقتصر ذلك على الجماعات الأصولية والإسلامية المحافظة داخل صفوف المعارضة، فقد أصبح ذلك التفكير المعتمد لدى قطاعات ليبرالية متزايدة أيضاً. في محاولات أكثر وضوحاً لشرح الديناميات الطائفية الخاصة بالدولة السورية، كانت بعض شخصيات المعارضة الليبرالية تمتنع عن توصيف النظام كعلوي، واصفةً إياه كدولة استبدادية ومخصّخصة لصالح آل الأسد، وإن كانت تتبع سياسات محابية للأقليات الدينية، ما يجعل السنة عموماً "ناقمين" على هذا الوضع، متعرضين للتمييز وللإقصاء خارج شبكات المحسوبية السائدة، ما يقود إلى الحديث عن "المظلومية السنية".[7]

على الرغم من أنّه لا جدال في السيطرة الحقيقية التي كانت تتمتع بها شخصيات علوية على رأس النظام وأجهزته القهرية (الجيش والمخابرات)، سأوضح أنّ اختزال طبيعة الدولة أو مؤسسات هيمنتها إلى "الهوية العلوية"، أو اعتبارها تحابي الأقليات وتميّز ضد مجتمع بأكمله (العرب السنة) توصيف إشكالي، وهو يقصر عن الإحاطة بشبكات التحالفات المعقدة التي تمارسها نخبة النظام. مرة أخرى، هذا لا يعني أن الطائفية لم تكن أداة رئيسية في يد النظام من أجل السيطرة على الشعب السوري وتقسيمه. وقد حدثت مذابح وتهجيرات قسرية طائفية على يد قوات النظام والقوات المتحالفة معه ضد السكان الفقراء السنة الذين انخرطوا في الانتفاضة أو على الأقل اشتُبه في تعاطفهم معها، مع مواصلة القضاء على معظم أشكال المقاومة الديمقراطية وغير الطائفية في البلاد.

لكن هذا يختلف كثيراً عن القول بأنّ النظام يقف ضد كل أهل السنة. النظام لا يعارض السنّة أو الهوية السنّية بحد ذاتها، كما يزعم البعض، بل ضد الفئات المعادية له، والتي تتركز غالبيتها في خلفيات شعبية سنية في المناطق الريفية الفقيرة والمتوسطة الحال، بالإضافة إلى ضواحي دمشق وحلب. إنّ ذاك التبسيط يتجاهل الدعم السني للنظام، خاصة في مدينتي دمشق وحلب، وكذلك الوجود السني داخل مؤسسات النظام والميليشيات الموالية. فتماماً كالجماعات الدينية والإثنية الأخرى، "يتشكل" السوريون العرب السنة من خلال عناصر مختلفة (طبقياً، جنسياً، جهوياً، دينياً، إلخ) وليس لديهم موقف سياسي موحد. لقد مرّ ذلك بالفعل في الشهادات، تحديداً من كتبوا من دمشق أو حول دمشق تحدثوا عن الاختلافات الاجتماعية والانقسام الحضري والريفي.

لذا ينبغي فهم الطبقة كعلاقة اجتماعية، كما أنّ عوامل مثل الجنس والعمر والأصل القومي والإثني، وحالة المواطنة، كلّها جزء مما يشكل الطبقة كعلاقة اجتماعية ملموسة. لذلك تبعات تتعلق بكيفية تعامل النظام مع الأفراد السنة بشكل مختلف، تماماً كمعاملته الأفراد الآخرين من الطوائف الأخرى.

ما أطرحه، بناء على المحاججة التي قدّمها الماركسي اللبناني الراحل، مهدي عامل، أثناء الحرب الأهلية اللبنانية في ثمانينات القرن الماضي، يقف ضد أي محاولة لإدراج الموقف الطبقي في الانتماء لطائفة معينة، ومن ثم بناء تحالفات على أساس طائفي. وفقاً لمهدي عامل، تؤدي مثل هذه التحالفات إلى المزيد من ترسيخ الطائفية المتأصلة في النظام، وبالتالي تعزيز موقع الذين هم في السلطة. بدلاً من ذلك، يقدم عامل موقفاً يضيء على الطبيعة الطبقية المتناقضة لمختلف المجتمعات، والتي تلعب الطائفية فيها دوراً في حجب علاقات القوة والهيمنة داخل المجتمع نفسه.[8]

سأحاول الآن شرح ديناميات الطائفية وكيف يمكننا تحدّيها.

اقتصاد الطائفية السياسي: تنمية مركبة غير متكافئة ومؤتلفة

من أجل فهم استمرارية الطائفية والعناصر الأخرى التي ذكرها محمد ديبو، مثل "التمييز الإثني والقبلي والجهوي والتوترات الريفية والحضرية" في سوريا وعلى نطاق أوسع في المنطقة، علينا أن ننظر إلى الظروف المادية (النظم والبنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية محلياً وإقليمياً ودولياً)، والتي نعيش فيها نحن وغيرنا من أبناء المنطقة.

