Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

أنا_سمية: التحرش في مصر، قصة لا تنتهي#

"سمية، لا أملك مالًا لأعطيك إياه، ولست طبيبة لأجري لك العملية بدون مقابل، لا أملك سوى قلمي ولذلك رويت قصتك لعل أحدهم يهتم ويساعدك بشكل أو بآخر."

Graffiti in Cairo, Egypt: Graffiti in Cairo, Egypt: "Be scared of us government.. Speak up." 28 January 2012. Rana Magdy. All rights reserved.أنا سمية هو هشتاج يتم تداوله منذ أيام على صفحات الفيس بوك (#انا_سمية). تقوم الفتيات بتصوير أنفسهن بعد وضع علامة مماثلة لجرح سمية على وجههن تضامنا معها. سمية ضحية من ضحايا التحرش في مصر.

لا يخفى على أحد ما تعانيه المرأة المصرية من كل أشكال العنف ضد المرأة، وهذا ما أظهره أيضا تقرير لمؤسسة تومسون رويترز يفيد بأن القاهرة هي أخطر مدينة على النساء، وأن التهديدات في تزايد مستمر منذ ثورة ٢٠١١.

لا يوجد اهتماما إلا حالات نادرة تكون في الغالب بسبب وعي الضحية بالمشكلة فتقوم بعمل محضر في قسم الشرطة وكذلك نشر حالتها على صفحات التواصل الاجتماعي فتكتسب جماهيرية، مما يكون الحافز الأقوى للاهتمام بالموضوع.

سمية تم التحرش بها منذ سنتين تقريبًا. لم تخضع ولم تخاف العاقبة وقامت بعمل محضر بالواقعة حتى ينال المتحرش العقاب المناسب، ولكن وكالعادة تكون العقوبة مائعه لا مانعة، وفي الغالب غرامة مالية تافهة ويخرج المتحرش طليق يمارس فعله من جديد.

تقول سمية "كنت بخاف أنزل الشارع من وقت الواقعة التحرش الاولانية الي فات عليها سنتين، ويوم ماقررت انزل اتمشى لغاية الصيدلية السبت الي فات لان الجو كان حلو، المجرم كان منتظرني بسكينة وكان ناوي يدبحنى وبعد ما فلفصت منه، جرحلي وشي، جرح طوله ٢٠ سم واتخيطت ٥٠ غرزة وقطعلي عصب الوش ومحتاجة ٣ عمليات، عملت منهم واحدة وفاضل اتنين- محتاجة دعمكم".

منذ حادثة التحرش الأولى والتي تعرضت فيها للضرب المبرح في أثناء قيامها بالتسوق في أحد المولات حيث تحرش بها الجاني ولما رفضت فعله انهال عليها ضربا وقد حررت محضر وتم حبسه أسبوعين فقط على الرغم من أنه مسجل بقضايا مشابهة مما يعني أن تاريخه يوحي بأنه لم يلاقي عقاب رادع بعد ليمتنع من ممارسة مثل هذه الأفعال.

بعد سنتين قرر الانتقام وتقول سمية أن في يوم ربيعي جميل قررت أن تنزل تسير في الشارع مستمتعة بالأجواء الربيعية الممتعة، وتساءلت ماذا يمكن أن يحدث في شارع مملوء بالمارة؟ بالطبع لا شي خطير، ولكن سرعان ما باغتها حيوان متوحش يأخذ شكل بشري وكان هو المتحرش الذي حررت له محضر منذ سنتين. قرر الانتقام وكان يريد ذبحها نهارا جهارا في شارع مملوء بالمارة، ولكنها قاومته.

فبدلا عن أن تقطع رقبتها أصيبت بجرح غائر في الوجه شوه وجهها. وتتعجب سمية كيف لم يلتفت إليها أحد وهي ملقاة أرضا ومدمية الوجه تصرخ " لقد ذبحت فليساعدني أحد."

