Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

صورة الآخر في الثقافة الشفوية السورية

قبل الإنتفاضة السورية كانت العلاقة بين مختلف الطوائف السورية تحكمها التقية أو قل النفاق، كما هي العلاقة تماما بين النظام السياسي والشعب. English

ينشر هذا المقال ضمن ملف يتناول الثقافة الشفوية في سورية، بالتعاون والشراكة مع موقع حكاية ما انحكت، في محاولة لفهم جذور الطائفية والقومية وغيرها في سورية

حتى شهر آذار من عام 2011 بداية الإحتجاجات الشعبية ضد النظام السوري، كان الحديث الصريح والعلني عن المعتقدات الطائفية وصورة الآخر الطائفي لدى كل طائفة عن الأخرى من المحظورات في سورية، وهذا المنع لم يكن فقط من قبل النظام السياسي بخلفيته العقائدية القومية فحسب، وإنما أيضا بسبب المجتمع السوري والتقاليد الاجتماعية بين الطوائف المتنوعة في سورية.

يحكم هذه العلاقة بين الطوائف مفهوم التعايش المضلّل، والذي حلّ محل مفهوم المواطنة كمفهوم سياسي وقانوي وحقوقي أنتجه التطور الإنساني وعزّزته التشريعات الدولية وتشريعات ودساتير كثير من الدول.

النظرة العلوية للطوائف الأخرى 

ولنضع ما سقته أعلاه في سياق واقعي صريح، سأورد بعض المعطيات والمرويات الشفهية التي تتداولها الطائفة العلوية عن الطوائف الآخرى، والتي تشكل صورة موهومة فيها من الخيال الشيء الكثير. الأساس لتشكّلها (أي هذه الصورة) شعور الخوف من الآخر المختلف طائفياً نتيجة بعض المراحل التاريخية التي مرت بها سورية، والمنطقة بشكل عام، وخاصة الإحتلال العثماني في لبنان وسوريا، وما أفرزه من تخلف وطائفية وتهجير.

وُلدت وعشتُ حتى المرحلة الثانوية في بلدة (صبورة) تتبع لمحافظة حماة، وهذه المحافظة تتميز بتنوعها الطائفي والإثني، ورغم حالة السلام والتعايش بين مكونات المحافظة وعدم حدوث حروب أو حوادث كبيرة تذكر بين الطوائف، إلا أنَّ كل مكوّن يضمر خوفاً من المكوّن الآخر، عزّزته القناعات المذهبية السائدة.

حين خطبت فتاة من مدينة سلمية، تنتمي للطائفة الإسماعيلية، رفض غالبية أهلي هذا الأمر وحاولوا إفشاله بشتى السبل، ولم يذهب معي إلى خطبتها وعلى مضض إلا والدي وأخي وأختي. وبعد قراءة الفاتحة عادوا سريعاً إلى البيت، فيما هدّد أحد أصهرتي أختي قائلاً: إذا تزوّج أخوك البنت "السمعولية" اعتبري نفسك طالقاً. ولقد أصبح موضوع خطبتي موضوع الساعة في حارتنا بالضيعة، لكن البعض اعتبر المسألة طبيعية من شخص مثلي، معتقل سابق، ومتمرد على الطائفة لا بل خارج عن الملّة!

ومن حوالي الشهرين تزوج قريب لي، وهو عسكري في درعا، من امرأة أرملة حورانية لديها ثلاثة أولاد. الآن هو محل إدانة ومقاطعة، فهي سنية أولاً وأرملة ثانياً، أي ليست بكرا وأكبر منه سناً، خاصة وأنّ زواجه منها جاء في ظروف الحرب الضروس التي يعتبر العلويون سبب قيامها الحوارنة ودرعا، وهم من كان رأس حربة "المؤامرة الكونية" على سورية!