من المهم أولاً، أن نذكر أن سوريا بلد تابع في الساحة السياسية الدولية، وهو يتصف بتنمية متكافئة ومؤتلفة. بهذا المنظور، لا بد من تحليل قضيتين هامتين: أولا، طبيعة الدولة وجهازها. وثانيا القاعدة الشعبية للدولة كما يقول الباحث الأكاديمي جلبير أشقر، الذي يعتبر أنّ تحليل هذه العناصر أكثر تعقيداً بما لا يقاس في المجتمعات الغارقة في تنمية غير متكافئة ومؤتلفة مما في حالة الدولة الديمقراطية البرجوازية التي تحكم مجتمعاً مدنياً حديثاً. السبب هو أنّ البنى والفئات الاجتماعية القديمة تختلط مع أشكال حديثة من التقسيم الاجتماعي، بحيث تندمج أشكال الهيمنة القديمة مع المؤسسات السياسية ذات الجذور الحديثة.[9] فأبرز البنى القديمة المتبقية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والمؤثرة على طبيعة الهيمنة السياسية والدولة هي القبلية والجهوية والطائفية، وخاصة الأخيرة في حالة سوريا. هذه العوامل موروثة من الفترة السابقة للحقبة البرجوازية، والتي روّجت أيديولوجياً لنموذج وطني أعلى. في تلك الفترة كانت البنى الوراثية والسلالية هي التحديد السائد (القبلية)، وكان الدين يشكل الأيديولوجيا السياسية بامتياز (الطائفية).[10] تختلف مرونة وحضور هذه العناصر بين مجتمعات المنطقة، بحسب قدمها وعمق التحديث الذي طالها فيما بعد.[11]

إلا أنّه لا يمكن العثور على تفسير لمرونة هذه العوامل في أيّ شكل من أشكال الخصوصيات العربية أو الإسلامية، فهي ترتبط بديناميات التنمية غير المتكافئة ومؤتلفة في النظام الرأسمالي العالمي. إنّ وكلاء التحديث، سواء كانوا أجانب أو من السكان الأصليين، قاموا بأنفسهم بتوظيف تلك العوامل القديمة لتعزيز سلطاتهم الخاصة. فقد عملت مختلف الأنظمة الحاكمة في المنطقة، والتي تفتقر إلى الشرعية الشعبية، على تغذية الزبائنية القبلية والطائفية و/أو الجهوية كضمانات لها ضد أي انتفاضة شعبية، الأمر الذي شكل دعامة أساسية للسلطة.

تعتبر سورية كنظام ألمراثي، بحسب التعريف الفيبري التقليدي، وهو بعبارة أخرى سلطة قمعية وراثية مطلقة، يمكنها أن تعمل من خلال بيئة جماعية (آباء وأصدقاء)، وهذه البيئة هي التي تمتلك الدولة: قوتها المسلحة، التي يهيمن عليها الحرس الخاص (القوة التي يعود ولاؤها إلى الحاكم وليس إلى الدولة)، وكذلك الوسائل الاقتصادية والإدارة. تمثل هذه الأنظمة نوعاً من رأسمالية المحاسيب التي تتطور تحت هيمنة الدولة البورجوازية. بعبارة أخرى، غالباً ما يستغل الأعضاء والأشخاص المقربون من العائلات الحاكمة مركزهم المهيمن الذي تضمنه السلطة السياسية لجمع ثروات طائلة. كما تقوّي ريعية الاقتصاد الطبيعة الميراثية للدولة كذلك.[12] فمراكز السلطة (السياسية والعسكرية والاقتصادية) داخل النظام السوري تتركز في عائلة واحدة والزمرة الموالية لها، أي آل الأسد، وذلك على غرار ليبيا أو ممالك الخليج، الأمر الذي دفع النظام إلى استخدام كل العنف الذي بحوزته لحماية حكم هذه العائلة والزمرة.

من هنا تتميز معظم الدول الميراثية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل عام بـ"نخبة حاكمة" فاسدة ثلاثية الأطراف،[13] بحسب ما يشرح أشقر:

"إنه ’مثلث سلطة‘ يتشكل من القمم المتداخلة للجهاز العسكري والمؤسسات السياسية وطبقة رأسمالية مجدَّدة سياسياً (برجوازية دولة)، والقمم الثلاث عازمة على الدفاع بشراسة عن استحواذها على سلطة الدولة، المصدر الرئيسي لامتيازاتها وأرباحها"[14].

من هذا المنظور، وخلافاً لبعض الدول التي تتميز بشكل خاص بمؤسسات وأشكال حكم ديمقراطية برجوازية، لا يمكن الحديث عن أي استقلال نسبي للدولة عن النخبة الحاكمة.