لم يلتفت إلى هذه المسكينة سوى فتاة في الثامنة عشر من عمرها، حيث وضعتها في سيارتها وذهبت مسرعة إلى المستشفى، ولكونها مستشفى خاصة ظلت منتظرة ثلاث ساعات حتى يجروا لها العملية التي طلبوا في مقابلها ستين ألف جنيها، وهو مبلغ كبير للغاية مما أجبرها أن تتصل تليفونيا بكل من تعرفه حتى يجمعوا لها المبلغ، وهذا يحيلنا إلى مدى فقر وعجز المستشفيات الحكومية في مصر والجميع يعلم ذلك.

سمية ومثيلاتها ممن تعرضن للتحرش، يعين جيدًا أنهن لا يعشن في مجتمع يحميهن أو يدافع عنهن، بل مجتمع منافق دومًا ما يأتي في جانب الظالم إن كان قويا صاحب نفوذ. مما يعني أن حقوقهن ضائعة وبالتالي لا داعي للمطالبة بها.

تقول سمية "مش هنزل الشارع تاني ونفسي أقول لكل بنت متنزلوش الشارع تاني علشان لو حد اتحرش بيكم وحاولتوا تطالبوا بحقكم، ستكون نتيجته في الآخر إنكم تدبحوا في الشارع".

المجتمع المصري مقتنع تمامًا أن لكونك ذكر فهذا يعد امتياز كاف ليقف في صفك، فالنساء هن الملومات  دائما و الخاطئات دائما وهذا واضح من التبريرات الجوفاء التي يذيعها المجتمع على أسماعنا بعد كل حادثة تحرش. من تعبيرات مثل(هي الي تستاهل ماشية مشية مش مظبوطة، تستاهل حاطة مكياج ولبسها ضيق، تستاهل فقد كانت تتحدث في المحمول وتضحك في الشارع مما يثير غرائز الشباب). وتجد من مثل هذه العبارات ما يصنع موسوعة للعبارات، ولكن إن كانت الثقافة هوجاء، وإن كانوا أفراد المجتمع متواطئون، فلمن تلجأ سمية ومثيلاتها؟

ربما لم يبق لهن إلا القانون، وهذا ما فكرت فيه سمية حيث ذهبت إلى مستشفى حكومي لعمل تقرير طبي يوضع مع أوراق القضية. فكان الطبيب رجلا، مما يعنى أنه متواطئ مع الجاني المنتمي إلى نفس جنسه، فكتب لها أن حالتها تستدعي علاج فقط لعشرة أيام وحينما اعترضت وقالت له بانفعال ودهشة، "هل حالتي هذه تستدعي فقط عشرة أيام؟" أجابها ببرود، "احمدي ربنا، أنا كنت هكتب لك علاج خمس أيام".

مشكلة التحرش في مصر لم تعد مشكلة عادية يمكن فحصها وحصرها في أسباب ونتائج، وإنما أصبحت ظاهرة تنخر في عظام المجتمع. أنها من المفترض أن تندرج تحت مسمى القضايا شديدة الخطورة وتدخل في بند أمن الدولة. الكثيرات يتعرضن للتحرش والإساءة والاغتصاب ولكنهم لا يجرؤون أن يتقدمن بمحضر في قسم الشرطة وذلك يرجع إلى سببين:

الأول: خوفها من انتقام المتحرش نفسه وهذا لا يؤمنه القانون.

الثاني: لعلمهم بأن العقاب لا شيء في النهاية.

كما قالت سمية "من آمن العقاب أساء الأدب"، فهي قضية سمية الأولى التي حبس فيها أسبوعين وغرامة تافهة فكرر فعلته لعلمه أن العقاب إن وجد فلن يكون شيء في النهاية.

