Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

هل سيتوقف الانتظار يوماً ما؟

إن الانتظار اليوم هو مسلسلُ سوري بامتياز والسوريون هم من يؤدون كلّ أدوارهِ دون أن يعرفوا متى سيتمكنون من التخلصِ منه.

Michele Amoruso/SIPA USA/Press Association Images. All rights reserved. A refugee camp on the Greek-Macedonian border in Idomeni. March 6, 2016. Michele Amoruso/SIPA USA/Press Association Images. All rights reserved.مهما اختلفَ موقفُ المواطن السوري سياسياً وعسكرياً مما يجري في بلاده منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبيّة هناك منتصف آذار/مارس 2011، أو مهما كان انتماؤه القومي أو الديني، فإنه ينبغي عليه "الانتظار" حتى ولو كان يرفض أن يعيش تلك الحالة بشكلٍ مطلق.

وبحسب الوقائع التي نسمعها من السوريين بين الحين والآخر، فإن معظمهم، يتقاسمون هذا الانتظار فيما بينهم كما يتقاسمون خراب بلادهم.

وعلى ما يبدو، فإن الانتظار في الحالة السورية الراهنة، هي عقوبة إضافية لهم كضريبة للحرب التي تشهدها البلاد، حيث يرافقُ معظمهم سواءً داخل بلدهم أو خارجه.

فالسوري في الداخل يسعى للهروب نحو بلدٍ آخر، ولشدّة معاناته مما يجري، لا مشكلة لدى بعضهم الوصول إلى دول الجوار السوري مهما كانت ظروفهم فيها ستكون أصعب من ظروفهم في بلدهم.

والانتظار السوري غالباً، يتمُ على خطوات ومراحل ولكلِ خطوة ومرحلة حالة انتظار مختلفة عن سابقاتها.

ففي الداخل السوري، يرغبُ السوريون بالوصول إلى دولةٍ في الجوار، ومن تلك الدولة عليهم الانتظار مرة أخرى قبل الوصول إلى أوروبا أخيراً.

وقبل الوصول إلى أوروبا، يعيش السوريون جميعاً حالة الانتظار هذه مع الكثير من القلق والحيرة. كيف سيتمكنون من الوصول إلى أوروبا من دول الجوار؟ وكيف سيقومون باختيار الدولة التي تُناسبهم أكثر؟ هل سيصلون بطريقة شرعيّة أم غير شرعية؟ كم سيكلف سفرهم من المال؟ وهل إمكانية الحصول على تأشيرة سفرٍ أوروبية ممكنة أم مستحيلة؟

أسئلة كثيرة تراودهم واتصالات هاتفية كثيرة تكلفهم عبئاً نفسياً أكبر بكثير من العبء المادي.

ولكن الأمر الأكثر تعقيداً في هذه القضية، هو اختيار السوري لوجهته المحددة، حيث أن أغلبهم يحددها نتيجة وجود أقرباء لهم في بلدٍ ما أو أصدقاء ومعارف سيتمكنون من مساعدتهم هناك، ريثما يستطيعون الحصول على وثائق اللجوء بمختلف حالاتها السياسية والإنسانيّة. والبعض الآخر لا يهمه سوى الوصول إلى بلدٍ أوروبي مهما كانت أوضاعه فيها ستكون مختلفة عن بلاده وصعبة عليه.

وفي مختلف الأوقات ومعظمها، يجدُ السوري أن أوروبا أفضل من بلده بكثير مهما كانت حياته فيها غير مستقرة لعدم اتقانه لغة البلد الّذي وصل إليه واختلاف العادات والتقاليد والقوانين عمّا كانت عليها في بلده.

ربّما يعود السبب الأبرز لهذه المفارقة هو الأمان الّذي يشعر به السوري في تلك البلاد لاسيما وأنه قد خرج للتو من تحت القصف العشوائي ولم يعد يسمع أصوات الطائرات وهي تقصف منزله من السماء بالبراميل المتفجّرة. 

في أوروبا، ليست هناك حروب تقتل أطفالهم ولا تنظيمات راديكالية تنحرهم بالسكاكين ولا أنظمة ديكتاتورية تقتلهم تحت التعذيب.

هناك، سوف لن يتعرض منزل هذا السوري الّذي إما كان يستأجره في ضواحي المدن الكبرى أو كان قد أشتراه بعد سنواتٍ من التعب في أعمالٍ يدوية شاقّة للقصف، ولن يضطر نتيجة ذلك للنزوح بين مدينةٍ وأخرى والبحث عن ملجئِ جديد.

ووفق اعتقاد هؤلاء، فإن أوروبا هي الخيمة الّتي لن تطير في الهواء لو كان هناك عاصفة في البلد الّذي وصلوا إليه.

هنا منزلُ "السوري" الدائم الّذي تساعده الدولة في دفعِ ثمن آجارهِ الشهري وتقدّم له مختلف امتيازاتها من التأمين الصحي والضمان الاجتماعي والدراسي، له ولأفراد أسرته. هذه الحقوق الّتي لم تكن بحوزة السوري في بلده الأم، وكانت بالنسبة إليه أقربُ إلى الحلم.

وأذكر هنا، على سبيل المثال، كيف أن لاجئاً سورياً يعيش في أوروبا ابتسم لي، عندما سألته عن الروتين والبيروقراطيّة عند حصوله على أوراق اللجوء، قائلاً: "كُنا في سوريا نقف في طوابير طويلة لأجل الحصول على قسائم المحروقات التي لم تكن تتجاوز قيمتها المائة دولار آنذاك. هنا نقف للحصول على كل حقوقنا كمواطنين".

المفارقات كبيرة وكثيرة بين بلاد هؤلاء اللاجئين والبلاد الّتي قرروا اللجوء إليها. لكن الأمر الّذي لا يختلف بالنسبة إليهم هو الانتظار، حتى بعد وصولهم إلى أوروبا.

هنا في أوروبا بعضهم يعدًّ الساعات وهو ينتظر استكمال إجراءات معاملةِ لمِ شملِ أسرهم والتي تستغرق وقتاً طويلاً وبعضهم الآخر ينتظر الحصول على عملٍ دائم كي يتمكن من طلب جنسيةِ بلدٍ أوروبي، ليستطيع من خلالها السفر بسهولة لزيارة أهله في دول الجوار السوري، وبعضهم الآخر، صار يتمنى أن يعود إلى بلاده وما زال ينتظر أن تنتهي الحرب. 

يقول أحد هؤلاء ضاحكاً والّذي يتمنى أن يستطيع العودة إلى بلده، "إننا متأكدون إن الحرب، سوف تتوقف يوماً، لكن لا نعتقد أن الانتظار سينتهي".

ربّما من هذه الجملة الأخيرة، يمكننا القول، إن الانتظار اليوم هو مسلسلُ سوري بامتياز والسوريون هم من يؤدون كلّ أدوارهِ دون أن يعرفوا متى سيتمكنون من التخلصِ منه!


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.