على مستوى أكثر إقليمية، كان تصاعد التوترات الطائفية بعد عام 1979 يعود بشكل أساسي إلى التنافس السياسي المتزايد بين السعودية وإيران، واللتين استعملتا تلك التوترات لتحقيق أهداف سياسية. عزّز هذا التنافس بالتالي الحركات الأصولية الإسلامية السنية والشيعية في جميع أنحاء المنطقة. كما استفادت مختلف الأنظمة الاستبدادية والطغيانية في المنطقة من الطائفية لتعزيز سلطتها وتقسيم شعوبها. وقد جرى استخدام الطائفة أيضاً لحرف الطبقات الشعبية بعيداً عن المشاكل الاجتماعية الاقتصادية والسياسية عبر خصّ جماعة معيّنة (بناء على طائفتها أو إثنيتها) بتهمة التسبب بالمشاكل والخطر الأمني في البلاد، مما يؤدي إلى سياسات قمعية وتمييزية ضد هذه الجماعة.

العنصر الأساسي الذي ينبغي فهمه هو أنّ الطائفية هي نتاج للحداثة وليست بقايا من التاريخ الماضي الذي يُعيق تحديث هذه الدول، ولا هي شيء جوهراني قائم في شعوب المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر الطائفية آلية قوية للسيطرة على مسار النضال الطبقي من خلال خلق روابط تبعية لدى الطبقات الشعبية وقياداتها البرجوازية والبرجوازية الصغيرة. بهذه الطريقة يتم حرمان الطبقات الشعبية من الوجود السياسي المستقل، ويتم تعريفها بدل ذلك (وتعريف مجال وجودها السياسي) من خلال وضعها الطائفي، الذي يصب في مصلحة القيادات البرجوازية كما رأينا في سوريا وأماكن أخرى في المنطقة.

بناء النظام الميراثي في سوريا: من حافظ الأسد إلى بشار الأسد

حدث تأسيس الدولة الميراثية الحديثة بقيادة حافظ الأسد بعد وصول الأخير إلى السلطة عام 1970. فقد بنى الأسد بصبر دولة استطاع فيها تأمين السلطة بوسائل مختلفة مثل الطائفية والجهوية والقبلية والزبائنية، وقد كانت تتم إدارة هذه الوسائل عبر شبكات سلطة ومحسوبية غير رسمية. ترافق ذلك مع القمع العنيف ضد أي شكل من أشكال المعارضة. لقد سمحت تلك الأدوات للنظام بدمج أو رفع أو سحق الجماعات المنتمية إلى مختلف الإثنيات والطوائف الدينية، ما تُرجم على المستوى المحلي من خلال التعاون بين مختلف الجهات الفاعلة الخاضعة لسطوة النظام، بما في ذلك مسؤولي الدولة أو حزب البعث، وضباط المخابرات، وأعضاء بارزين في المجتمع الأهلي (رجال دين، شخصيات قبائل، رجال أعمال، وما إلى ذلك) في إدارة كل منطقة على حدة. كما فتح وصول حافظ الأسد المجال لبداية اللبرلة الاقتصادية، في تناقض مع السياسات الراديكالية التي سبق اعتمادها في الستينات.

وفي عام 2000، أدى وصول بشار الأسد إلى السلطة إلى تعزيز هائل في الطبيعة الميراثية للدولة، مع إعطاء وزن متزايد بشكل خاص للمحاسيب الرأسماليين. هذا فيما أدت السياسات النيوليبرالية المتسارعة التي تبنّاها النظام إلى تحوّل تدريجي في القاعدة الاجتماعية للنظام، والتي كانت تعود في أصولها إلى الفلاحين والموظفين الحكوميين وبعض قطاعات البرجوازية، إلى ائتلاف جديد يقع في قلبه الرأسماليون المحاسيب، تحالف الاقتصاد الريعي مع سماسرة السلطة (بقيادة آل مخلوف وهي عائلة أم الأسد) والنظام الداعم للطبقة البرجوازية والمتوسطة العليا. تزامن هذا التحوّل مع إضعاف مؤسسات الدولة الأكثر اجتماعية كنقابات العمال والفلاحين والشبكات الراعية لهم، مع استمالة الفئات التجارية والطبقات المتوسطة العليا عوضاً عنهم. لكن ذلك سبّب اختلالاً مع قاعدة الدعم السابقة. بشكل أعم، كان لتنامي الطبيعة الميراثية للدولة وإضعاف جهاز حزب البعث والمؤسسات التقليدية (هيمنة جماعات المصلحة) أن جعل العلاقات الزبائنية والقبلية والطائفية أكثر أهمية من ذي قبل، الأمر الذي ألقى بظلاله على المجتمع ككل.

بعد الانتفاضة في عام 2011، اعتمد قمع النظام وسياساته إلى حد كبير على قاعدة دعمه الرئيسية، القديمة والجديدة: الرأسماليون المحاسيب، والأجهزة الأمنية، والمؤسسات الدينية العليا المرتبطة بالدولة. وفي الوقت نفسه، استفاد من شبكات المحسوبية القائمة على شبكات الرعاية من روابط طائفية وزبائنية وقبلية بهدف التعبئة على المستوى الشعبي. وخلال الحرب، كان للمكوّن الزبائني والعلوي الطائفي للنظام أن حماه من أي انشقاقات كبرى، فيما لعبت علاقات المحسوبية أدواراً أساسية في ربط مصالح الجماعات الاجتماعية المتباينة بمصالح النظام.

