Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

ما بقي لي من حلب

اليوم، وبعد عام كامل على تلك الذكرى الأقسى في مخيلتي، لم يتبقِ لي من مدينتي سوى ذاك العلم المصنوع فيها، وكاميرتي التي وثقت جميع أحياء المدينة.

مجاهد أبو الجود. All rights reserved. مجاهد أبو الجود. All rights reserved.صرخ لي صديقي حسن قطان قائلاً: "هات الكاميرا ويلا نروح بسرعة.. قال رح يأخلوا الجرحى اليوم. حاول ما تطفي كامرتك".

ركضت وراءه مرتعش القلب، أحسست أنّ الأمور بدأت تنحسم، وأن واقعاً مريراً بات أقرب، تساءلت في نفسي ماذا اقترفت أيدينا حتى نعاقب هكذا؟!

عند منتصف ليلة الخامس عشر من شهر ديسمبر/كانون الأول عام ٢٠١٦، كنا ننتظر بدء تنفيذ اتفاق إخلاء حلب الشرقية التي حاصرتها القوات الحكومية والميليشيات الموالية في منتصف عام ٢٠١٦، وبدأت تقتحم أحياءها منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام ذاته.

أمطار تلك الليلة كانت غزيرة، قلت في نفسي لعلها الخير والرحمة كما يُقال عادةً، لم نكن نعلم أنّها ستكون من أصعب الليالي، وأن الجرحى- الدفعة الأولى المقرر خروجها - سينتظرون خمس ساعات تحت المطر، ليُقال لهم بعد ذلك "تم تأجيل تنفيذ الاتفاق للصباح.. عودوا إلى بيوتكم."

لم نستطع النوم ليلتها. عدت أنا وحسن في صباح اليوم التالي إلى حي العامرية جنوبي حلب، المكان المقرر كنقطة للخروج. وبعد انتظار استمر ثلاث ساعات، بدأت قناصة قوات النظام تستهدفنا من جانب حي الراموسة المقابل لمكان تمركزنا، وسقطت عدة إصابات بين المدنيين وفريق الدفاع المدني السوري الذي كان يعتزم إزالة الساتر الترابي، وقُتل شخص على الأقل.

بدا المشهد مخيفاً، ما الذي يحدث ولماذا؟ لم أستطع فهم الموقف. حملت بيدي اليمنى كاميرتي التي بقيت تصور ما يحصل، وعلى كتفي طفلاً أصيب والده، وبدأت بالركض باتجاه حي السكري.

مجاهد أبو الجود. All rights reserved. مجاهد أبو الجود. All rights reserved.مرت عدة ساعات بدا بعدها كل شيء «طبيعيٌ» مرة أخرى. ودخلت بعدها فرق الهلال الأحمر السوري مع لجنة الصليب الدولية للبدء بإخلاء القافلة الأولى التي كانت تضم نحو ٢٠٠ مصاب، ومن ثمّ دخلت الباصات الخضراء، الباصات المخصصة لإجلاء المدنيين من الأحياء المحاصرة.

لم أتمالك نفسي عند رؤية باصات الإجلاء القادمة، أحسست أنّ كل شيء قد انتهى فعلاً، وأنّ الذي كنا يوماً نعتبره كابوساً لن يتحقق، قد أصبح واقعاً.

سنينٌ وأشهر من الكفاح ذهبت كالرياح، وعوقب الضحية دون ذنب، وكوفئ المجرم بفعلته هذه. انهالت دموعي، وكذلك دموع العشرات من أصدقائي.

في هذه الأثناء اتصل بي أخي الكبير عبد الرزاق الذي يعيش مع عائلتي خارج حلب، الذين تركتهم قبل خمس سنوات لاستقر في حلب الشرقية. حاولت إخفاء نبرة الحزن في صوتي وأنا أرد عليه، وقال "مجاهد قال فتحوا الطريق.. الله يوفقك طلاع وطمن قلب أمك عليك."

حاولت إقناعه أن الدفعة الأخيرة التي سيتم إخراجها ستكون الأكثر أماناً بالنسبة لي، لأن معظم الفصائل العسكرية الموجودة ستخرج بها، وهم على أهبة الاستعداد لمجابهة القوات الحكومية في حال اعتراض الطريق.

هذه هي حجتي التي حاولت إقناع أخي بها لأطمئنه قليلاً، إلا أنّ السبب الحقيقي وراء رغبتي في الانتظار حتى خروج آخر دفعة، هو أني كنت أريد البقاء أطول فترة ممكنة في شرق حلب لتوثيق آخر لحظاتها.

