Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

الإسمنت الفرنسي، والأسئلة السوريّة، "المصنع" كمحرَض على التفكير

يطرح كلّ عرض مسرحي سوري جديد في المنفى، أو أيّ عمل فنّي سوري آخر يحتكّ مباشرة مع الجمهور، سؤالاً كبيراً حول تمثيل السوريين وسرديّتهم (أو سرديّاتهم المختلفة) عن الأحداث السوريّة

Chris Huby / Le Pictorium/Zuma Press/PA Images. All rights reserved.

منتصف العام 2016 نشرت صحيفة "لو موند" الفرنسيّة تحقيقاً استقصائيّاً من إعداد الصحفيّة الفرنسيّة دوروتي مريم كلو، يثبت تورّط فرع شركة لافارج الفرنسيّة في سوريا بعلاقة تنسيق مع تنظيم الدولة الإسلاميّة، وذلك في معمل جلابيا للإسمنت المملوك من الشركة منذ العام 2007، والذي يقع على بعد 150 كيلومتراً شمال شرقي مدينة حلب السوريّة، وذلك بعد ظهور صفحة على موقع فيسبوك تحمل اسم Lafarge leaks نهاية العالم 2015، قامت بتسريب رسائل إلكترونيّة بين موظفين سابقين في الشركة، وتتضمّن معلومات تثبت شبهة ارتباط الشركة بعمليّات تنسيق مع تنظيمات إسلاميّة مسلّحة في منطقة عمل المصنع.

التحقيق الاستقصائي، وسيرورة إنجازه، والأحداث التي جرت في المعمل السوري منذ تأسيسه وحتّى توقّفه عن العمل منتصف العام 2014، كانت المادّة الوثائقيّة التي بني عليها عرض "المصنع" المسرحي. من إخراج عمر أبو سعدة ونص محمّد العطّار، والذي قدّم مؤخّراً على ضمن مهرجان Ruhrtriennale في مدينة إيسين الألمانيّة، على أن يعاد تقديم العرض في مدينة برلين كجزء من برنامج مسرح Volksbühne للعام الحالي.

العامل السوري محرّضاً للمشاعر

على الرغم من إفساح العرض مساحات للتعبير لشخصيّاته المختلفة، على ما تحمله كلّ منها من تناقضات، إلّا أنّ شخصيّة العامل السوري في المعمل، حظيت بمساحة خاصّة من سرديّة العرض

يقدّم العرض أربع شخصيّات. الأوّل رجل أعمال سوري ونجل وزير الدفاع السوري الأسبق (في إحالة إلى فراس طلاس) أدّى دوره الممثّل رمزي شقير، الصحفية الفرنسيّة من أصول جزائريّة دوروتي مريم كلو من أداء لينا مراد، وموظّف سوري مهم في المصنع كان يعيش في كندا قبل أن يقرّر العودة إلى سوريا في مطلع الألفيّة الجديدة مستفيداً من المناخ الاقتصادي الأكثر لبرلة الذي ساد بداية حكم الأسد الابن، لعب دوره سعد الغفري، أمّا الشخصيّة الرابعة فهو عامل عادي في المصنع، أداء مصطفى قر، تمكّن بعد هجرته إلى أحد الدول الأوروبيّة من التواصل مع الصحفيّة وتزويدها بوثائق ساعدت في كشف النقاب عن نشاطات الشركة الفرنسيّة في الشمال السوري.

على الرغم من إفساح العرض مساحات للتعبير لشخصيّاته المختلفة، على ما تحمله كلّ منها من تناقضات، إلّا أنّ شخصيّة العامل السوري في المعمل، حظيت بمساحة خاصّة من سرديّة العرض، وبخاصّة على المستوى البصري، حيث تمتلأ أرضيّة المسرح في المشاهد الأخيرة بمجموعة كبيرة من خوذ العمّال الميدانيّة، بينما يقدّم العامل مونولجه الأخير مختتماً حكاية مصنع لافارج المعقّدة بقصّة هربه الشخصي وعائلته، من جحيم سوريا، والمصنع الفرنسي الذي عمل فيه يوماً على أراضيها.

على مستوى "الصوابيّة السياسيّة"  في الخيار السياسي-الدرامي للعرض، شكّل العمل بالصورة السابقة على شخصيّة العامل السوري في المصنع خيّاراً موفّقاً، لكون المسرحيّة تقدّم على الأراضي الألمانيّة، حيث من السهل أن يتواصل الجمهور (على الأقل عاطفيّاً) مع شخصيّة العامل السوري السهلة الممتنعة بالطّريقة الّتي قدّمها العرض، وبخاصّة في منطقة مثل منطقة الـRuhr التي قدّمت فيها العروض الأولى من المسرحيّة حيث تشكّل المعامل العملاقة جزءاً أساسيّاً من تراثها كمنطقة صناعيّة، كان معظم سكّانها عمّالاً بدورهم في مناجم الفحم والمعادن، إلى أن تغيّر وجه المنطقة ببطء منذ سبعينيات القرن الماضي، لتتحوّل المناجم السابقة في معظمها إلى متاحف ومراكز ثقافيّة، ومنها PACT Zollverein الّذي قدّمت فيه أولى عروض "المصنع".