لقد أظهرت القاعدة الشعبية للنظام طبيعة الدولة والطريقة التي تتواصل بها النخبة الحاكمة مع بقية المجتمع، أو على وجه التحديد (في هذه الحالة) مع قاعدتها الشعبية، من خلال مزيج من الأشكال الحديثة والعتيقة من العلاقات الاجتماعية، وليس من خلال مجتمع مدني كبير ومتماسك. كان على النظام الاعتماد بشكل أساسي على السلطات القهرية التابعة له، بما في ذلك الإجراءات القمعية وبثّ الرعب في النفوس، ولكن ليس فقط ذلك. فقد أمكن للنظام أن يعتمد على السلبية أو على الأقل خمول المعارضة لدى شرائح كثيرة من موظفي الحكومة المدينيين، وبصفة عامة الطبقات المتوسطة في المدينتين الكبريين دمشق وحلب، رغم أنّ ضواحي المدينتين مثلت بؤراً ثورية هامة في كثير من الأحيان. لقد كان هذا جزءاً من الهيمنة السلبية التي تمكن من فرضها النظام.

علاوة على ذلك، أثبتت هذه الحالة أنّ القاعدة الشعبية للنظام لم تقتصر على القطاعات والمجموعات المنتمية إلى العلويين و/أو الأقليات الدينية، رغم أهمية الأخيرة في صفوف مؤيديه. بل شملت تلك القاعدة أيضاً شخصيات ومجموعات من مختلف الطوائف والإثنيات ممن تعهدوا بدعمهم للنظام. وبشكل أعم، كانت هناك شرائح كبيرة ضمن القاعدة الشعبية للنظام جرت تعبئتها من خلال الروابط الطائفية والقبلية والزبائنية، وأخذت تعمل بشكل متزايد كوكلاء لقمع النظام. وكما جادل ستيفن هايدمان، كانت "علاقات النظام مع المجتمع تتحدد إلى درجة مقلقة بالمشاركة الجماعية في القمع".[15]

لكن هذه المرونة جاءت بتكلفة عالية، فبالإضافة إلى زيادة التبعية لدول وجهات أجنبية. فخصائص وميول النظام الحالية تضخمت، وسلطة الرأسماليين المحاسيب تنامت إلى حد بعيد، فيما أخذت قطاعات واسعة من البورجوازية السورية تغادر البلاد وتسحب دعمها السياسي والمالي للنظام. أجبر ذلك النظام على اعتماد المزيد والمزيد من الضراوة لتحصيل الإيرادات المطلوبة بشكل متزايد. وفي الوقت نفسه جرى تعزيز الخصائص الزبائنية والطائفية والقبلية للنظام. لقد تعززت هوية النظام الطائفية العلوية، خاصة في المؤسسات السيادية مثل الجيش وإلى درجة أقل في إدارات الدولة، وهي قضية سيتوجب على قيادة الأسد التعامل معها بعد انتهاء الحرب واستلام البلد الممزق. كما جرى أيضاً تعميق ومأسسة الممارسات الإقصائية القمعية.

من هذا المنظور، استخدم النظام السوري منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 سياسات تتوسّل الطائفية والهويات البدائية كسلاح لتقسيم السوريين وفق انتماءاتهم الدينية والإثنية، مع تطوير سياسة مزدوجة لقمع المنظمات الشعبية المدنية والعلمانية والأحزاب السياسية المستقلة، والسماح فقط بالمنظمات البديلة التي يطرحها النظام، مع تعزيز الهويات الطائفية والابتدائية (بما في ذلك القبلية) وبطرق مختلفة طوال تاريخ سوريا المعاصر.

وفي الوقت نفسه جرى توسّل الطائفية من قبل فئات من المعارضة السورية، ولا سيما الجماعات الإسلامية الأصولية، ولكن ليس فقط هذه، فقد قامت بذلك الدول الأجنبية، ولا سيما السعودية وقطر وتركيا، بهدف الحصول على أتباع أو حشد الجماهير على الأرض ضد نظام الأسد.