حكت لي صديقتي أنها تعرضت للتحرش والضرب في الشارع الذي تسكن فيه وأمام مقهى مليء بالبشر وحينما ردت على المتحرش صفعها على وجهها أمام الجميع ولم يتدخل أحد. وحينما ذهبت إلى قسم الشرطة لم يتحرك معها أمين الشرطة إلا بعد أن دفعت له رشوة. وحينما ذهب وسأل الناس لم يساعدها أحد إلا شاب واحد، وبعد مماطلات هائلة تم الإمساك به وخرج مقابل كفالة مائة جنيه فقط! ومن وقتها وهي  تشعر باليأس وعلى يقين بكون هذا المجتمع عنصري بامتياز ولا أمل في القانون، مما يعني أن الموضوع لا حل له لدينا ويجب وضع سياسات صارمة لمواجهته.

ولكن من يضع التشريعات المناسبة وأغلب مؤسسات الدول تقوم على التمييز بين الجنسين ومليئة بالتحرش؟

كما قال ابن التعاويذي"إن كان رب البيت بالدف ضاربا فشيمة أهل البيت كلهم بالرقص" من أين يأتي المدافعون الحقيقيون؟ وكيف يضعون قوانينهم و يضمنون تطبيقها؟ القوانين في مصر وخاصة الخاصة بالمرأة مهترئة ومليئة بالثغرات، وليس هذا فحسب وإنما أيضا وفي الغالب هي حبر على ورق لا تطبق بشكل جيد فليست كل فتاة تتعرض للتحرش قادرة أن تحول قضيتها إلى رأي عام حتى تأخذ حقها.

ومن تجاربي الشخصية تعرضي للتحرش اللفظي يوميًا وأنا في طريقي إلى العمل، تأتي سيارة تجاهي مسرعة وتوقف فجأة بشكل مروع، وتارة أخرى تأتي سيارة تعترض طريقي، وآخر يلقي بعبارات جنسية ويهرب. كيف لي أن أثبت ذلك وماذا يمكنني أن أفعل؟!

وتجربة أخرى مع أسوأ اختراع للمواصلات عرفته مصر وهو التوك توك، كم من الجرائم ترتكب بإسمه، وهو مرتع لمرتكبي حوادث التحرش والاغتصاب، ولاتستطيع الضحايا أن يثبتن شئ، فتكون ماشية في الشارع ويأتي توك توك به مجموعة من الشباب فتخطف نهارًا جهارًا في لمح البصر، وينطلق التوك توك مسرعًا، وبمنتهى السهولة يتم الاعتداء عليها وإلقائها في الشارع بعد ذلك أو قتلها أو تشويه وجهها كل على حسب ميوله في الاعتداء.

الكارثة أن التوك توك في مصر ليس لديه أرقام مسجلة وبالتالي من المستحيل متابعته وأعرف الكثير من القصص التي كنت أنصح أصحابها بعمل محضر فيقلن لي "وماذا أقول؟ وكيف أثبت وأنا لا أعرف رقم للتوك توك مثل أرقام السيارات لأبلغ به؟ سوف يعتبرون قصتى خيالية ولن يصدقني أحد وحتى لو وجدت متعاطف معها وصدقها، كيف سيبحث عنه وكيف سيجده تحديدا؟ الأمر جد معقد.

الأمر مؤلم ولا أعرف متى سينتهي العنف ضد النساء الذي تتجدد وتتنوع صورة مع مرور الوقت. المرأة المصرية تعاني على كل المستويات بشكل قاسي يصعب وصفه. والفتيات ينشأن وهن يعلمن أن الصمت هو طريق السلامة. وها هي سمية مثال لهن لمن تحاول أن ترفع صوتها وتقول لا، كادت تذبح وشوه وجهها ولا تجد المال الذي يؤمن لها العمليتين الأخيرتين، وهي الآن في حاجة إلى الدعم لكي تستكمل علاجها وتواصل حياتها بشكل طبيعي.

أنا أوجه لها رسالة: "سمية، لا أملك مالًا لأعطيك إياه، ولست طبيبة لأجري لك العملية بدون مقابل، لا أملك سوى قلمي ولذلك رويت قصتك لعل أحدهم يهتم ويساعدك بشكل أو بآخر."

 


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.