Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

بين الفقدان وآثار الحرب.. حكايا الأيتام السوريين في تركيا

"دار السلام للأيتام"  مشروع أنشأته عائلة سوريّة، يسكن فيه نحو سبعين طفلاً يتيماً.  يعتبر أولَ و أكبر دار للأيتام السوريين في تركيا.

مجاهد أبو الجود. All rights reserved. مجاهد أبو الجود. All rights reserved.في مبنى كبير في حي "غوناي كنت"، وسط مدينة غازي عينتاب التركية، يسكن نحو سبعين طفلاً يتيماً - فاقدي الآباء معظمهم - مع أمهاتهم، ضمن مشروع أنشأته عائلة سوريّة هناك تحت اسم "دار السلام للأيتام".

ابتدأت فكرة الدار قبل نحو خمس سنوات، بعد أن هربت "منال دامور" ووالدتها سميرة مع جميع أفراد عائلتها من بطش النظام في محافظة حلب، وقررت صبَّ جهدها لرعاية بضعة أطفال في منزلها.

استفادت منال من رسالتها في الماجستير المتخصصة في الهندسة المتزامنة، التي تقوم على تخطيط وتنفيذ المشاريع ضمن فترة وجيزة وبجودة جيدة وتكلفة قليلة، كي تنشأ مشروعاً صغيراً للأيتام.

بدأت بتصميم المبنى الذي تريده ووزعت الوظائف والمهام، حتى خَلَصَت لتنفيذ مشروع الدار في ضواحي عنتاب. ومن ثم نقلته لداخل المدينة، قبل أن ينتقل أخيراً في الشهر السابع من العام الجاري إلى موقعه الحالي، حيث اُعتبر الدارَ الأولَ والأكبرَ للأيتام السوريين في تركيا.

تعتَبرُ منال أن الأمر الذي يميّز دار السلام والذي حَذَت حذوه معظم دور الأيتام التي نشأت عقبه، هو «لم شمل الأسرة» على حد تعبيرها، حيث تسكن الأم مع أطفالها في ذات المبنى، بخلاف دور الأيتام المعروفة التي ترعى الأطفال فقط.

كما يتميز دارُ السلامِ بمنح العائلة نوعاً من الخصوصية والاستقلالية، فقد أُخِذَ بالحسبان أثناء تصميمه توزعه على شققٍ صغيرة ومتوسطة تمنح حسب عدد أفراد العائلة، وتعطى الأسرة مؤونتها شهرياً، ومستلزماتها اليومية أسبوعياً، على خلاف عرف مركزية الطعام والخدمات في دور الأيتام الأخرى.

تُلقب سميرة، والدة منال، داخل الدار بـ النانا (الجدة)، وهي مشرفة الدار حالياً. تقول سميرة: "أكون سعيدة عندما ينادونني "نانا". وأشعر أنّ العلاقة بينّا أسريّة أكثر منها علاقة مشرفة ومؤسسة. والمعروف أن النانا هي التي تزرع المحبة وتلم شمل الكل حولها، وهذا ما أحاول قدر الإمكان عمله، كما اخترت أن تكون غرفتي في الطابق الثاني حتى أكون وسطهم ومعهم".

الآثار النفسية للحرب

مجاهد أبو الجود. All rights reserved. مجاهد أبو الجود. All rights reserved.يُطرقُ البابُ على سميرة في منتصف الليل: "نانا، نانا الحقي أم عادل". تركض سميرة مسرعةً لشقة أم عادل، وإذ بها تصرخ عالياً من شرفة منزلها لابنتها الراحلة التي قُتلت أمام عينيها في حريق منزلهم في قرية حيالين بريف حماة عام 2012، بعد ستة أشهر فقط من مقتل زوجها رمياً بالرصاص أمام أعين أطفالها على يد قوات الأمن السورية، ما جعل أم عادل تعتبر نفسها السبب في مقتل ابنتها، لأنها وباعتقادها لم تكن على قدر كاف من المسؤولية للاهتمام بالأولاد.

تقول سميرة وهي تسترجع هذه الحادثة، أنها تحاول جاهدة مساعدة النساء اللواتي فقدن أطفالهن، وتحاول إقناعهن بأن الحياة ما تزال تستحق منا المحاولة. في حالة أم عادل، حاولت سميرة أن تقنعها أن من بقي من أطفالها بحاجة لها، لذلك عليها أن تكون أقوى. وبالطبع فإن أم عادل تخضع لعلاج نفسي محترف وليس فقط الدعم النفسي المقدم من الدار.

اليوم أم عادل تعمل في الدار، وتدير مستودع المؤن وتوزع المخصصات الغذائية على جميع شقق العوائل الأخرى، وتحث الأمهات أمثالها على التحرك لترك بصمة لهنّ في هذه الحياة، على الأقل بين أطفالهنّ.

أم حمود أرملة أخرى، كانت تعيش في قرية قرب إعزاز في ريف حلب الشمالي مع أطفالها الثلاثة. أتاهم إنذار عسكري بإخلاء القرية على الفور، فهربت مع طفلها الصغير إلى تركيا، وتاهت عن ولديها الأكبر "حمود ونور" اللذان كانا خارج المنزل ولم تستطع معرفة مكانهما.