مؤسسات النظام: الحفاظ على الهويات البدائية والممارسات والخطابات الرجعية

من جهتها لعبت مؤسسات النظام دوراً مهماً في تغذية الطائفية والكراهية الإثنية في المجتمع والحفاظ على الهويات أو العناصر البدائية. إنّ طبيعة المؤسسات السياسية تمثل في واقع الأمر انعكاساً محدداً تاريخياً للبنية الطبقية الذي نشأت بالعلاقة مع تراكم رأس المال. بعبارة أخرى، لا تنفصل الدولة عن عالم السياسة، التي لا تنفصل عن عالم الاقتصاد. وبالمثل، هي علاقة اجتماعية أو "مجموعة من الأشكال المؤسسية التي تتواصل من خلالها الطبقة الحاكمة مع بقية المجتمع".[16] هذا ما يجعل النظر إلى النظام كنظام علوي فقط، دون الانتباه إلى "علونة" بعض المؤسسات ولا سيما الجهاز القمعي المسلح، قاصراً عن استيعاب ديناميات السلطة ومنظومة الحكم. علاوة على ذلك، لا يقوم النظام على خدمة المصالح السياسية والاجتماعية-الاقتصادية للسكان العلويين ككل، بل بالعكس. إن عدد القتلى الهائل في صفوف الجيش والميليشيات الأخرى يضم علويين كثيرين. كما أدى انعدام الأمن وتفاقم الصعوبات الاقتصادية إلى توترات وأذكى عداوات ضد مسؤولي النظام في صفوف السكان العلويين.

من المثير للاهتمام أن نرى في نفس الوقت أن نظام الأسد الأب ومن بعده الابن، حاول بشكل متواصل تقليل وإخفاء جميع العلامات الظاهرة للتدين العلوي، مشجّعاً الاندماج في التيار السني السائد. لقد كان كل من بشار وحافظ الأسد يؤديان الصلاة العامة في المساجد السنية، فيما تكاثرت المساجد السنية المبنية في كافة مناطق العلويين المأهولة. ولم يسمح النظام لأي شكل من أشكال الفعاليات الأهلية بإنشاء مجلس أعلى علوي، وليس ثمة إشارات دينية عامة للمجتمع العلوي. فالعلويون يتبعون نفس القوانين الدينية التي تتبعها الطائفة السنية فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية (الزواج والطلاق والميراث، إلخ…) وكسائر الأقليات الإسلامية الأخرى يتلقون التعليم الديني السني في المدارس ووسائل الإعلام والمؤسسات العامة.[17]

وعليه، فإن الطائفية لم يوماً من الأيام غاية سياسية بحد ذاتها، بل بقيت وسيلة هامة وأداة أساسية من أدوات السيطرة.

علاوة على ذلك، تمكنت المؤسسات بمختلف الطرق من الإبقاء على الانقسام والعزلة المتبادلة ضمن المجتمع. فهناك حقوق وواجبات مختلفة تبعاً للهوية الدينية والإثنية. ينص دستور عام 2012 مثلاً على وجوب أن يكون الرئيس رجلاً ومسلماً، وأن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، وهو أمر يعد تمييزاً بحق الطوائف الدينية والنساء. كما تضم سوريا ثمانية قوانين مختلفة للأحوال الشخصية، كل منها يطبّق وفقاً للطائفة الدينية الخاصة بالفرد. فالطوائف المسيحية تتبع قوانينها الخاصة، فيما يقوم قانون الأحوال الشخصية الخاص بجميع المسلمين على تفسير سنّي معين للشريعة الإسلامية والفقه الحنفي وغيره من المصادر الإسلامية. تنطوي هذه القوانين أيضاً على تمييزات كبرى بحق النساء. هذا دون أن ننسى المرسوم الجديد رقم 16 الذي وقعه بشار الأسد في شهر أيلول من هذا العام، والذي رأى فيه كثيرون تعزيزاً للدور الاجتماعي لوزارة الأوقاف عبر مراجعة وتوسيع مسؤولياتها وبناها الداخلية في المجتمع.[18]

بالإضافة إلى ما ذكر أعلاه، تمّ استبقاء النظام الأبوي وشرعنته عبر الحفاظ على ممارسات وقوانين خاصة بما يسمى "جرائم الشرف" (المادة 548)، والتي لا تشمل أية عقوبات وفي حال شملت فحدّها الأقصى من خمس إلى سبع سنوات، ناهيك عن "الاغتصاب المقنن" (المادة 489) في حالة الزوجين.[19]

وبالمثل، تعتبر الهوية الإثنية العربية الهوية العليا في سوريا وفقاً للدستور، في حين يتم التسامح مع الآخرين كهويات خاضعة أو ببساطة شبه ممنوعة كما هو حال الهوية الكردية. لقد عانى السكان الأكراد في سوريا من سياسات تمييزية وقمعية على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية منذ استقلال سوريا عام 1946. كما تنتشر اليوم خطابات شائنة بحق الأكراد، سواء ضمن دوائر النظام أو تلك المؤيدة للمعارضة، وهي تنظر إليهم باعتبارهم انفصاليين وعملاء للغرب، ولكل ذلك جذور قديمة في تاريخ البلاد،[20] ومن جهة أخرى، وكما تشير الشهادات، ثمّة الكثير من النكات والتنميطات الاجتماعية المهينة وشعور منتشر بعدم الارتياح لدى سماع اللغة الكردية.

هذا النظام القانوني وهذا الإطار السياسي المنتظم وفق أسس دينية وإثنية وأبوية عنصران أساسيان في بقاء الانقسامات داخل المجتمع. لذلك وبالرغم من "الحداثية" المزعومة للنظام، للأخير مصلحة في استبقاء تلك القوانين كأداة من أدوات التقسيم والسيطرة.

