Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

معترك جديد

المجتمع المدني القوي والنقابات القوية تعني دولة قوية، ولذلك، تدعيم استقلالية المجتمع المدني وقوته، ومن ضمنه النقابات، هو تقوية ودعم للدولة، عكس ما تروجّه السلطة وأجهزتها.

ناخبة مصرية خلال الاقتراع حول الدستور الجديد سنة 2012 Picture by AA/ABACA/PA Images. All rights reserved.على الرغم من أن المجال العام مغلق في مصر، ومجرد الحديث في السياسة، أو التعبير عن الرأي، أو انتقاد الأوضاع، قد يؤدي إلى الحبس سنوات طويلة، بتهم كثيرة، مثل نشر أخبار كاذبة، أو نشر المناخ التشاؤمي، أو التحريض، أو الانضمام لجماعة محظورة، أو محاولة قلب نظام الحكم، وإلى آخره من تلك التهم المعلبة، ولا فرق في ذلك بين أعضاء جماعة الإخوان المسلمين أو أعضاء حركات اجتماعية أو شبابية تنتمي للتيار المدني، أو حتى أعضاء في أحزاب سياسية رسمية تعمل من خلال الدستور والقانون.

أما العمل النقابي، فالكل يتابع المحاولات الحكومية الحثيثة لإعادة السيطرة والتحكم في النقابات، خصوصا المهنية منها. يعتبرون الحريات النقابية فوضى، والنقابات المستقلة التي تم إنشاؤها بعد الثورة تعتبرها السلطة مجرد مؤامرات دولية ومخططات لتدمير مصر. إنه منهج الاحتواء الوظيفي، والفكر الناصري نفسه الذي قام بتفكيك المجتمع المدني واحتوائه، زعما منه أن الحريات النقابية مخططات غربية يجب القضاء عليها، فهذه المنظومة الحاكمة التي بدأت في خمسينيات القرن الماضي لا ترى في المجتمع المدني والنقابات سوى هيئات ومكاتب يجب أن تكون تابعة للحكومة، ولا تعمل إلا لتنفيذ الخطط والأوامر الحكومية فقط، مهما كانت فاشلة، بدون نقاش أو معارضة. وبناء على ذلك، لا يقتنع النظام الحاكم وأجهزته بأهمية المجتمع المدني الحر والنقابات الحرة، ولا يستوعب دور النقابات في الدفاع عن مصالح الفئة التي تمثلها، والمهنة التي تنتمي لها، فهذه المصطلحات هي مؤامرات خارجية، وبالنسبة لمعتقدات السلطة الحالية في مصر لا ينبغي للنقابات أن تواجه الحكومة، أو تعارض إصدار قانون أو إجراء، حتى لو كان يمثل خطرا على المهنة والقائمين عليها، فالحكومة وحدها من يعرف مصلحة الشعب، ولا يجوز معارضتها. ومن في السلطة يحاول دائما إقناع نفسه قبل ترويج أن المجتمع المدني الحر والنقابات الحرة مؤامرات غربية تسعى إلى هدم الدولة وتفكيكها.

للمجتمع المدني عموما، والنقابات خصوصا، دور مهم في الحفاظ على الدولة والمجتمع

حقيقة الأمر عكس ذلك تماما، فللمجتمع المدني عموما، والنقابات خصوصا، دور مهم في الحفاظ على الدولة والمجتمع. والمجتمع المدني القوي والنقابات القوية تعني دولة قوية، لا تنهار الدولة القوية بمجرد تغيير رأس السلطة أو بتغيير نظام الحكم، بل إن الدولة التي تتركز فيها السلطات كلها في يد شخص، أو جهاز، أو مجموعة، هي التي تنهار بسهولة، عندما يتم تغيير ذلك الشخص، أو عندما تحدث ثورة على تلك المجموعة. ولذلك، تدعيم استقلالية المجتمع المدني وقوته، ومن ضمنه النقابات، هو تقوية ودعم للدولة، عكس ما تروجّه السلطة وأجهزتها.

