Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

Mr. Gay Syria أين أنت يا حبّي؟ أنا هنا يا حبّي

يشكّل الفيلم توثيقاً مهمّاً لعالم شخصيّات سوريّة تتقاطع مصائرها مع الكثير من الأسئلة السياسيّة والاجتماعيّة

 

No attribution needed. من نافل القول إنّ ملايين السوريين والسوريات الذين لجئوا من بلدهم إلى دول العالم المختلفة في السنوات الأخيرة، لم يخرجوا من سوريا دون حمل مشاكل البلد الاجتماعيّة والثقافيّة على كاهلهم، ناهيك عن تلك السياسيّة التي يعيشون على وقعها بشكل يومي في أوطان اللجوء المختلفة.

 إحدى أهمّ تلك "المشاكل" التّي حملها السوريّون هي أسئلة أساسيّة تتعلق بالحريّات الفرديّة والاجتماعيّة التي كانت مقموعة في بلدهم لأسباب مختلفة، فمع موجات هجرة السوريّين، خرجت من سوريا نساء مقموعات ومعنّفات طالت الكثير منهنّ لعنة العنف حتّى في بعض  بلاد اللجوء الّتي  يسودها دور القانون، كما خرجت من سوريا فئات اجتماعيّة مضطهدة لأسباب مختلفة، منها مثليّون ومثليات، كانت مجموعة منهم لاجئة في تركيّا موضوع فيلم "Mr. Gay Syria" للمخرجة التركيّة عائشة توبراك، والّذي بدأ عرضه في صالات السينما الألمانيّة مؤخّراً.

 اليأس لدرجة الشجاعة

يتابع الفيلم رحلة الناشط السوري محمود حسّينو، ومجموعة أخرى من أعضاء تجمّع "شاي وحكي" في مدينة إسطنبول التركيّة خلال تنظيم مسابقة لاختيار Mr. Gay Syria من أفراد مجتمع المثليّين السوريّين اللاجئين في تركيّا، وذلك بغرض المشاركة في المسابقة العالميّة Mr. Gay world المقامة في مالطا عام 2016. تنتهي المسابقة في نسختها السوريّة بفوز حسين المقيم في إسطنبول، والمتزوّج زواجاً تقليدياً من فتاة لديه منها طفلة صغيرة، والذي يحلم بالحصول على تأشيرة لدخول أوروبّا وطلب اللجوء "لإنقاذها من المجتمع العنفي الذي تعيش فيه".

 بعد فوز حسين باللّقب، تبدأ رحلة الحصول على تأشيرة السفر، والتي كانت أحد دوافعه الأساسيّة لدخول المسابقة في المقام الأوّل، وللظهور أيضاً في فيلم المخرجة التركيّة، والّتي تتابع عدستها التفاصيل المحبطة لرفض تأشيرة سفر حسين من قبل سفارة مالطا، لينتهي الأمر بمنظّم المسابقة في نسختها السوريّة "محمود حسيّنو" للذهاب وحيداً إلى الحدث الدولي، دون منافس سوري على اللقب، ولكن أملاً في أن تسلّط مشاركته الضوء على معاناة المثليّين السوريّين.

 يتابع الفيلم أيضاً معاناة مجموعة أخرى من المثليين السوريّين في إسطنبول، والذين تفرقّهم أيضاً مأساة تأشيرات السفر نحو القارّة الأوروبيّة، والتي ينتظرها جميعهم بفارغ الصبر أملاً في الهرب من وضعهم الهش قانونيّاً واجتماعيّاً في تركيّا. وفي حالة حسين، للهرب أيضاً من مجتمع الظلّ السورّي ممثلّاً بالعائلة التي لا تتقبل مثليته بحال من الأحوال، الأمر الذي يدفعه للتعبير باختصار بليغ عن مصدر "الجرأة" التي خوّلته المشاركة في هذه المسابقة المحفوفة بالمخاطر، وذلك عبر حوار مع أحد منظّمي المسابقة.

 "-بدنا نسألك عن مشاركتك معنا. شو فينا نصنّفا شجاعة ولّا يأس؟

-وصّل اليأس لدرجة الشجاعة، هيك فيني قلّك. التنتين!"

فالفيلم يظهر في غير مكان تقاطع المصلحة الشخصيّة عند شخصيّاته متمثّلة في النجاة، مع تحقيق قدر عال من الثورة والتمرّد، وذلك بعكس المعادلة النمطيّة التي تربط الجرأة غالباً بالخسارة والفقد. وبذلك ينجح الفيلم في تصوير حياة شخصيّاته برماديّتها، أي بكونها ليست خيارات شديدة الوضوح بيضاء أو سوداء، كما ينجح أيضاً بـ"أنسنة" مثليّي سوريا عبر لقطات عفويّة مختلفة للحظات علاقاتهم العاطفيّة القائمة على الحب والارتباط (في حالة الزوجين المثليين في الفيلم) أو حتّى أدوارهم الاجتماعيّة كعمل حسين مثلاً كحلاّق للذكور، بعيداً عن الصورة النمطيّة للمثليّين في المنطقة العربيّة كعاملي جنس، وخارجين عن القانون.

