Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

التقارب الإسلامي العلماني في العالم العربي : من أجل السلم المدني في المنطقة

من الصعب الوصول إلى تحوّل أو انتقال ديمقراطي سلمي سلس بدون إشراك مختلف الفعاليات المناهضة للاستبداد، بمختلف مرجعياتها الأيديولوجية من اجل اسقاط الاستبداد و بناء الديمقراطية.

تظاهرة في تونس خلال الثورة التي أطاحت ببن علي. Picture by khaled abdelmoumen / Flickr.com. Some rights reserved (CC BY 2.0).شهد العالم العربي في مرحلة ما بعد الاستقلال، صراعا فكريا قويا بين التيار الإسلامي المتمثل في حركة الإخوان المسلمين و تفرعاتها في المنطقة آنذاك، و بين تيار علماني يتكون أساسا من اليسار: (ماركسي، اشتراكي، قومي). هذا الصراع أدّى إلى تبلور قطيعة جذرية بين الجهتين لازالت بعض تمظهراتها حاضرة في النقاش الفكري و السياسي العربي-المغاربي إلى حد الساعة.

في مطلع هذا القرن، ظهرت بوادر الانفراج و التقارب، من خلال مراجعات جوهرية قامت بها مختلف الاتجاهات الفكرية والايدولوجية السائدة حينها، إضافة إلى بروز أصوات و هيئات مدنية تنادي بكبح هذا الصدام الطويل الأمد بين الاتجاهين الأكثر تجذرا في المجتمع. و لعل من الأسباب الرئيسية التي دفعت بعجلة الحوار إلى الأمام، هو الاتفاق على أن هذا الانقسام لا يخدم سوى قوى الاستبداد المهيمن. فهذا الأخير يستفيد من هذا التطاحن ويوظفه بما يخدم مصالحه المتمثلة أساسا في الاستمرار في السلطة والسيطرة والتحكم في النخبة السياسية وإلهائها عن معركة الديمقراطية الحقيقية، مع اعتماده على سياسة "فرق تسد" كما يقول المؤرخ والمفكر المعطي منجب في كتابه "مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب"، مما يبقي مسألة الديمقراطية مجرد حلم مؤجل بعيد الأمد. و جلي التذكير بأن الصراع الذي قام بين التيارين قد تمّ في بيئة يسودها الحكم المطلق و غياب الديمقراطية في الحياة السياسية العربية-المغاربية، مما مكن السلطة القائمة من استغلال الصراع للقفز على الواجهة و تقديم نفسها كبديل وحيد لكل الأطراف (١).

السياق

عرفت المنطقة العربية-المغاربية تحولات جوهرية على إثر سلسلة من الثورات اجتاحت منطقة شمال إفريقيا و الشرق الأوسط ضد السلطويات الحاكمة في ما بات يعرف بالربيع العربي، الذي انطلق أواخر سنة 2010 في شكل احتجاجات واسعة انطلقت شرارتها الأولى من تونس، تزعمها أساسا الشباب من مختلف الاتجاهات رافعين بذلك الشعار الأبرز "حرية كرامة عدالة اجتماعية".

أضحت مسألة التقارب الإسلامي- العلماني ضرورة ملحّة

و بعد "النكسة" التي اجتاحت المنطقة مؤخرا و المتمثلة في: انقلاب ٣٠ يوليو العسكري في مصر بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي و ما أسفر عنه من أحداث دموية كالقتل الجماعي الذي تعرض له المتظاهرين في ميدان رابعة العدوية و القمع الشرس المستمر إلى حدود الساعة على مختلف التيارات المناهضة للحكم العسكري ( حركة الاشتراكيين الثوريين، حركة 6 أبريل، جماعة الإخوان المسلمين، حزب الوسط...)، الحرب الدموية المدمرة في سوريا و العراق وبروز تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" كقوة همجية و كتهديد حقيقي بات يهدد العالم، استمرار الأزمة الليبية، وتغوّل الأنظمة ذات النزعة الاستبدادية في مختلف ربوع المنطقة ( المغرب، الجزائر، البحرين...) وتراجعها عن الوعود الإصلاحية التي أطلقتها عقب الربيع العربي، إضافة إلى التراجعات الغير المسبوقة في مجال الحريات و حقوق الإنسان.