ظل طفليها في القرية قرب إعزاز والتي خضعت لاحقاً لسيطرة تنظيم داعش، وعاشا فيها مشاهد قاسيةً لرؤوس مقطّعة وأجسام مصلّوبة بين الطرقات وفي الساحات العامة.

لم تعرف أم حمود الراحة ولا النوم خلال خمسة أشهر غابت فيها تماماً أي معلومات عن طفليها، كانت في حالة انهيار كامل، كما تقول منال، وكانت تردد باستمرار "ولادي ولادي.. لاقولي ولادي".

تمكنت إدارة الدار من معرفة مكان الأطفال وإحضارهم إلى الدار في تركيا. تضيف منال "خروجهم إلى تركيا في ظل إغلاق الحدود كانت معجزة بحد ذاتها ، فضلاً عن الوصول للدار".

وعن الحالة النفسية للأطفال اليتامى، تقول منال أنّ معظم الأطفال في الميتم قد عايشوا ذكريات مؤلمة، رسخت في أذهانهم مشاهد عنيفة.

مجاهد أبو الجود. All rights reserved. مجاهد أبو الجود. All rights reserved.تقول "رصدنا مؤشرات أذيّة نفسية لدى الأطفال من العِند والانطواء والتلعثم أثناء الكلام والتبول اللاإرادي ليلاً، جميع الأطفال الذين لدينا يمتلكون عارضاً واحداً على الأقل، وبعضهم يعاني من حالات عدوانية تجاه الناس، والعناد الزائد عن المألوف. وإحدى الطفلات جائتنا منقطعة عن الكلام بشكل تام".

محاولات العلاج

تعتبرُ منال أنّ أحد أهم خطوات العلاج النفسي للطفل هو لم شمل الأسرة في حال تواجدها، ما يجعل الطفل يشعر بالأمان والراحة قرب والدته.

كما أن الدار يتعامل مع عدة استشاريين وأطباء نفسيين باستمرار، لكن تكمن المشكلة في تقبّل الأمهات لفكرة العلاج النفسي لهنّ - على اعتبار أنّ علاج الأطفال يبدأ من علاج الأم ، لا سيما وأنّ معظمهن من مجتمعات منغلقة تعتبر العلاج النفسي مرتبطاً بالجنون وفقدان العقل.

تفيد منال: "من جميع النساء الموجودات في الدار، هناك امرأة واحدة طلبت طبيباً نفسياً، كانت مقتنعة أن اضطرابها النفسي بحاجة لطبيب مختص".

أما عن الأطفال فلا تمانع أمهاتهنّ غالباً العلاج النفسي لهم، فجميعهنّ يريدنَ لأطفالهن أن يكونوا في أحسن حال، "من السهل جداً أن تخرج المشاهد القاسية من ذاكرتهم، ونادراً ما يكون مع العلاج النفسي للأطفال تداخل دوائي" تقول منال.

نتائج إيجابية

يهتم الدار بالتعليم بشكل كبير، جميع أطفال الدار يرتادون المدارس التركية، وبعضهم كَبُرَ وأصبح في الجامعة، وهناك طلاب تفوقوا على أقرانهم الأتراك.

مجاهد أبو الجود. All rights reserved. مجاهد أبو الجود. All rights reserved.إحدى طالبات الدار تدرس الآن في كلية هندسة المعلوماتية في جامعة غازي عينتاب التركية، وقد أنهت عامها الأول بالترتيب الثالث على الكلية، بينما طالبة أخرى في المرحلة الثانوية هي الأولى في مدرستها، وأخرى في الصف السابع لا تهدأ إن مرت كلمة في الكتاب ولم تستطع فهمها.

وهناك تميزٌ من نوع آخر، فقد بدأ مسؤولو الدار ينقبون عن المواهب لدى الأطفال. رغد طفلة تبلغ من العمر ١٢ سنة، موهوبة بالتمثيل وتعشق المسرح، وغالباً ما تلعب دور البطولة في المسرحيات التي تُقام، كما أنّ لديها ملكة خطابية قوية، لا يمكن لمن يسمع كلماتها وأشعارها عن الوطن والغربة إلا وأن يتأثر، وتترك بصمة بصوتها وكلماتها داخله.

تعقب منال "هدفنا الرئيسي أن نخرج بنموذج يُحتذى به عن الطفل السوري، والتعليم لدينا من الأولويات. زرعنا في الأطفال حب التعليم حتى يكملوا الطريق إن تركونا أو اضطررنا يوماً ما لإيقاف عملنا في الدار".

سميرة لديها الأمل أن هذا الدار سيكمل مستقبلاً بفضل الأطفال الذين سيكبرون ويدرسون ويتخرجون ليساهموا في استمراره.

تقول سميرة أن مجموعة من الأطفال جاءت للإدارة راغبين بالتبرع بالنقود، ما جعلها تشعر بالفرح بروح المبادرة النابعة من أولاد الدار.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.