ربما تشرح هذه المقدمة، ولو بقدر بسيط، سبب قراري فجأة تقديم أوراقي للترشح في انتخابات نقابة المهندسين المصرية 2018. ربما كان تركيزي في الأعوام الماضية على قضية التغيير بشكل عام، أو النشاط المعارض ذي الطابع الاحتجاجي بشكل خاص، ولكني لم أغب عن العمل النقابي بشكل عام، فقد كنت جزءا من مجموعة مهندسين ضد الحراسة منذ عام 2005، عن طريق مجموعة المهندسين الديمقراطيين. ربما لم أشارك بشكل كبير في العمل النقابي بعد الثورة، لتسارع الأحداث والتغيرات السياسية، ثم ظروف السجن والمراقبة. ولكن على المستوى الشخصي، وباعتباري مهندسا، بالتأكيد مستاء من تدني الخدمات النقابية وضعف دور النقابة في رعاية الهندسة والمهندسين، ومستاء من تجاهل النقابة التي يفترض بها الدفاع عن مصالح المهندسين هذا الحجم المهول من البطالة في صفوف شباب المهندسين، أو إهمال النقابة دورها في الحفاظ على النسق المعماري والتخطيط الحضاري السليم، أو إجبار النقابة على اتخاذ مواقف سياسية بعيدا عن دورها الحقيقي.

لست من أنصار خلط العمل السياسي بالعمل النقابي. وأرى أن هناك حدا لا يجب تجاوزه مهما كان، هناك نقاط تقاطع بين العملين، السياسي والنقابي. لم يعجبني تبنّي نقابة المهندسين  المصرية مواقف السلطة في أثناء فرض الحراسة عليها في عهد مبارك. ولم يعجبني دفاعها عن جماعة الإخوان المسلمين في أثناء حكم الجماعة. ولم يعجبني سفر نقيب المهندسين (الناصري) الذي تولى النقابة بعد إزاحة النقيب الإخواني، إلى دمشق، لدعم السفاح بشار الأسد. وبالطبع ضد محاولات الحكومة الحالية للسيطرة على النقابة، من خلال قوائم وزراء ومسؤولين سابقين ومهندسين عسكريين. وأيضا لست من أنصار أن تكون النقابة كيانا معارضا، أو تدخل في صراع صفري مع السلطة، فأنا من أنصار أن تكون العلاقة بين النقابات والحكومة علاقة شراكة وتعاون وتفاوض، وأن يكون الصدام والتصعيد في أضيق الحدود.

ملاحظة أخيرة، لا علاقة مباشرة لها بموضوع العمل النقابي. ولكن هناك نقطة تلاقٍ، فقد كان هجوم اللجان الإلكترونية التي تؤيد السلطة، واستخدامها سلاح الشائعات والتخوين، متوقعا منذ إعلاني ترشحي في نقابة المهندسين. وكذلك لم يكن هجوم لجان جماعة الإخوان المسلمين ونشر شائعات ومعلومات غير صحيحة مفاجئا، فهو نوع من الانتقام وتصفية الحسابات، بسبب المشاركة في الحراك ضد حكم "الإخوان" وأخطائهم، في ما قبل 30 يونيو/ حزيران 2013. ولكن كان مفاجئا كل هذه الكراهية التي ظهرت في خطاب أنصار جماعة الإخوان ولجانها ضد الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، القيادى الإخواني السابق ورئيس حزب مصر القوية الحالي (والمعتقل حاليا)، وتحميله المسؤولية عن كل ما حدث وما يحدث في مصر، على الرغم من أنه موصوم بأنه إخواني بسبب مواقفه المعارضة للنظام الحالي، وعلى الرغم مما يحدث من اعتقالات في صفوف قيادات حزبه، بسبب دفاعه (الحزب) عن حقوق الإنسان، ورفضه التنكيل بـ"الإخوان" وغيرهم تحت شعار محاربة الإرهاب، فلا يزال الاختلاف عند هذه الجماعة خطيئة، والانشقاق جريمة لا تغتفر. ولذلك لا يبدو أن هناك مَخرجا مما نحن فيه في المستقبل القريب، أو حتى البعيد، وإن كان هناك حدث عظيم في يوم من الأيام فستتكرّر الأخطاء والصراعات نفسها من دون أي نقصان، إن لم تكن أكثر حدة وعنفا.

نعيد نشر هذا المقال نقلا عن موقع العربي الجديد


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.