أضحت بذلك مسألة التقارب الإسلامي- العلماني كضرورة ملحّة آنية ذات أهمية قصوى في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها المنطقة، لتجنب مختلف السيناريوهات الكارثية التي تحيل إما على استمرار الاستبداد الحاكم في السلطة أو فرضية العنف و متاهة اللاستقرار كالتي باتت تتخبط فيها بعض دول المنطقة.

مراجعات الطرفين تساعد على التقارب

مثلت المراجعات التي قامت بها بعض المجموعات من الطرفين (العلمانيين والاسلاميين) ابتداء من العقد الأول من هذا القرن، تحولا بارزا في العلاقة. فحزب الأمة المغربي (حزب محظور) ذو التوجه الإسلامي مثلا، يطالب بحرية العقيدة والمعتقد بالنسبة لجميع المغاربة، كما أنه يتبنى قراءات تنويرية للتراث الإسلامي، مع تأكيده على إعادة الاعتبار للعقل، كما يُعَرّف نفسه في وثائقه المرجعية على أنه حزب اجتماعي نهضوي تجديدي وديمقراطي. ومن غير المستغرب أنه (حزب الأمة) عقد مؤتمره التأسيسي سنة 2007 بمقر الحزب الاشتراكي الموحّد ذو التوجّه اليساري العلماني فيما كان هذا الأمر غير ممكن خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

كما أن شخصا كعبد المنعم عبد الفتوح وهو العضو السابق بمكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين، ومؤسّس حزب مصر القوية، لا يتردد في الدفاع عن الحوار العلماني-الإسلامي، والدولة المدنية وأهمية الحريات والحقوق في مصر بعد الثورة، مما يعتبره الكثير من المهتمين والمراقبين، على أنه من الشخصيات "الإخوانية" التي ساهمت في بلورة نظرة جديدة وفهم حديث داخل نسق الإسلام السياسي، فهو يعتبر أن من المستحيل أن تَتَشكل دولة الحق والقانون في ظل دولة دينية، تهيمن عليها جماعة أو حزب أو مذهب معيّن، يتم خلالها اضطهاد أقلية معيّنة على اساس انتمائها سواء كان ديني أو ايديولوجي مخالف.

التقارب العلماني-الإسلامي لا يلغي الاختلافات والتباينات الفكرية بين الطرفين

لا يختلف الأمر بالنسبة للعلمانيين، فقد أصبحنا نرى مؤخرا أن الكثير من الأحزاب الشيوعية العربية، تضم داخلها مناضلين متديّنين ومؤمنين، بل تنصّ وثائقها المرجعية على احترام الشعور الديني للمجتمع وعدم الوقوف ضده.

كما أن عدد لابأس به من المثقفين العلمانيين، كالرئيس السابق للجمهورية التونسية منصف المرزوقي، دحضوا ما يُروّج له البعض عن العلمانية، فعملوا على توضيح المفهوم الحقيقي لهذه الأخيرة، أي هو إحكام العقل والمنطق واحترام حقوق الإنسان في شموليّتها وغيرها من الأفكار المرتبطة بحرية الفرد والجماعة، من دون القطع أو مناهضة كل ما هو ديني، فتم القطع بذلك مع الاتجاه الاستئصالي الدوغمائي الذي ينضوي تحت ما يسميه عزمي بشارة في كتابه "الدين و العلمانية في سياق تاريخي" بالاتجاه العلماني الصلب (علمانية أتاتورك كنموذج).

فاقتناع كل طرف بعدم امتلاكه للحقيقة و حصرها، مهد إلى التقارب و التوافق في طريق بناء الثقة المفقودة في وقت كان قريب. و إذا كان البعض ضمن التيار الإسلامي قد قام بمراجعات مهمة بخصوص إشكالية الدولة و القبول بالبرلمان والدستور كمؤسسات رئيسة في الحكم و التسيير، فيقدموا انفسهم كتيار مدني ذو مرجعية دينية، فبعض العلمانيين كذلك أكّدوا على احترامهم للدين و التديّن، بل في أكثر من مرة أثبتوا على أن العلمانية لا تعني معادات الدين وأن فصل الدين عن مؤسّسات الدولة لا يعكس فصل الدين عن المجتمع أو عن الفضاء العام.

