Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

من جمال باشا إلى عفرين: سرديّات متصارعة على شاشة التلفاز

هل توجد رغبة كافية لدى صنّاع الدراما لفهم حركة التاريخ المعقّدة في منطقتنا؟

Elisabeth Kimmerle/DPA/Press Association Images. All rights reserved. Actor Ahmet Mekin (L-R), producer Osman Kaya and actor Onur Tuna on the set of the Turkish series 'Filinta' in Kocaeli, Turkey, 09 March 2016. Elisabeth Kimmerle/DPA/Press Association Images. All rights reserved.

أثارت إضافة الممثل التركي بوراك أوزجيفيت لصورة له في ثياب الجيش التركي على تطبيق إنستغرام موجة من التعليقات الحادّة على مواقع التواصل الاجتماعي، اضطرّت الأخير إلى إيقاف خاصيّة التعليقات على الصورة.

فما كان محاولة من أوزجيفيت لإعلان دعمه للجيش التركي في عمليته الحاليّة في مدينة عفرين السوريّة، انقلب إلى كثير من التعليقات الساخرة حول كون صورة الممثل (المشهور جداً في العالم العربي) مأخوذة أثناء تصويره مسلسلاً تلفزيونياً، ولا تمتّ بصلة لحياته الشخصيّة التي لم يقم فيها حتّى بالخدمة العسكرية الإلزامية في تركيّا.

لكنّ صورة أوزجفيت باللباس العسكري لم تكن حالة نادرة لممثلين أتراك في الأشهر الأخيرة، وذلك في سياق تصوير مسلسلات مرتبطة بعمليات الجيش التركي، وحتى في سوريا نفسها، وذلك قبل أن تبدأ عمليّة "غصن الزيتون" الأخيرة على الأرض.

فقبل أسابيع قليلة وصلت تطورات الأحداث في مسلسل "العهد"، المتابع بكثافة في تركيّا وفي العالم العربي، إلى القيام بعمليّة عسكرية كبيرة خارج الحدود التركيّة. وذلك لتقويض محاولة إقامة "دولة إرهابيّة" تشكّل "خطراً قوميّاً" على الدولة التركيّة، وتقوم بقتل المدنيين بشكل هستيري في المناطق التي تسيطر عليها، الأمر الذي يستدعي تدخّل الجيش التركي لإنقاذ هؤلاء المدنيّين.

تصل المبالغات الدراميّة في "العهد" إلى أقصى الحدود اللاواقعيّة، كأن يستخدم "الإرهابيّون" أجساد اللاجئين السوريّين العابرين للحدود السورية/التركيّة كأداة لتهريب أسلحة كيميائية يحقنوها داخل أجسادهم. بينما نرى في المسلسل نفسه أنّ "الإرهابيين" أصلاً يعبرون بسلاسة بين الحدود بأسلحتهم وعتادهم دون حاجة إلى تخبئة العتاد في أجساد اللاجئين.

أو نرى مثلاً أن يقوم مجنّد تركي يعمل بشكل سرّي خلف خطوط العدو بنسف كلّ العمليّة الاستخبراتيّة التي يقوم بها، كونه لا يقبل بأيّ شكل أن يهان العلم التركي المقدّس. وغيرها الكثير من المبالغات التي من المفترض أن تكون مخيّبة لتوقّعات مشاهد التلفزيون في أيّامنا الحاليّة.

لكن، وعلى المقلب الآخر، يقدّم المسلسل تقريباً كلّ ما يمكن أن يتماهى معه المشاهد "غير النقدي"، فوسامة الممثلين، وجمال الممثلات، وشجاعة هؤلاء جميعاً، وغيريّتهم، ومخاطرتهم بأنفسهم في الحلقة تلو الأخرى، دون أن ينسوا إيجاد وقت للحب، والصداقة، وشتّى العلاقات الإنسانيّة.

كلّ ذلك من المحتمل أنّه يجذب المشاهد الباحث عن متعة خفيفة مشحونة بأعلى درجات الإثارة والتشويق الجاثمين فوق كتلة كبيرة من الحمولة السياسيّة، والتي يبدو أنّها جزء من حملة أكبر للتأثير في الرأي العام التركي، وكلّ من يمكن أن يتابع المسلسل، ليس بالعلاقة مع المستقبل فقط، كما في حالة العهد الذي مهّد على مستوى المتخيّل التلفزيوني لعلمية غصن الزيتون الأخيرة، بل أيضاً بالعلاقة مع الماضي.

