Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

صراع البقاء ورهانات التغيير.. الصحافة السوريّة إلى أين؟

من الصعب أن يتحوّل السوري لصحافي يعمل بطريقة احترافية في مؤسسات تخضع لسلطة الممول والأجندة السياسية، وسط فقر الالتزام بمعايير العمل الصحافي. English

AA/ABACA/Press Association Images. All rights reserved. Syrian opponents are reporting news through their own made media units via social media websites in order to reflect the violence and incidents in Syria. Aleppo, Syria, on July 23, 2012. AA/ABACA/Press Association Images. All rights reserved.لم تقدّم غالبية وسائل الإعلام السوري البديل التي بدأت عملها بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية في البلاد منتصف آذار ٢٠١١، رغم كثرتها، نموذجاً أكثر مهنية عن إعلام النظام السوري.

الإعلام الّذي على مدى عقود كان محكوماً بعقلية وايديولوجية الحزب المتمكن من الدولة والمجتمع، والذي امتنع عن تقبل الآخر أو حتى الاعتراف بوجوده، إلا في حالات تكاد تكون شبه معدومة.

هذا ما ساهم في إبعاد الصحفيين والكتّاب السوريين المعارضين للنظام السوري عن مشهد الإعلام السوري، وتوجههم إلى الصحف العربيّة اللبنانية والخليجية. ناهيك أن بعضهم كان يضطر لاستخدام أسماءٍ مستعارة في تلك الصحف، خشية الاعتقال والمضايقات الأمنيّة.

يضاف إلى هذا المشهد، وجود صحف غير حكومية، تابعة لأحزاب اليسار يكاد لا أحد يسمع بها، كما أن بعض الصحف الكُرديّة السوريّة المحليّة المحظورة أمنياً كانت توزّع في نطاقٍّ ضيّق، مجلة "الحوار" مثالاً، والتي كانت تصدر عن حزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا منذ التسعينيات من القرن الماضي، وغيرها من الصحف والمجلات الكُردية الأخرى التي كانت تصدرها الأحزاب الكُرديّة المحظورة.

ومن الإجحاف القول أن كل تجارب الإعلام البديل باءت بالفشل، فهي نجحت حيناً وتعثّرت حيناً آخر. كما لعبت دوراً مهماً رغم امكانياتها الضئيلة في بعض الأحيان في ظل التعتيم الإعلامي الّذي مارسه النظام السوري، حيث قدم صورة مغايرة لرواية السلطات السورية واستطاع إلى حدٍ ما إظهار جزء مما حصل في تلك الحقبة.

لكن من المؤسف اليوم أن أغلب المحتوى المكتوب الذي تقوم بنشره تلك الوسائل الإعلامية، يبدو أقرب للمواد التي تُنشر في وسائل إعلام النظام من حيث الشكل والنوعية، وغالباً ما تكون المصادر الصحافيّة التي يعتمدون عليها في موادهم غير معرّفة بالاسم والصفة، بالإضافة لاحتوائها على عبارات مسيئة ومهينة بحق مكونٍ سوري دون غيره في بعض الأحيان.

ما يعني أن تلك الوسائل الإعلامية سواءً المُعارضة أو تلك التي تتبع للنظام السوري، تريد إيصال رسالة محددة لجهةٍ ما، لكن هذا الأمر يتم دون الالتزام بمعايير العمل الصحافي التي من المفترض أن تجبرهم على احترام هذه المهنة.

وبالرغم من أن الإعلام البديل نشأ مستقلاً وخارج الأطر التي تحكم مهنة الصحافة، إلا أنه اليوم يخضع لسلطة الجهات المانحة العربيّة والأجنبية التي تفرض عليه بطريقة أو أخرى شروطاً للنشر وفقاً لمصالحها السياسيّة، وكنتيجة لذلك القليل من هذه الوسائل تعمل باحترافية عالية رغم إمكانياتها المهنية المعقولة.

فأي وسيلة من هذه الوسائل، إذ ما قامت بنشر خبر صحافي وكان الخبر كاذباً أو إشاعة ساهم الصحافي أو المراسل بطريقة أو بأخرى في نشره للنيل من جهة أخرى يفترض أنها عدوه، فلا تقوم تلك الوسيلة بتعديل هذا الخبر أو ببث تنوّيه للمتابعين عن صحته أو عدم صحته، باستثناء بعض الوسائل الإعلامية التي تحاول جاهدة إعطاء المعلومة للمتلقي وتعديلها له في حال تطلب الخبر ذلك.

وهذا ما كان واضحاً في خبرٍ نشرته صحيفة "عنب بلدي" عن تشكيل كتيبة للمثليين جنسياً تقاتل في صفوف قوات "سوريا الديمقراطية"، لكنها عادت وقامت بنشر البيان الّذي نفت فيه تلك القوات الأمر بشكل قاطع وفعلياً هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها الحصول على متابعين يثقون بهذه الوسيلة الإعلامية أو تلك رغم تقيّد بعضها بسياسة الممولين وليس التحرير.

ولم يقف دور الجهات الممولة لدى انحياز بعض هذه الوسائل لجهة سياسية أو عسكرية ضد أخرى، فقد ساهمت أيضاً في بعض الأحيان الاعتماد على صحافيين غير مؤهلين في الوقت الّذي بقي فيه المهنيون دون تأثير أو عمل في هذه الوسائل الإعلامية.

لكن هذا لا ينفي أن تأثير العقود الماضية التي أحكمت فيها سلطات حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في البلاد قبضته الأمنية على وسائل الإعلام، كان كبيراً أيضاً، لكن السوريين كانوا ومازالوا ينتظرون خلاص هذه الوسائل الإعلامية من تلك التأثيرات التي غالباً ما تسبب خيبة الأمل لهم.

من المفيد القول أخيراً أنه يمكن لأي مواطن صحفي أو أي سوري وضعته الصدفة في جغرافية معينة، أن يقوم ببث الأخبار من خلال تلك الوسائل الإعلامية لأسباب منها رفض النظام السوري دخول الصحافيين والوسائل الإعلامية إلى مدنٍ سورية تشهد مواجهات عسكرية. لكنه من الصعب أن يتحوّل هذا السوري لصحافي يعمل بطريقة احترافية في مؤسسات تخضع لسلطة الممول والأجندة السياسية، وسط فقر الالتزام بمعايير العمل الصحافي.

تكرار هذه الذهنيّة الموجودة أصلاً لدى إعلام النظام السوري منذ عقود في عقول بعض العاملين في هذه الوسائل الإعلامية وغياب الشفافية لديهما، هو ما يؤدي لغياب صحافة سوريّة مهنيّة، ويطرح العديد من الأسئلة منها، الصحافة السورية اليوم.. إلى أين؟!

About the author

جوان سوز صحافي كردي من سوريا، عَمِلَ في عدد من الصحف والوكالات العربية كالقدس العربي والجزيرة ، يقيم في فرنسا وعضو في نقابة الصحافة الفرنسية SNJ.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.