مثال آخر، أورده هنا يدلل على العلاقة الشائكة بين الطوائف في سوريا: أحد أقربائي وهو رجل دين يفاخر في البلدة وبين عائلته وأقربائه بأنه لم يدخل الى بيته أي شخص سني بحياته، وهذا ما يزيده احترام بنظر أهل الضيعة أو أغلب ناسها!

هناك قناعة فيما يخص الزواج بين الطوائف، تتكثف بالمثل السائر "الذي لا يتزوج من ملته يموت بعلته"، وخاصة لدى الطائفة العلوية. وعند حدوث أي مشكلة في الحياة الزوجية كما تحدث في العادة في كل العائلات، يردون الأمر وأسباب الخلاف لهذا الزواج الشاذ من خارج الطائفة!

وللتقليل والتصغير من شأن الطائفة الإسماعيلية يطلقون عليها "السمعولية"، أو "السمعوليين"، في حين تطلق الطوائف الأخرى على الطائفة العلوية اسم "النصيرية" أو "النصيريين"، وهذا الاسم مكروه لدى العلويين، ويعتبرون إطلاقه مقصود من الطوائف الأخرى للحطّ من قيمتهم.

ويسري قول آخر في ضيعتنا أو مثل يقول: "تغدّى عن السلموني (الإسماعيلي) ونام عند المسيحي"، حيث يعتبر العلويون أنّ المسيحيين لا يهتمون بالنظافة ولا يتطهرون بالماء أثناء دخولهم التواليت! لكن المسيحي أمين وموضع ثقة، أما الإسماعيلي لا يمكن الوثوق به أوالنوم في بيته!

بينما لدى الطائفة الإسماعيلية قول ومثل هو "عدو جدك ما بيودك"، أي أنّ العلويين يكرهون الإسماعيليين، لا بل يحقدون عليهم. وهذا الأمر جاء على خلفية الاقتتال والمعارك التي دارت في الساحل السوري (محافظة طرطوس) في العشرينيات من القرن العشرين بين الشيخ صالح العلي وقواته (العلويين) والطائفة الإسماعيلية.

وهناك عادات تخص الطوائف فيما يتعلق بالطعام، فالعلويون لا يأكلون من اللحوم سوى لحوم الذكر من الغنم والبقر والماعز، لذلك أغلب العلويين لا يشترون من أي لحام سني أو من طائفة أخرى خوفا من أن تكون الذبيحة لحم أنثى أو لحم غير مذبوح على الطريقة الإسلامية الصحيحة أو لحم (فطايس)، وفق التعبير الشعبي السائد.

وفي الساحل السوري يقولون أنّ المسيحيين يصبحون جدا بشعين ومجعدي الوجوه حين يكبرون بالعمر، لأنهم يأكلون لحم الخنزير ولأنهم طلبوا من الرب النضارة والجمال أول العمر!!

ويتهم العلويون الطائفة المرشدية (انشقت عن العلويين في النصف الأول من القرن العشرين بزعامة سلمان المرشد)، بأنّ لديهم عيد تمارس فيه الرذيلة حيث يتم الاختلاط بين الرجال والنساء (المتزوجين) ضمن حفل ماجن، تطفأ الأضواء ويخلتط فيه الحابل بالنابل!

ويسود لدى العلويين في منطقتنا قناعة مفادها: أن البدوي لئيم وغدار وينبغي الحذر منه دائماً، فالمنطقة كان يسكن فيها البدو ضمن خيم أو بيوت شعر (خيم مصنوعة من شعر الماعز) وكانوا يعملون برعي الأغنام ويهتمون بقطعان الضيعة، فالعلاقة بين السكان والبدو يحكمها نظام الأجير والسيد، أي صاحب القطيع والبدوي الذي يعمل لديه بالرعي. 