التلفزيون لترتيب أوراق الماضي

قبل عملية "غصن الزيتون" بأيّام قليلة استضاف رجب طيّب أردوغان في القصر الرئاسي طاقم عمل مسلسل"جنود كوت العمارة"، الذي يعالج فترة حرب الاستقلال التركيّة، ممجداً تضحيات الجنود العثمانيّين في وجه الاعتداءات الخارجيّة.

من الفيديوهات المنتشرة من حفل التكريم ذاك فيديو انتشر كثيراً يظهر انهمار دموع أردوغان خلال متباعته مشهد إلقاء أبيات من الشعر كان إلقائها سنة ١٩٩٧ السبب وراء اعتقال أردوغان لفترة قصيرة.

إذن، يأتي مسلسل تلفزيوني اليوم ليعيد الاعتبار للقصيدة التي أدّت لاعتقال أردوغان كرئيس لبلدية إسطنبول، بينما هو اليوم رئيس للجمهورية التركيّة محاطاً بالقائمين على المسلسل الحريصين على نيل رضاه، وتحقيق نوع من "العدالة الشعريّة" التي أدّت إلى انهمار دموع الرجل.

فالمسلسل التلفزيوني هنا ليس فقط أداة لتمهيد الرأي العام لحروب مستقبليّة كما في حالة مسلسل "العهد"، بل هو أيضاً أداة لإعادة ترتيب أوراق الماضي، وردّ الاعتبار لأردوغان خلال حياته، دون انتظار تحوّله هو الآخر إلى جزء من الماضي. بمعنى أنّ العمليّة الفنيّة هنا ترتّب الماضي القريب باعتباره لحظة متّصلة بالحاضر.

الخلافة العثمانية سلاحاً بيد الجميع

نقد الخطاب السياسي التركي الحالي متجسداً في الدراما، سيوقعنا فوراً في خانة الاتهامات والاتهامات المضادة حول ما سنسمّيه بـ"العثمانيّة" والتي نقصد بها استخدام حقبة الخلافة العثمانيّة الماضية كأداة خطاب سياسيّة.

فحزب العدالة والتنمية، وبخاصّة شخص رجب طيّب أردوغان متّهم دوماً بالرغبة غير المضمرة في إعادة "أمجاد" الإمبراطوريّة العثمانيّة. وطبعاً تعلو تلك النبرة الناقدة للطموحات العثمانيّة مع كلّ تدخّل سياسي تركيّ في سوريا، أو غيرها، الأمر الذي يرتفع صداه اليوم مع العدوان الأخير في عفرين.

من أمام شاشة التلفاز، يبدو صراع الخطابات المرتبط بفترة الدولة العثمانيّة صراعاً قديماً بين أجزاء من المنطقة العربيّة، والجمهوريّة التركيّة. فحتّى قبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم، وتحديداً في العام ١٩٩٦، شهد التلفزيون السوري تلقياً شعبياً واسعاً لمسلسل "أخوة التراب" والذي يروي أحداث الثورة العربيّة ضدّ الدولة العثمانيّة، وذلك في إطار درامي ملحمي على هامش أحداث الحرب العالميّة الأولى.

ضمَ المسلسل السوري في حينها العديد من ممثلي الصفّ الأوّل من الدراما السوريّة، الذين جسّدوا سرديّة المسلسل التي تركّز على قيمة "العروبة" كرافعة للنضال السوري والعربي ضدّ الاحتلال العثماني، وسط شيطنة مستمرّة على المستوى البصري والدرامي للآخر العثماني-التركي المسؤول في المسلسل عن كلّ مآسي سوريا والمنطقة، وعلى الأخص جمال باشا، والّذي ارتبطت صورته في مخيلّة جيل كامل بأداء الممثّل السوري فايز أبو دان.

عقب الانتفاضات العربيّة، ودعم حكومة العدالة والتنمية للحراك الشعبي في المنطقة العربيّة، شهد خطاب "العثمانيّة" تفعيلاً مستمرّاً من قبل رافضي التغيير السياسي في سوريا والدول العربيّة الأخرى، وفي سوريا بالذات، دُمغ مجتمع الثورة السوريّة متعدّد الأطياف بصبغة "العثمانيّة" من قبل أعدائه. حيث تتخّذ هذه الصفة في السياق السوري بعداً طائفيّاً يماهي بين الماضي العثماني والحاضر "العدالي والتنموي" في تصوير للثورة السوريّة على أنّها ثورة طائفيّة رجعيّة القيم، وذلك بناءً على هويّة داعميها المفترضين.