لا يخفى على متابع الفيلم مدى جاذبيّة موضوعه لسوق الوثائقي العالميّة، وبخاصّة في العصر الحالي لازدهار سياسات الهويّة

 لاجئون وسياسات هويّة

على المقلب الآخر، لا يخفى على متابع الفيلم مدى جاذبيّة موضوعه لسوق الوثائقي العالميّة، وبخاصّة في العصر الحالي لازدهار سياسات الهويّة، فالفيلم يعرض قصّة لاجئين، مثليّي الجنس، وفي الوقت ذاته مقيمين في تركيّا التي يحظى نظامها السياسي بكثير من السخط في أوساط النخب الثقافيّة الأوروبيّة، وبخاصّة في ألمانيا الّتي يعرض الفيلم تجاريّاً في صالات مدن مختلفة منها. الأمر الذي قد يضع الفيلم في خانة الخيار الـ"الجذّاب" لصناديق الدعم، وفرص المشاركة في المهرجانات والجوائز، ما قد يترك المتابع بين خيارين لقراءة الفيلم. الأوّل في سياقه السوري كفيلم عن اللاجئين السوريين في تركيّا، والثاني قراءة الفيلم كاقتناص ذكي من المخرجة عائشة توبراك لموضوع قابل لـ"البيع" بسهولة في السوق العالميّة.

 إذا ما بقينا في فلك القراءة الأولى، سوريّة الطابع للفيلم، فسنجد أنّه من الأفلام القليلة التي تسلّط الضوء على حياة أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري على الأراضي التركيّة، كما تشكّل حقيقة كون مخرجة تركيّة الجنسيّة عاملاً إيجابيّاً وسط ما يبدو أنّه توجّه متأخّر من صنّاع السينما الأتراك لصناعة أفلام عن حياة السوريّين المقيمين منذ سنوات في بلادهم، أو أفلام أخرى عن أحداث الثورة السوريّة. وسط الاحتقان في بعض أوساط المجتمع التركي تجاه اللاجئين السوريّين، والذي ينفجر من فترة لأخرى على شكل أحداث عنف جماعيّة، يتخلّلها مطالبات بترحيل اللّاجئين السوريّين إلى سوريا.

 مع وجود هذا الخوف من الترحيل، الذي قد يكون الطريق الأقصر إليه التورّط في أيّة قضيّة عامّة في تركيّا، يطمئن حسين أصدقائه قبيل مشهد مظاهرة لمجتمع الميم في مدينة إسطنبول بأنّ السوريّين لن يكونوا وحدهم في المظاهرة، بل "سيكون هناك الكثير من الأتراك" الجملة التي تعني وفق معجم سوريّي تركيّا أنّ المسؤوليّة في حال حصول أمر "سيّء" لن تلقى على كاهل السوريّين وحدهم.

 ومن هنا، وعلى وقع شعار "أين أنت يا حبّي؟ أنا هنا يا حبّي!" الذي يردّده المتظاهرون والمتظاهرات، يتابع حسين خلال وقوفه على طرف الشارع خائفاً عناصر الشرطة المندفعين في الشارع لفضّ المظاهرة، في صورة معبّرة عن وضع اللاجئين السوريين في تركيّا، وربّما أيضاً عن وضع فئات واسعة من المجتمعات العربيّة، تعجز عن إيصال صوتها فيما يتعلّق بقضايا جوهريّة بالنسبة لأفرادها على أراضي بلادها، أو حتّى في بلاد اللجوء دون وجود "الكثير من الأتراك" حسب تعبير حسين العفوي.

 إلاّ أن "كيمياء" الحراك الاجتماعي التي يعكسها الفيلم، تلتقط بين أشياء أخرى شعار "أين أنت ياحبّي؟ أنا هنا ياحبّي!" المستخدم عادة في مظاهرات مجتمع الميم التركي، والّذي لا يتقاطع لفظه التركي مع اللّغة العربيّة فقط*، ولكن أيضاً يشكّل الشعار بالنسبة لمردّديه تذكيراً بمظاهرات "غيزي بارك" عام 2013، التّي رٌدّد فيها الشعار ذاته، حيث كانت المظاهرات في حينها متأثّرة بالمزاج العام لحركات الربيع العربي والاحتجاجات الشعبيّة التي عمّت معظم بلدان المنطقة.

 فبالمحصّلة النهائيّة، يشكّل Mr. Gay Syria توثيقاً مهمّاً لعالم شخصيّات سوريّة تتقاطع مصائرها مع الكثير من الأسئلة السياسيّة والاجتماعيّة، والّتي يبدو أنّ التطرّق لها لن يكون سهلاً دون الوقوع في مطب التصنيف تحت وسم الانصياع لرغبات سوق سياسات الهويّة المزدهر، ولكنّ واقع الحال أنّ الصدف شاءت أن يخرج السوريّون إلى العالم ويمتلكوا قدرة التعبير عن ذاتهم في هذه الأوقات الملتبسة بالذات، وليس في أيّ وقت مضى.

 

*بالتركيّة: nerdesin aşkım? burdayım aşkım. حيث كلمة "آشكيم" باللفظ التركي تحيل إلى كلمة "عشقي" العربيّة.

 


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.