دولة طائفية في جوهرها 

طبعا السلطة في سورية، وخاصة خلال الخمسين سنة الأخيرة كانت تلعب اللعبة الطائفية وتكرّس بشكل غير مباشر هذه المفاهيم الطائفية، لتبقى العلاقة بين الطوائف سطحية يشوبها الخوف والحذر وعدم الثقة. فخلال دراستنا في المرحلة الثانوية في مدرسة البلدة (وهي مدرسة كبيرة يدرس فيها من كل القرى المجاورة لقريتنا ومن كل الطوائف). كل عام في بداية السنة الدراسية كان يقوم أحد الموجهين في المدرسة، وهو مسؤول بعثي (الحزب الحاكم) بدراسة على الطلاب وطوائفهم، ويجري عليهم مسح طائفي لتحديد طائفة كل شخص وما هي اتجاهاته السياسية.

وفي أول وعينا واختلاطنا مع زملائنا من كل الطوائف، ومن خلال زياراتنا المتبادلة وتعرّفنا عن قرب على أصدقاء من كل الطوائف، بدأت تتكسر المنظومة الطائفية المتكرسة في رؤوسنا خلال سنوات الطفولة، حيث الأحاديث والمرويات الشفهية تشكل خزان المعرفة الأولى، وتبذر بذورها في الوعي وتساهم في تشكيل صورة الآخر. وساهم في هذا الوعي الجديد الأفكار اليسارية والماركسية التي آمنا بها بداية المراهقة.

ونتيجة هذا الاختلاط بين الطلاب والأحاديث التي كنّا نتداولها، تمّ تصنيفنا من قبل نفس الموجه العضو البعثي في خانة أعداء البعث، واكتشفنا لاحقنا في فترة الاعتقال (اعتقل الكاتب بين أيار 1985 وكانون الأول 1991 كونه صديقا لحزب العمل الشيوعي)، أنّ تقارير كثيرة عن صداقاتنا وأحاديثنا تمّ إرسالها إلى أجهزة الأمن، أي أنّ السلطة والأجهزة الأمنية حريصة على هذه المنظومة من العلاقات الطائفية، ويساورها الخوف من أيّ علامات جديدة تدل على وعي جديد أو شكل اجتماعي مختلف عما تريد هي تكريسه ضمن المجتمع السوري، لكنها تغلفه ببروباغندا إعلامية مزيفة عن الوحدة الوطنية والقومية والتماسك الاجتماعي، لا بل وتمنع أي دراسات اجتماعية أو علمية عن الطوائف في سورية أو فتح المجال للنقاش في العلاقات الطائفية في وسائل الاعلام أو ضمن المنتديات أو المجال العام، مما يزيد الطين بلة، فيزداد الخوف من الآخر وتتعزّز الأوهام.

أما بالنسبة للجيش فالخدمة الالزامية تجعل الاختلاط بين أشخاص من مختلف الطوائف والعشائر أمر حتمي. ورغم أنني لم أخدم الخدمة الالزامية في الجيش كوني معتقلا سابقا لمدة سبع سنوات، إلا أنني ومن خلال أقاربي أعرف تكوين الجيش والعلاقات الاجتماعية بين أفراده. وبسبب الخوف لا يمكن التحدث عن الطوائف في الجيش أبدا، فسيطرة أجهزة الأمن على الجيش والرقابة شديدة جدا... ورغم علاقات الزمالة الوطيدة ظاهريا في الجيش، إلا أن هناك تمييز طائفي غير معلن فيما يخص مثلا الامتيازات والمناصب والإجازات…

الزواج المختلط والشرف 

بالعودة الى قصة خطبتي التي أوردتها أعلاه، أذكر أمرا طريفا: حين يتزوج أي شاب درس في الغرب أو في روسيا أو في أوروبا عموما من امرأة غربية ترى الناس يتقاطرون لرؤية هذه المرأة والتعرّف عليها. هذا الزواج ربما يكون مصدر فخر لأهل الشاب! بينما إذا تزوج الشاب من امرأة في حارته لكنها من غير طائفته، فالويل والثبور وعظائم الأمور! ويردُّ البعض هذا التسامح من الزواج بأجنبيات الى ما يسمّى "عقدة الخواجة".