مجاهد أبو الجود. All rights reserved. مجاهد أبو الجود. All rights reserved.من النقطة التي قُدّر لنا أن يتم إجلاؤُنا القسريُّ منها، بدأت بتصوير ما تبقى من أحياء مدينتي المنكوبة وأزقتها - التي دمرت الطائرات الحكومية والروسية أغلبها فوق رؤوس قاطنيها ابتداءً من آب ٢٠١٢ - وأنا مدرك أنني غير عائد إليها، على الأقل لسنوات عدة. أدور بعدستي وأوثق ما أراه، وحسن بجانبي يوثق بعدسة الكاميرا الطائرة (drone) من الجو ما لا نستطيع رؤيته، بقينا على هذه الحال لمدة أسبوع، وهي المدة التي احتاجتها القوات الحكومية لإخلاء المكان من قاطني حلب الشرقية، والمقدر عددهم بنحو ٦٠ ألفاً.

مع نهاية الأسبوع، صرخ المسؤول العسكري قائلاً "غداً هو اليوم الأخير للإخلاء.. احزموا أمتعتكم وغادروا."

إنه اليوم الأخير إذاً، الوجوه شاحبة، خائفة، مودعة، ومباني مدينتنا تختنق لفراقنا. هممنا بخطّ عباراتنا الأخيرة على الجدران، كتب صديقي صلاح "الثورة ليست فصيل." وترك الطبيب سالم رسالته على سبورة روضة الأطفال التي تشير لروح الثورة "انتبه! لا تخرّب.. هنا يوجد أشياء يستفيد منها أطفالك."  

وكتب صالح وزوجته مروة "راجعين يا هوا." عفراء كتبت "بين جدران هذه المدينة تركت قلبي وهُجّرت." بينما خطّ ثائر باصبعه على نافذة إحدى الباصات الخضراء "سنرجع يوماً." وكتب حسن في رثاء مدينته "في الرحيل الأخير.. أحبك أكثر."  

أما أنا فأحببت أن التقط صورة أخيرة لي في حلب، بجانب عبارة "الكلمة الحرّة لا تموت" التي خطها صديقي محمد الخطيب.

Thaer Mohammed. All rights reserved. Thaer Mohammed. All rights reserved.وقبل لحظات الخروج، عدت سريعاً إلى منزلي في حي سيف الدولة لوداعه، منزلي الذي كانت تقطنه عائلةٌ سوريّة نازحة، لعدم توفر منازل فارغة للسكن إثر نزوح سكان عدد من الأحياء الشرقية عندما كان النظام يستعيدها رويداً ويطبق الحصار علينا. أخذت علم الثورة السورية الذي أضعه عادةً فوق سريري وركضت محلقاً بين الشوارع حتى وصلت نقطة العبور.

في صباح الخروج، صباح يوم ٢١ كانون الأول بدأ الثلج بالتساقط، لتكتسي المدينة باللون الأبيض في أحلكِ أيامها، وكأنّا نغادرها بيضاء نقية قبل أن يقتحمها الاحتلال ليمحوَ براءتها.

سُمح للقافلة الأخيرة - التي يغلب عليها فئة العسكريين - بركوب السيارات الخاصة وأخذ الأسلحة الفردية الخفيفة، ولهذا السبب فضّل الكثير من الصحفيين والناشطين الخروج مع القافلة الأخيرة، نظراً لوجود السلاح وخوفاً من تكرار الانتهاكات وحالات الاعتقال التي حدثت في ظهيرة ثاني أيام الإخلاء، عندما اعتقلت الميليشيات الإيرانية قافلة كاملة تضم نحو ٨٠٠ مدنيّ كانوا في طريقهم للخروج من حصار حلب بموجب الاتفاقية، فقامت الميليشيات بتعذيبهم، وقتل أربعة أشخاص، واعتقال فردٍ آخر من فريق القبعات البيضاء، قبل أن تعيدهم مرةً أخرى إلى الأحياء المحاصرة عصر اليوم ذاته.

صعدت سيارة حسن عند الساعة الرابعة عصراً من يوم الحادي والعشرين ديسمبر/كانون الأول، وبدأنا المسير متراً متراً، هو يقود السيارة وأنا أسترق التقاط الصور، تأخذنا الرجفة من شدة البرد فأحاول إغلاق النافذة - التي كُسرت بشظايا القصف الجوي على حلب - ببطانيّة علّها تقينا جزءاً من البرد.

