Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

عندما يخذل الفلسطينيون أنفسهم

نحن أمام سقوط مدوّي لثقة الفلسطينيين بالأحزاب وبكونها جزءا من منظومة النضال الفلسطيني. كيف يمكننا تفسير ذلك؟

متظاهرون فلسطينيون يحملون العلم الفلسطيني خلال مواجهات مع جنود اسرائيليين شرق مدينة غزة. NurPhoto/SIPA USA/PA Images. All rights reserved خذل الفلسطينيون أنفسهم مرات عديدة خلال القرن الماضي ، ابتداءً من الانقسام العشائري المقدسي الذي وضع حياة الفلسطيني موضع تجاذب سياسي واجتماعي ، أدى لخسارة الفلسطينيين الكثير من اللحظات التاريخية التي كان من الممكن خلالها تحقيق أهداف سياسية بسهولة كبيرة. وانتهى المطاف بالمطالبة بأقل من تلك المطالب بعد العشرات من السنوات ، وكأن الرؤية الفلسطينية كانت مغبرة غير واضحة وبدون استراتيجية سياسية يمكن الارتكاز عليها آنياً أو للمستقبل كجزء من سلاح وطني فلسطيني لمواجهة تحدّيات ومتغيّرات إقليمية ودولية تضع الفلسطينيين في موقف لا يحسدون عليه.

وهنا أودّ الإشارة إلى أنني أحبّذ استخدام كلمة "الفلسطينيين" وليس "القضية الفلسطينية". فالقضية الفلسطينية لم تعد تلك القضية التي يدافع عنها الفلسطيني ولا العربي بل أصبح مصطلح القضية الفلسطينية مفروغ من ذاته ومن معانيه. أما كلمة الفلسطينيين فتُستخدم لكي نشير إلى الكل الفلسطيني في الداخل والخارج وللإنسان الفلسطيني. ومن ثم هذه الكلمة تسمح بالابتعاد عن التأطير السياسي الذي تستخدمه المنظمات والأحزاب الفلسطينية في تجاذباتها السياسية في محاولة لتجيير اسم القضية لصالح برامج الحزبية وتأطيرها في أيديولوجياتها ، في حين أنّ أغلبية الفلسطينيين لا يثقون بهذه الأحزاب التي تدّعي تمثيلهم. فتشير الإحصائيات في الباروميتر العربي لعام 2012 والتي شملت الضفة الغربية وغزة بأن أكثر من 80% ليسوا أعضاءً في الأحزاب السياسية و 28% يعتقدون بأنّ الفساد زاد بنسبة أعلى عن العامين الماضيين ، بينما في العام 2017 كان هناك 50% من هؤلاء لا يثقون بالأحزاب السياسية مطلقاً و أكثر من 25% لديهم ثقة محدودة جداً بالأحزاب السياسية وأكثر من 85% ليسوا أعضاءً في أيّ من الأحزاب السياسية.

 الأغلبية لا تثق بهذه الأحزاب

نحن هنا أمام معضلة كبيرة وهي ثقة مكسورة في الأحزاب السياسية التي تقود الفلسطينيين وتمثل توجهاتهم السياسية-حسب ادعاءاتها. بينما الأغلبية لا تثق بهذه الأحزاب وليسوا أعضاءً فاعلين وهنا نفسّر النسبة الممثّلة ب 15% الغير منتمية لأيّ من الأحزاب السياسية من المنتفعين والعاملين ، واذا ما أجرينا استطلاعات الرأي حالياً بعد فشل المصالحة الفلسطينية والإجراءات التي تنفذها السلطة الفلسطينية في رام الله ، فنحن أمام سقوط مدوّي لثقة الفلسطينيين بالأحزاب وبكونها جزء من منظومة النضال الفلسطيني. بماذا نفسر ذلك؟

هل السبب يكمن في تمسّك الأحزاب السياسية خصوصاً حركتا حماس وفتح بالسلطة المنقوصة تحت ظلّ الاحتلال واستمرار الأحزاب الأخرى بلعب دور مهمّش في المجتمع الفلسطيني؟ لعله أحد الأسباب.