خاتمة

لقد تواجدت الثقافة الشعبية الشفوية والحساسيات الطائفية لعقود قبل نظام الأسد، وذلك لأنّ الأنظمة السابقة حافظت على الهويات البدائية كعناصر أساسية في نظمها السياسية. ومع ذلك، في ظلّ نظام الأسد والتطورات السياسية الإقليمية، تغذت الطائفية وتطورت وتوسعت في بعض جوانب المجتمع السوري. السؤال الآن هو: كيف نتحدى ذلك.

في لبنان، أصبحت كلمات البطريرك الماروني نصر الله صفير عام 2010 فيما يتعلق بكيفية التعامل مع النظام الطائفي شعاراً معلناً لدى الطبقة الحاكمة اللبنانية، ولكن قبل ذلك لدى قطاعات واسعة من المجتمع: "إلغاء الطائفية من النصوص قبل النفوس يعني أنّ شيئاً لن يتغير".[21]

في سوريا، معظم المقاربات المطروحة لمعالجة الطائفية تدور حول تحسين التعليم، وتشجيع التبادل بين الطوائف والإثنيات المختلفة داخل المجتمع، ونظرة أكثر شمولاً لتاريخ البلاد، إلخ… وكلها عناصر واجبة وموضع ترحيب، لكنها لا تمس ولا تطعن في صميم إنتاج وإعادة إنتاج تلك الأفكار في المجتمع، أي في النظام السياسي وطريقته في الحكم.

كما كتب كارل ماركس: "إن أفكار الطبقة الحاكمة في كل عصر هي الأفكار الحاكمة، أي أن طبقة القوة المادية الحاكمة للمجتمع هي في نفس الوقت القوة الفكرية لذاك المجتمع. فالطبقة الاجتماعية التي تمتلك تحت تصرفها وسائل الإنتاج تهيمن في ذات الوقت على الإنتاج الفكري بحيث تصبح أفكار من لا يمتلك وسائل الإنتاج الفكرية عموماً خاضعة لها. إن الأفكار المهيمنة ليست أكثر من التعبير المثالي للعلاقات المادية المهيمنة، أي العلاقات المادية الحاكمة المُدرَكة كأفكار؛ وبالتالي فإنّ العلاقات التي تجعل الطبقة الواحدة هي الحاكمة، هي أفكار هيمنتها".[22]

لا يمكن أن يحصل التحدي الحقيقي للطائفية والأفكار المحافظة أو الرجعية إلا عبر قطيعة حقيقية مع النظام الحاكم وأفكاره. وكما أشار الأكاديمي اللبناني الفلسطيني أسامة مقدسي: "للتغلب على الطائفية، إذا كان ذلك ممكناً على الإطلاق، سيتطلب الأمر تصدعاً آخر، وقطيعة جذرية للجسد السياسي الذي نشأت فيه طائفية النظام القديم؛ سيتطلب رؤية أخرى للحداثة".[23]

كان ثمّة شعور بوجود هذه العناصر في بداية الانتفاضة، وذلك إثر المشاركة الضخمة من أسفل لشرائح كبيرة من المجتمع من أسفله إلى أعلاه، على الرغم من وجود تناقضات بكل تأكيد. لقد مرّ التنظيم الذاتي للمتظاهرين بتجارب سياسية واجتماعية مختلفة غيّرت تفكيره، وتحدّت مخاوفه وقواعد سلوكه الخاصة التي كان يفرضها المجتمع. وكما تبيّن الكثير من الشهادات، تجاوز الناشطون والمتظاهرون التنميطات الطائفية والإثنية التي كانت قائمة، حيث كان الخطاب السائد في بداية الحراك الاحتجاجي وحدة وحرية الشعب السوري في وجه الطائفية. وبالمثل، شهدت السنتان الأوليان مشاركة أساسية للنساء ضمن التظاهرات والأنشطة المتعلقة بالانتفاضة. ولعبت المرأة دوراً أساسياً في حركة العصيان المدني منذ مراحله الأولى. كان من أبرز عناصر انخراط ومشاركة النساء في الانتفاضة كسرهنّ القوانين الاجتماعية وتغلبهنّ على الحواجز التقليدية. وقد اتفق الناشطون في كثير من الأحيان على أنّ بداية الثورة، فتحت المجال أمام النساء لتحدي الأعراف الاجتماعية التقييدية، سواء كانت أعرافاً قانونية أو عائلية أو دينية أو اجتماعية.[24]

"هنا تكون التجربة وحدها المطهر والمعبر نحو مكان آخر" بحسب محمد ديبو.[25] إلا أنّ بقاء النظام وعسكرة الدولة وصعود القوى الإسلامية الأصولية فرضت خطوات متخلفة على هذه التجارب التحررية الطازجة.