مجاهد أبو الجود. All rights reserved. مجاهد أبو الجود. All rights reserved.مضت الساعة ومضت الأخرى وبقينا على هذه الحال أربع عشرة ساعة حتى قطعنا مسافة لا تتجاوز واحد كيلو متر لنصل لحاجز القوات الحكومية والقوات الروسية.

حدقتُ بالعناصر جيداً وهم يسألوننا من نحن ومن أين؟ هل حقاً ما أسمع؟! عنصر روسي أجنبي يسأل صاحب الأرض من أنت وماذا تفعل هنا؟

تابعنا المسير بعدها مروراً بالشق الآخر من حلب، حلب الغربية المسيطر عليها من قبل قوات النظام، نظرت إلى المباني والأحياء السكنية مطولاً، حياة طبيعية يعيشها الناس على الطرف الآخر من خط النار والحصار، مواصلات وكهرباء في معظم المناطق، وعدم اكتراث واضح بشق المدينة الشرقيِّ الذي يُقصف على مرأى أعينهم ومسمع آذانهم، ويعيش سكانه التغريبةَ بين طرقاتهم.

حين أفكر بما رأيت يومها تنتابني الحيرة، هل هو حقيقي ما شاهدته في حلب الغربية؟ أم أنّ إعلام النظام قد نجح في زرع صورة في مخيلتي عن سكان هذه المناطق، لتعزيز حقدٍ وكراهيةٍ لم تكن لتوجد لولا الحصار الذي قسم المدينة إلى شطرين والأيام القاسية التي عشناها.

رفعت الكاميرا مرة أخرى لألتقط ما يمكنني التقاطه، إلا أن تنبيهاً من حسن جعلني أضعها جانباً. ظللت أحاول بعد ذلك في كل فرصة تصوير ما يمكن تصويره.

مجاهد أبو الجود. All rights reserved. مجاهد أبو الجود. All rights reserved.في الثامنة صباحاً من الثاني والعشرين ديسمبر/كانون الأول، وصلنا ريف حلب الغربي الذي يخضع لسيطرة المعارضة السورية المسلحة، توقفنا عند الحاجز الأول لهم، أخبرونا أننا قد وصلنا إلى بر الأمان - كما يقولون -، لكن أصوات الطائرات ودوي انفجار القذائف التي تطلقها القوات الحكومية لم يوحي بذلك، بضعة دقائق وبدأنا المسير تجاه محافظة إدلب.

لقد زال الكابوس، لم نصدق أننا فعلاً خارج الحصار وعلى قيد الحياة، وأننا في الليلة الماضية كنا محاصرين ومقيدين ومحرومين، نفضل الموت على الإصابة فقط لعدم توفر المستلزمات الطبية، بينما اليوم نستطيع التجوال بحريّةٍ أينما شئنا وشراءَ أصناف الطعام المختلفة والدخان والوقود كما لو كانت الحياة أشبه بالطبيعية.

حاولت قول كلمة "يا مرحباَ بالحياة"، فلقد نجونا من أشد حملات القصف والقتل التي تعرضت لها سوريا منذ بداية الثورة، ولم أستطع.  

وصلنا إلى إدلب، وما إن رأينا أصدقائنا الذين تمكّنوا من الخروج من حلب شهر أيلول/سبتمبر من عام ٢٠١٦ - عندما كُسر حصار المدينة لمدة أسبوعين - حتى تساقطت دموعنا جميعاً دون شعور، غياب قاسي ونكبة أقسى وبداية مجهولة.

مجاهد أبو الجود. All rights reserved. مجاهد أبو الجود. All rights reserved.اليوم، وبعد عام كامل على تلك الذكرى الأقسى في مخيلتي، لم يتبقِ لي من مدينتي سوى ذاك العلم المصنوع فيها، وكاميرتي التي وثقت جميع أحياء المدينة، وتلك الصور والفيديوهات التي التقطتها خلال سنوات في حلب، وذاكرةٌ متعبة ليس من السهل استحضارها في حضرة حلب.

أما أنا فما زالت روحي في المكان المتروك، بقيَت هناك ورفضَتِ المغادرة، لفظتني حلب جسداً خاوياً رُفع نعشه في تلك السيارة الأخيرة التي غادرَت حلب وغادرَتِ الحياة وانتهتِ الحكاية.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.