 خذلان الفلسطينيين الأكبر لأنفسهم كان في عام 2007 عندما بدأ الانقسام الفلسطيني

ربما هذا هو السبب الأوّل: تلاعب أكبر حركتين في مستقبل الشعب بأكمله في الداخل والخارج في ظل غياب رؤية وطنية فلسطينية موحّدة وانقسام شامل امتدّ لاصطفاف هذين الحزبين لمحاور إقليمية. يُضاف الى ذلك الانقسام الداخلي الفتحاوي الذي يؤثر بشكل سلبي على وجود دعم عربي موحّد للفلسطينيين في ظلّ التحديات القائمة بما فيها ما نعتقده "خطّة أمريكية" يتم تسويقها حالياً لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي من خلال تسوية غير عادلة وغير شاملة لكل الفلسطينيين. 

دعونا نقول إنّ خذلان الفلسطينيين الأكبر لأنفسهم كان في عام 2007 عندما بدأ الانقسام الفلسطيني بغض النظر عن الأسباب والمسبّبات فكلاً من حماس وفتح يتحمّلان جزءاً كبيراً من المسؤولية. وبعد أحد عشرة عاما من الانقسام المستمر، نستطيع أنْ نستنتج أنّ هذا الانقسام سيستمر ، فتاريخ الانقسام الفلسطيني لا يعطينا مثالاً على إنهاء مثل هذه الانقسامات وارتداداتها المزمنة التي تستمر لعقود من الزمن وربما تتكاثر بشكل منهجي على كافة شرائح المجتمع.

وللأسف فإنّ الانتخابات الفلسطينية الشاملة التي يجب أن يتم تمثيل الفلسطينيين في الأراضي المتواجدين فيها كافةً لم تُعقد ، ولم يختارِ الفلسطينيون قيادة واحدة على مدار التاريخ تمثّلهم بشكل مباشر أو من خلال ديمقراطية مباشرة. بل يتم الاستعاضة عن ذلك بالتعيينات والتنسيبات الفصائلية التي تدّعي تمثيل جزء من الشعب الفلسطيني ، بالرغم ان بعض هذه الفصائل لم يعد بها سوى أعداد قليلة لا يتعدّى المئات.

وهناك حجّة شائعة بين القيادات الفلسطينية الحالية كالقديمة وهي أن الناس غير مؤهلين جيداً للمشاركة في صناعة القرار أو عن تعذّر انتخابات شاملة او إعطاء الفرصة للشعب للاختيار. وتمضي الحُجة بالقول إنه من الأفضل لمعظم الفلسطينيين أن يتركوا المجال ومهمة الحكم لأشخاص أكثر حكمةً منهم وغالباً يكونون من الأقلية الكبيرة (حيث إن معظم الشعب الفلسطيني شريحة شباب)، والتي أورثت أكثر من35% من الإدارة السياسية وخصوصا التمثيل الفلسطيني لنخبة قليلة منهم بإسقاطات براشوتية.

وللأسف فإنّ سلطتي أو حزبي الانقسام يضيفان خيبة أمل جديدة ويخذلان الفلسطينيين مجدداً من خلال تمسكهما بالسلطة ورفضهما الشراكة السياسية في أوضاع حرجة جداً.

إننا نفسر ذلك بأن السلطة المطلقة هي سلطة محبّبة حتى لو كانت تحت الاحتلال على حساب المصالح الوطنية العليا حتى في غياب استراتيجية وطنية وبرنامج وطني موحّد.

ما تريده القيادات الفلسطينية حكم تشاركي على طريقة "أمراء المناطق والجبال" ليتمتعوا بالسلطة المطلقة

أحد البارونات الإنكليز ، اللورد اكتون ، تمكّن من تلخيص تأثيرات السلطة المحتملة في ماسكيها بشكل محكم وذلك في تصريح شهير يقول فيه: "تميل السلطة الى الإفساد ولكن السلطة المطلقة تؤدّي إلى فساد مطلق". اما وليام بت وهو أحد رجال الدولة البريطانيين الذين يمتلكون خبرة هائلة في الحياة السياسية فقد قدّم قبله بقرون من الزمن ملاحظة مشابهة فقال : " السلطة المطلقة تميل الى افساد عقول الذين يمتلكونها".