إنّ النضال ضد الطائفية والسلوكيات والخطابات المحافظة الأخرى جزء من النضال ضد نظام الأسد بهدف إحداث قطيعة جذرية مع الماضي. ولا بد لهذه القطيعة مع سياسات النظام الطائفية أنّ تقف ضد أطراف المعارضة التي تستخدم وتنتج بدورها خطاباً وممارسات طائفية وتحافظ وتروّج لسلوكيات رجعية كالأبوية والتعصب القومي. لا يمكن هزيمة الطائفية إلا بالنضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والعلمانية والسيادة الحقيقية في وجه جميع الأطراف الأجنبية…

أخيراً، لهذه الكلمات التي قالها ضد الطائفية الرفيق اللبناني الراحل باسم شيت صدى هائل في حالة سوريا والنقاش أعلاه: "فالنضال ضد الطائفية، ليس فقط نضالا من أجل مجتمع متسامح، بل هو في صلبه صراع طبقي، صراع ضد الأفكار المهيمنة في المجتمع... وهو نضال المظلومين ضد الظالمين".[26]


[1] بالفعل تواتر أن صوّر كبار قادة العالم والمثقفين العموميين والمحللين جميع التوترات والحشود السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أنها صراع بين طوائف دينية متنازعة منذ قرون، إن لم يكن أكثر. ولم تكن الانتفاضة السورية استثناءً، فكثيراً ما جرى تقديمها في البداية على أنها حرب بين السنة والعلويين، أو من السنة ضد الأقليات الدينية والإثنية. وقد تحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما في عدة مناسبات عن "خلافات طائفية قديمة" كوسيلة لشرح النزاع في سوريا، مجادلاً بأن هذه "الانقسامات العتيقة" تدفع العالم العربي نحو العجز "الغائر في صراعات تعود إلى آلاف السنين". وقبل الانتفاضات عام 2011، أوضح الأكاديمي فالي نصر أن طبيعة السياسة في الشرق الأوسط متجذرة إلى حد ما "في خلاف قديم بين الشيعة والسنة، وهي التي تشكل المواقف وتحدد الأحكام المسبقة وترسم الجبهات السياسية، بل وتقرر ما إذا وإلى أي مدى لهذه الاتجاهات الأخرى أهمية في التحليل".

[2] http://syriauntold.com/2018/05/عندما-لا-يكون-يزيد-شريراً-أو-خيّراً-1/

[3] http://syriauntold.com/2018/09/on-memorizing-the-fatiha/

[4] http://syriauntold.com/2018/06/صورة-الآخر-في-الثقافة-الشفوية-السورية-3/

[5] http://syriauntold.com/2018/05/من-هذه-البصلة-سنية-إلى-السنة-طيبين-متل/

[6] http://syriauntold.com/2018/09/on-memorizing-the-fatiha/

[7] https://isreview.org/issue/107/revolution-counterrevolution-and-imperialism-syria

[8] مهدي عامل (1986)، في الدولة الطائفية، بيروت، دار الفارابي.

[9] يعترف جلبير أشقر بأن جميع المجتمعات طورت شكلاً من أشكال التنمية غير متكافئة ومؤتلفة، فلا مجتمع بدون تاريخ ولا مجتمع تعافى تماماً من آثار متقادمة. ومع ذلك، فالمقصود بالتنمية غير متكافئة ومؤتلفة يتخطى عادية التطور التاريخي ليصف أشكال المنطق الاجتماعي المتناقضة مع قلب النظام الاقتصادي و/أو السياسي المعاصر.

[10] ما تزال الطائفية موجود في أيرلندا الشمالية كإحدى بقايا من الزمن الاستعماري الماضي، غير أنها اختفت من بقية أنحاء أوروبا، في حين ما تزال الجهوية حاضرة بقوة.

[11] جلبير أشقر (2013)، الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية، ترجمة عمر الشافعي، دار الساقي، بيروت، ص217.

[12] كما يوضح أشقر، مفهوم "النخبة الحاكمة" الذي شرحه سي رايت ميلز الذي قام بتعيين "مثلث السلطة" المسيطر على الدولة.

[13] Heydemann, Steven (2013b), “Syria and the Future of Authoritarianism”, Journal of Democracy, Vol. 24, Num. 4, October, p. 71

[14] جلبير أشقر (2016)، انتكاسة الانتفاضة العربية: أعراض مرضية، ترجمة عمر الشافعي، دار الساقي، ص19.

[15] Heydemann, Steven (2013b), “Syria and the Future of Authoritarianism”, Journal of Democracy, Vol. 24, Num. 4, October, p. 71

[16] Hanieh, Adam. 2013., Lineages of Revolt, Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East. Chicago: Haymarket Books, p. 14

[17] http://syriaexposed.blogspot.ch/2005/03/myth-no-7-alawie-is-still-religious.html; https://www.aljumhuriya.net/ar/131; Wimmen, Heiko (2017), “The Sectarianization of the Syrian War” Wehrey F. (ed.), Beyond Sunni and Shia, the roots of sectarianism in a changing Middle East, Hurst, London, p. 73