مسرح سوريا في أوروبا

باستثناء تركيّا الّتي يتناسب عدد اللاجئين السوريين الكبير فيها، مع حضورها السياسي والعسكري المباشر في الملف السوري، لا تلعب دول أخرى تضمّ أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين، مثل ألمانيا، دوراً مباشراً وصريحاً في الملف السوري، وكذلك الأمر بالنسبة لدول أوروبيّة أخرى مثل السويد، وهولندا، وفرنسا.

هذا "الاختلال" في التناسب بين حضور اللاجئين، والتورّط المباشر في قضايا بلادهم من قبل حكومات الدول المستضيفة، يشكّل مهمّة صعبة على الفنّانين-اللاجئين، أو المقيمين في هذه البلدان، لجهة خلق ارتباط مباشر بين القضيّة السوريّة وقضايا سياسية عامّة قد تشغل المتابع المحلّي. الأمر الّذي يشكّل معضلة في حالة فن يعتمد على العرض المباشر واللقاء مع الجمهور كالمسرح، وبخاصّة على مستوى عروض تنشغل بأسئلة سياسيّة مباشرة مثل "المصنع".

تطرح حالة العرض أيضاً تساؤلاً أبعد يتعلّق بمعضلة تقديم سردية الثورة السورية للمشاهد الأوروبي، فهل مشكلة تقديم السرديّة السوريّة معقّدة فقط في حالة وسيط فنّي "متطلّب" كالمسرح؟ أم أنّها مشكلة ثقافية أكثر جوهريّة، مصدرها كون الأحداث السورية تجري في مكان بعيد هو سوريا، التي يتواجد لاجئوها في بلدان أوروبا على الرغم من البعد الجغرافي (وربّما الثقافي) الذي يفصل بين المكانين، ما يتطلّب "جسراً أوروبياً" هو في حالتنا "لافارج" والصحفيّة الفرنسية-الجزائريّة في العرض.

تلمّح شخصيّة الصحفيّة كما قدّمها العرض بأنّها تتعرض للعنصرية في فرنسا، بسبب أصولها الجزائريّة، كما أنّها كانت قد قرّرت العمل في الصحافة بشكل موقّت لأنّها بحاجة لجمع المال لإنتاج فيلمها الوثائقي حول والدها المقاتل الجزائري السابق في حرب التحرير ضدّ الاحتلال الفرنسي. فكما قضيّة لافارج بتشعّباتها سمحت بخلق مساحة تقاطع مع المتابع، جاءت أيضاً شخصيّة مريم كمواطنة أوروبيّة من أصول مهاجرة تعاني مشاكل تتعلق بالهويّة لتشكّل دعامة أخرى لخلق ذلك "الجسر الأوروبي" مع الجمهور.

يطرح كلّ عرض مسرحي سوري جديد في المنفى، أو أيّ عمل فنّي سوري آخر يحتكّ مباشرة مع الجمهور، سؤالاً كبيراً حول تمثيل السوريين وسرديّتهم (أو سرديّاتهم المختلفة) عن الأحداث السوريّة، فبسبب عدم حسم الصراع السوري حتّى اليوم، يستمرّ التمثيل الفنّي للثورة وللصراع السوري بإيجاد طرق نحو خشبات المسارح (بالمعنيين الحرفي والمجازي) لمدن وحواضر مختلفة حول العالم.

وفي حالة العلاقة بين "لافارج" و"تنظيم الدولة الإسلاميّة" مثال يضيء من أكثر من زاوية على سوء الوضع في عالم اليوم

كلّ ذلك بانتظار حلّ ما للمسألة السوريّة، قد تبدو بعدَه سرديّة السوريين حول ما جرى هناك في سوريا أقلّ أهميّة من سرديّات أخرى، ربّما تكون هذه السرديّات المستقبليّة حول أزمة الهويّة للجيل الثاني من المهاجرين السوريّين، أو ربّما حول أزمات أخرى غيرها، لكن  يبدو أنّ الأزمات ستظّل حتّى وقت غير قصير مادّة أساسيّة في تكوين مواطني سوريا، وأسئلتهم العامّة والخاصّة، بغض النظر عن مكان إقامتهم، وذلك في عالم يبدو فيه تحقيق المكاسب الماديّة متوحّشاً أكثر من أيّ وقت مضى.

وفي حالة العلاقة بين "لافارج" و"تنظيم الدولة الإسلاميّة" مثال يضيء من أكثر من زاوية على سوء الوضع في عالم اليوم، الذّي آمَن إرهابيّو التنظيم يوماً بضرورة إدارة توحّشه.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.