إلا أن ذلك لا يعكس النسق السياسي العربي بأكمله، فلا زالت أحزاب وتيارات وجماعات إسلامية متشدّدة، تتغذّى من الوهابية و السلفية المتطرّفة، تعتبر أن الديمقراطية بدعة، وأن حقوق الإنسان في شموليتها كفر، وأن كل يساري أو ليبرالي زنديق، كما أن العديد من هذه الحركات تختصر الديمقراطية في المسألة العددية، وتعتبرها ماهي إلا وسيلة للوصول إلى السلطة لا غير.

نفس ذلك ولكن بوتيرة مختلفة، نجده عند التيّار الاستئصالي (الغير ديمقراطي) من العلمانيين، الذي يعتبر أن كل الإسلاميين بمن فيهم المعتدلين، إرهابيين وظلاميين ويخدمون أجندات أجنبية معينة. لذلك فليس كل العلمانيين ديمقراطيين وليس كل الإسلاميين كذلك.

وجدير بالذكر أن التقارب العلماني-الإسلامي لا يلغي الاختلافات والتباينات الفكرية بين الطرفين، بل العكس، فهو ينمي النقاشات حول مختلف المواضيع الإشكالية، مادام ذلك يتم في إطار ديمقراطي وسلمي.

التقارب وإشكالية الانتقال الديمقراطي

لعل الكل يجمع بأن من الصعب الوصول إلى تحوّل أو انتقال ديمقراطي سلمي سلس بدون إشراك مختلف الفعاليات المناهضة للاستبداد، بمختلف مرجعياتها الأيديولوجية في جبهة ضاغطة ذات قوة تأخذ على عاتقها خوض غمار النضال من اجل اسقاط الاستبداد و بناء الديمقراطية. كما أن تدبير مرحلة ما بعد الاستبداد تحتاج إلى توافقات وطنية فوق حزبية تصب في المصلحة العامة ( تنازلات حركة النهضة في مرحلة ما بعد الثورة التونسية كمثال ). و دون شك أن التوافق ما بين الأطراف في ظل المرحلة الانتقالية، يشكّل شرطا مهما لإنجاح التحوّل و تكريس اللبنة الأولى في الطريق نحو الديمقراطية المنشود.

الكتلة التاريخية كنموذج

تستغل السلطويات العربية الانقسام القائم بين العلمانيين والاسلاميين لتعزيز حضورها واستمراريتها في الحكم

تبلور مفهوم "الكتلة التاريخية" الذي صاغه المفكر الماركسي الايطالي أنطونيو جرامشي في سياق طبعه مواجهة الفاشية و معالجة اشكالية التفاوت الحاصل بين الشمال و الجنوب الإيطالي. أراد جرامشي من خلال الكتلة خلق وحدة وطنية تصبّ في ابتكار ثقافة تغيير موجهة إلى طبقات و شرائح اجتماعية لا تستفيد من بقاء الوضع الراهن، والعمل على تكوين تحالف/كتلة تاريخية بينها. وباعتبارها (الكتلة) شبكة من العوامل والاطراف المشكلة للمجتمع المدني، التي تتفاعل فيما بينها بشكل يجعل كل واحد يؤثر في الاخر(...) فهي تعتبر استراتيجية عمل يجيب عن الأزمة (٢). واعتبر المفكر المغربي البارز عابد الجابري الذي أصل لهذا المفهوم في أدبياته أن الكتلة التاريخية في تكوينها يجب أن تتجاوز الحدود الايديولوجية الضيقة لجلب أكبر عدد من الفاعليين بغاية قيادة معركة الديمقراطية و التنمية. وكما قال في حوار لمجلة المستقبل العربي، عدد نوفمبر 1982: " إن الكتلة التاريخية كما ناديت و أنادي بها هي كتلة تجمع فئات عريضة من المجتمع حول اهداف واضحة". و بذلك فإن فكرة الكتلة التاريخية أو الكتلة الديمقراطية تشكل في نظر البعض المخرج الوحيد من أزمة الاستبداد كالتي تطبع العالم العربي-المغاربي.