[18] المرسوم وسع صلاحيات الوزير على مستويات مختلفة. وفي المقابل، سمح المرسوم المقترح للوزارة بتأسيس مؤسسات تجارية خاصة بها تذهب إيراداتها مباشرة إلى خزانة الوزارة، مما يمنحها استقلالاً مالياً كاملاً، دون الحاجة للمرور عبر البنك المركزي أو وزارة المالية. يمكن للوزارة الآن الاستعانة بمصادر خارجية، وإنشاء مشاريع سياحية (مثل المطاعم والفنادق والمقاهي) وتأجير أراضيها للمستثمرين. كما نص المرسوم 16 على إعفاءات ضريبية كاملة للعاملين في الحقل الديني ضمن الوزارة وعقارات الأوقاف. للتذكير، تعتبر وزارة الأوقاف أصلاً أغنى المؤسسات السورية نتيجة التدفق المستمر للأموال الخيرية والمساحات الكبيرة من العقارات التي تملكها، والمسجلة منذ العهد العثماني على أنها أوقاف دينية. ويسمح المرسوم للوزارة بالتحكم بالمؤسسات المالية والتعليمية بالإضافة إلى الإنتاج الفني والثقافي، بالإضافة إلى تأسيس مجموعة دينية تسمى "الفريق الديني الشبابي" لتدريب دعاة المساجد والإشراف عليهم، ولرصد العامة، وجعل الزكاة ضريبة إلزامية على المسلمين السنة. كما يؤسس المرسوم لنظام تعليم شرعي أساسي قبل جامعي ومجالس دينية داخل المساجد، بالاستقلال عن وزارتي التربية والتعليم العالي. كذلك أدى هذا المرسوم إلى تقوية دور الوزارة على حساب مفتي الجمهورية، وذلك ضمن صراع على السلطة والنفوذ والعوائد المادية (ولا سيما التحكم بالتبرعات المالية الخيرية) بين المؤسستين الدينيتين السنيتين. في الواقع، المرسوم يعطي وزير الأوقاف الحق بتعيين مفتي الجمهورية، والذي كان سابقاً من صلاحيات رئاسة الجمهورية، ويحدّ من فترة ولايته ثلاث سنوات قابلة للتجديد فقط بموافقة الوزير، فيما يجرّد المفتي من حق تولي مجلس الأوقاف الأعلى والذي كان يرأسه كل مفتي الجمهورية منذ 1961 وأصبح الآن من مهام وزير الأوقاف. أثار المرسوم معارضة وانتقادات كبيرة، سواء في الدوائر الموالية أو المعارضة التي نددت بتفاقم الأسلمة في المجتمع السوري. تم إخضاع المرسوم للعديد من التعديلات من قبل مجلس الشعب السوري للحد من توسعه في صلاحيات الوزارة (ولا سيما الإعفاء الضريبي للعاملين في الشؤون الدينية، أو الحد من تدخل الوزارات الأخرى) لكن ليس لإلغائه. يفترض أن يصادق بشار الأسد على النسخة النهائية من المرسوم بعد طرح التعديلات أثناء كتابة هذه السطور.

[19] https://www.zamanalwsl.net/news/article/17931/?fbclid=IwAR2Bi4CYyaCW8_l7lySx-7p15NlFu7PAGoUHSDLX9QHHqzuLOCfHsPGzF6o:

[20] كان الأكراد السوريون في الخمسينات والستينات كبش الفداء الرئيسي للقومية العربية الصاعدة في سوريا آنذاك – بما في ذلك خلال حكم الجمهورية العربية المتحدة وبعد ذلك الحكم البعثي منذ 1963، حيث جرى تقديمهم كعملاء مستأجرين يعملون في خدمة الأعداء الأقوياء، ولا سيما الإمبريالية الأمريكية والصهيونية.

[21] https://www.lorientlejour.com/article/643757/Sfeir_desavoue_Berry_sur_la_deconfessionnalisation.html

[22] https://www.marxists.org/archive/marx/works/1845/german-ideology/ch01b.htm

[23] Makdissi Oussama (2000), The culture of sectarianism, community, history and violence in nineteenth- century Ottoman Lebanon, p. 174

[24] https://dawlaty.org/booklet/TheSyrianNonviolentMovement.pdf

[25] http://syriauntold.com/2018/05/من-هذه-البصلة-سنية-إلى-السنة-طيبين-متل/

[26] http://quefaire.lautre.net/que-faire/que-faire-lcr-no10-janvier-mars/article/divisions-confessionnelles-et

About the author

جوزيف ضاهر ناشط سياسي، له منشورات بالعربية والفرنسية والانكليزية. يدوّن في SyriaFreedomForever (سوريا حرية للأبد). نال درجة الدكتوراة من كلية الدراسات الآسيوية والمشرقية (سواس) بلندن. ركزت رسالته على المادية التاريخية وحزب الله، ومن المقرر صدور كتابه "حزب الله: الاقتصاد السياسي لحزب الله" في تشرين الأول 2016. يعيش د. ضاهر في سويسرا، حيث يدرس في جامعة لوزان.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.