Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

الحراسة الليلية: وجع حياة لا مهنة

إن هذا العمل لم يعد مهنة بل أصبح وجع حياة مستمر

 

Artur Widak/SIPA USA/PA Images. All rights reserved.نيامٌ في النهار ومستيقظون في الليل، ليسوا جنوداً في الثغور ولا ممرضات بقسم الإسعافات، والأصعب أن عملهم يجمع كل ما سبق وقد يتعداه، إنهم الحراس الليليون. وجوه مألوفة لنا وأشخاص نأتمنهم على ممتلكاتنا، غير أننا لا نتقاسم معهم قسوة الليالي وخطورة مهامهم وقد لا نتضامن مع معاناتهم. ولكي نطلع على جزء يسير من ذلك، رافقنا بعضاً منهم وتوقفنا على محطات يكررونها كل ليلة كجزء من تحديات مهنتهم الصعبة.

أشرف (اسم مستعار)، ليس سوى واحداً من آلاف الحراس الليليين غير المهيكلين المتوزعين بأغلب المدن المغربية، في المساء مع انقشاع ضوء النهار يباشر عمله كحارس ليلي على امتداد الشارع الأساسي بمدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط، وتتوزع مهمته بين حراسة المحلات التجارية والمنازل على طول الشارع والسيارات، والمراقبة واليقظة ورصد كل التحركات المشبوهة.

 من جانبه، يبدأ مروان (اسم مستعار)، انطلاقته بزاويته المحورية التي تنفرد بموقعها الاستراتيجي، إذ تتيح له مراقبة وتتبع كل الحركات على امتداد الشارع، مراقباً كل زواياه ومداخله. مروان رجل خمسيني متقاعد، التحق بهذه المهنة منذ سنوات قليلة، يقول: "أفضل العمل على الجلوس في المنزل". كلب الحراسة، هو رفيقه ليلاً، رغم أنه قد يشكل عبئاً مادياً زائداً للعناية به.

علي (اسم مستعار)، التحق بهذا الميدان خلفاً لوالده بعد مرضه، يقول: "أنا الحارس الأساسي في هذا الحي منذ أكثر من عشر سنوات، انتقلت للعمل عوضاً عن والدي الذي أنهكه العمل ليلاً". يجلس علي بهدوء في منزل الحراسة للمراقبة الذي لا يتعدى أن يكون بيتاً خشبياً يتسع لشخص واحد، في كل زواياه نوافذ تسمح له بالمراقبة وتقيه قسوة الليالي. كما يعتبر علي نفسه محظوظاً، فالكثيرون من قرنائه لا يملكون مثيلاتها، كما يتسلح بعصا احتياطاً لهجمات يشهدها أمثاله، إذ أن  الحذر والمراقبة أساسيتان في هذا المجال.

تتباين تفاصيل حكايات هؤلاء الحراس غير أنها تتقاطع في زوايا عدة، إذ يحصل الحارس الليلي على ترخيص من المصالح البلدية، وإن كانت تفتقر لإطار قانوني ينظم عملهم، وبالتراضي مع السكان يجد الحارس لنفسه عمل براتب شهري. ويُجمع من التقيناهم على أن الرواتب لا تكفي احتياجاتهم، وأنهم يراهنون على كرم سكان الحي. ويتأسف علي أن بعض السكّان يتهرب من أداء واجب الدفع الشهري، كما قد يحرض أحدهم ضد الحارس ويتهمه بالتجسس لمضايقته.

وبرغم أن الحراس الليليون يقدمون خدمات جيدة وأساسية، إلا أن شركات الحراسة تزحف على المؤسسات الأساسية كالبنوك والإدارات العمومية وغيرها لاستبدالهم بموظفين أمنيين تؤمنها شركاتهم، بدعوى أن هذا القطاع غير مهيكل.

إن هذا العمل لم يعد مهنة بل أصبح وجع حياة مستمر

وتتم هذه العملية  بإطار قانون يحميها، وهو قانون 27.06 المتعلق بأعمال الحراسة ونقل الأموال الصادر بتاريخ 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، لتأطير القطاع المتنامي بالمغرب. غير أن هذه الشركات تُتهم بتجاوزات قانونية؛ كحرمان الحراس والعمال من حقوقهم كالتأمين الصحي، والرواتب الجيدة، وتنظيم ساعات العمل. كما أنها قد تساهم في تدهور أوضاعهم المادية ودفعهم لمزاولة العمل في شروط لا إنسانية. كما يتم اتهامها بتسيير القطاع بمنطق الفوضى.

إلا أنه وبرغم أن هذه الشركات تحاول تقديم خدمة بديلة للحراس الليليين، غير أن بعض القطاعات والأحياء تبقى وفية لخدمات الحراس وتحاول الحفاظ على عمل هؤلاء الناس. وكما لخص مروان مهنة الحراسة الليلية فإن هذا العمل لم يعد مهنة بل أصبح وجع حياة مستمر.

 

About the author

كاتب وباحث مغربي، حاصل على الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس، الرباط.

 


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.