وكما ذكرنا، يفعّل اليوم بكثافة خطاب الاتهام بـ"العثمانيّة" على هامش العدوان التركي الأخير على عفرين، وذلك بسبب مشاركة مجموعات كبيرة من المعارضة المسلّحة السوريّة إلى جانب الجيش التركي، في العدوان على أراضٍ سوريّة. حيث يتجاهل هذا الخطاب كلّ الأصوات النقديّة السوريّة المعارضة للعدوان الأخير، ويماهي بينها (شاءت أم أبت) وبين تصوّر "العثمانيّة" كحلم ينتظر التحقّق.

ولكن ماذا عن سرديّة "العثمانيّة" من الطرف التركي؟ طبعاً نسأل هنا فقط على مستوى الخطاب في المسلسلات التلفزيونيّة التي نعنى بها في هذه المقالة.

عبر متابعة المشهد التلفزيوني التركي الحالي عن كثب، يبدو خطاب "العثمانيّة" بالفعل موضوعة يُعمل على تكريسها كفترة مزدهرة وقويّة لتركيّا، ويجب استعادتها لتصبح "تركيّا عظيمة من جديد" على الطريقة الترامبيّة.

حيث تقدّم مسلسلات مثل "قيامة أرطغرل" و"جنود كوت العمارة" وحتّى "العهد" بدرجة أو بأخرى، تقدّم تلك المسلسلات تصورّاً ناصعاً عن فترة الخلافة العثمانيّة، مناقضاً طبعاً للسرديّة السوريّة في "إخوة التراب" ولكن، وللمفارقة، يلقى هذا التصوّر المخالف لـ"لسرديّة العربيّة الرسميّة" انتشاراً  واسعاً في العالم العربي قبل أيّ مكان آخر.

فالجودة العالية للإنتاج التلفزيوني التركي تجذب يوماً بعد يوم جمهوراً متزايداً من المنطقة العربيّة، تسوّق له سرديّات الماضي العثماني المجيد من وجهة النظر التركيّة الأكثر رجعيّة، في تجاهل لكل الأصوات النقديّة التركيّة، ونظيرتها العربيّة، والتي يقصى صوتها غالباً عن مساحة التأثير عبر الدراما التلفزيونيّة، التي تتطلّب إمكانيّات ماديّة قد لا تتوافر إلّا لدى حكومات، أو شركات إنتاج عملاقة مقرّبة من هذه الحكومات، وبطبيعة الحال توجّهها السياسي.

لا وقت ولا رغبة للنقد

من أخوة التراب عام ١٩٩٦ إلى "جنود كوت العمارة" عام ٢٠١٨، تبدو رغبة صنّاع الدراما التلفزيونية معدومة في إنتاج خطاب نقدي للتاريخ العربي العثماني المشترك. أي فهم السياقات السياسيّة والاجتماعيّة الذي أنتجت ذلك الماضي العثماني غير البعيد جدّاً، والذي يبدو اليوم أكثر من أيّ وقت مؤثراً جداً في حياة الناس اليوميّة، وفي سياسات المنطقة.

ذلك دون أن يحظى بخطاب تحليلي نقدي يبتعد عن الخطابات القوميّة المثيرة للمشاهد، والمهيّجة للفهم السطحي لصراعات معقّدة كتلك الذي نشهدها في سوريا، وبطبيعة الحال جارتها التركيّة في الشمال، والتي تُرسم صورتها في السرديّات العربيّة حيناً كجنّة الجغرافيا الجميلة والسياسات النبيلة، وكشيطان استعماري في أحيان كثيرة أخرى.

كلّ ذلك دون وجود رغبة كافية لدى صنّاع الدراما لفهم حركة التاريخ المعقّدة في منطقتنا، والتي قد تنعكس في كلّ تفاصيل حياتنا اليوميّة، أكانت قذائف تمطر الأبرياء من السماء، أم صورة  وسيمة و"بريئة" لممثّل على إنستغرام.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.