ومن الواضح أن جل البلدان التي أنجز فيها تحول ديمقراطي ناجح، عرفت تَشكل كتلة جامعة لأغلب التيارات المتنافرة ايديولوجيا، عبر توافقات تقدم فيها الهدف العام و المصلحة العليا على المبدأ الايديولوجي/الفكري الذاتي، مما أدى في النهاية إلى استعجال في وتيرة مسار الانتقال إلى النظام الديمقراطي بأقل كلفة و بأسرع وقت.

تجربة هيئة ١٨ اكتوبر

هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات التونسية هي أوّل أرضية مشتركة تجمع بين الاسلاميين و العلمانيين التونسيين على أساس برنامج سياسي قائم على قاعدة دنيا للبناء الديمقراطي، أعلن عن تأسيسها سنة 2005 في كانون الأول/ دجنبر بهدف خلق جبهة قوية ممانعة لسلطوية زين العابدين بنعلي .

وقد تشكلت هذه الهيئة من تنظيمات علمانية وإسلامية ومدنية كحزب المؤتمر من أجل الجمهورية ذو التوجه اليساري المعتدل وحركة النهضة ذات الخلفية الإسلامية وحزب العمال الشيوعي التونسي ذو ايديولوجية ماركسية لينينية والوحدويون الناصريون...، إضافة إلى شخصيات مستقلة وجمعيات مدنية مناهضة للقمع والتسلط. وقد عملت اللجنة كما جاء في بيانها التأسيسي على تكريس وحدة العمل حول الأدنى من الحريات و فتح حوار حول مقتضيات الوفاق الديمقراطي التي تبقى في نظر اللجنة مفتوحة على كافة القوى المعنية بمعركة الحريات والتغيير، كما أكّدت اللجنة على احترامها لاستقلالية كل الأطراف المشاركة وقبولها للاختلاف وعدم إلزامها إلا بالاتفاقات والمواثيق المشتركة.

من يتخوّف من التقارب؟

تستغل السلطويات العربية الانقسام القائم بين العلمانيين والاسلاميين لتعزيز حضورها واستمراريتها في الحكم، وبذلك فهي تسعى إلى محاربة كل جهة تدعو للحوار أو التقارب بين الطرفين، خوفا من أن تشكّل جبهة واسعة من مختلف الاتجاهات ذات إجماع وطني مناهضة لحكمها أو منازعة لشرعيتها، تغيّر موازين القوى لصالح التغيير وتحوّل الصراع من عراك أيديولوجي إلى صراع من أجل الديمقراطية.

و لطالما استعملت هذه الأنظمة جلّ الوسائل للدفع إلى الصراع و التطاحن بين الطرفين من خلال الترويج بأن كل الاسلاميين مناهضين للديمقراطية والحريات، وأن حال صعودهم إلى كرسي الحكم سيتّخذون العنف أداة لمواجهة العلمانيين، كما تحاول (الأنظمة) أن تظهر للإسلاميين على أن كل العلمانيين ما هم إلا عملاء للغرب و أداة له لنشر الفحشاء و الرذيلة...، ليتم بذلك خلق فزّاعة ترعب الطرفين و تعمّق العداء بينهما لتظل السلطويات الحاكمة وحدها المستفيدة من الوضع.

 

(١) أحمد عصيد، الحوار العلماني الإسلامي بالمغرب الموانع و الحوافز، في : المعطي منجب (محرر) مواجهات بين الإسلاميين و العلمانيين بالمغرب، دفاتر وجهة نظر 2008، ص:10.

(٢) عبد العزيز الخال، مفهوم الكتلة التاريخية عند جرامشي. أوراق مركز نماء للبحوث و الدراسات رقم 118.

About the author

عبد اللطيف الحماموشي، صحفي مستقل من المغرب، طالب بجامعة محمد الخامس بالرباط، تخصص حقوق. مهتم بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في المغرب و العالم العربي


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.