وعلى ذلك فإن تنبؤي بنجاح المصالحة الفلسطينية وإعادة قطاع غزة والضفة الغربية لتتبع هيئة سياسية موحّدة بعيد المنال ليس لأن السلطة المطلقة صعبٌ التخلي عنها فقط ولكن –أيضاً- لأسباب أيديولوجية وإدارية وبسبب غياب برنامج وطني موحّد للجميع. ما تريده القيادات الفلسطينية حكم تشاركي على طريقة "أمراء المناطق والجبال" ليتمتعوا بالسلطة المطلقة في مناطق نفوذهم ضمن خطوطهم الأيديولوجية والإدارية والحزبية المعينة. وعلى ذلك فإن طبيعة الإنسان تشتبك مع غياب الوعي والممارسة الديمقراطية الفلسطينية الحزبية الداخلية وكذلك الممارسة الديمقراطية -بعيداً عن الانتخابات- بشكل عام منذ تأسيس السلطة في عام 1994.

فالخذلان الفلسطيني يبدو أنه سيستمر وسيُخسر الفلسطينيين أكثر مما يتوقعون ليس لأن العرب قد تخلّوا عنهم او أن أمريكا وترامب يريدون فرض الحلول عليهم ، بل أنّ غياب برنامج وطني موحّد واستمرار الانقسام الداخلي المستمر سيكون السبب الأول والرئيسي لذلك.

About the author

عبد الهادي العجله هو أكاديمي و باحث فلسطيني-سويدي يعمل حالياً كمدير تنفيذي لمعهد دراسات الشرق الأوسط في كندا.  يعمل عبدالهادي كباحث مشارك في معهد انواع الديمقراطية إلى جانب منصب المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط والخليج ​ في جامعة جوتينبرج السويدية​. عمل ككبير الباحثين مع منظمات دولية  تنفذ مشاريع مدعومة من المفوضية الأوروبية لدعم اللاجئين السوريين والدول المستقبلة لهم فى تركيا ولبنان والعراق. عمل سابقاُ كمستشار مع معهد أديان في بيروت. اختير فى العام 2018 كعضو فى الاكاديمية الدولية للعلماء الشباب ضمن اهم 200 باحث شاب. يعمل كعضو استشاري منتخب في رابطة السياسة والإدارة العامة في الشرق الأوسط وهو زميل العام 2015 للجمعية الأمريكية للعلوم السياسية -مجموعة الشرق الأوسط. حاصل على درجة الدكتوراة في علم السياسة المقارن من جامعتي ميلانو الإيطالية وجامعة جوتنبرغ السويدية، وعلى درجة الماجستير في السياسات العامة والحكم الرشيد من جامعة "زبلن" الألمانية واجازة الهندسة من جامعة الازهر بغزة وبتخصص فرعي دراسات ثقافية واسلامية.  عمل في منظمة الأمم المتحدة للمتطوعين في ألمانيا  وكان باحثاً زائراً في منظمة الأمم المتحدة للحفاظ على التراث العالمي في روما, ايطاليا. عبدالهادى زميل مؤسسة “سوليا” للتواصل الثقافى والحضارى، وزميل المعهد الملكي البريطاني للفنون والصناعة والآداب للعام 2016. أُختير كأحد الباحثين الشباب في العام ٢٠١٠ على هامش الذكرى الثلاثين لجائزة نوبل البديلة. كذلك هو زميل المؤسسة الألمانية للتبادل الأكاديمي في مجال السياسات العامة.   له العديد من الأبحاص الاكاديمية فى العلوم السياسية والاجتماعية. يكتب فى العديد من المجلات والجرائد وله العديد من المقالات باللغات العربية والانجليزية والايطالية والسويدية. سيصدر له هذا العام كتاب "الثقة والمؤسسات فى المجتمعات المنقسمة: لبنان، فلسطين وسوريا" عن دار النشر البريطانية L.Tauris


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.