طبعا رد الفعل فيما يخص الزواج ليس متساويا لدى كل الطوائف، فأقسى ردات الفعل نراها لدى الطائفة الدرزية حيث يصل في بعض الأحيان للقتل، وخاصة للنساء اللواتي يتزوجن خارج الطائفة، بينما تقف عند حدّ المقاطعة عند البعض الآخر كالعلويين والمسيحيين... بينما الموقف لدى السنة في قضايا الزواج المختلط أفضل نسبيا، بينما لا يشكّل الأمر أيّة مشكلة لدى الطائفة الإسماعيلية.

وفي حال تزوج شخص علوي من امرأة شيعية فليس هناك مشكلة تذكر، فرغم الخلاف العقائدي بين الشيعة والعلويين إلا أنّ بينهما بعض التقاطعات تجعلهم متحالفين أو قلّ متفاهمين إلى حد كبير وبخاصة الإتفاق على الإمام علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين.

وبالنسبة للمرأة العلوية، عادة ما يكون الزواج من رجل ينتمي لطائفة أخرى أكثر صعوبة وتصل العقوبة في بعض الأحيان إلى القتل (الكاتب هنا يتحدث عن ريفي حمص وحماة العلويين، علما أن الأمر مختلف في قرى الساحل السوري العلوية)

لكن في حال كان الزواج بين شخصين من طائفتين مختلفتين لكنهما من عائلات متنفذة أو ثرية أو معروفة أو ذات مواقع مهمة في السلطة فلا أحد يتجرأ على تهديد أي منهما. على سبيل المثال: كانت المخرجة والفنانة نائلة الاطرش متزوجة من الفنان الراحل خالد تاجا والأطرش درزية وتاجا سني شامي. ولكن لاعتبارات عائلية لم يعترض أحد أو قل لم يتجرأ أحد على التشهير بهذا الزواج، أو زواج جمال خدام ابن عبد الحليم خدام (السني) من حنان خير بك (العلوية)... ومن الزيجات الأشهر زواج الرئيس من امرأة سنية وزواج شقيقه ماهر أيضا من امرأة سنية وهذا على سبيل المثال لا الحصر. إذا جرائم الشرف يرتكبها فقراء ضد فقراء آخرين، فالسلطة لا يهمها الطوائف ولا الأديان بقدر ما يهما توظيفهما في شرزمة وتفتت المجتمع؟

ومما يكرس هذه الوضعية الطائفية، وخاصة فيما يتعلق بالزواج، القوانين! فعقوبة القاتل في جرائم ما يسمى الشرف سبع سنوات كحد أقصى وكانت قبل عام 2011 سنتين كحد أقص، وغالبا ما يتم تشجيع القاصرين من قبل الأسرة والعائلة إلى ارتكاب هذا النوع من الجرائم لأن عقوبتها لا تتعدى الأشهر.

التقمص والحفاظ على الأسرار 

ومن المسائل الملفتة في صورة الآخر الطائفي ما يتعلق بقضايا الموت، فكما هو معروف أنّ العلويين يؤمنون بالتقمّص، أي أنّ روح الإنسان تنفصل عند الموت عن جسده وتحلّ في مخلوق آخر، ليس بالضرورة إنسان آخر، فإذا كان الشخص المتوفي خيّراً سوف تحل روحه بالضرورة في جسد إنسان آخر، والكثير من القصص تروى ضمن الطائفة العلوية عن أشخاص (حدّوا في جيلهم) أي كانوا فيما مضى قبل موتهم أشخاص آخرين وأبناء لعائلات أخرى.

جارتنا الصبية وحينما كبرت قليلاً، أصبحت (كما يقولون في القرية) تروي قصتها، فهي كانت فتاة يهودية تقود طائرة حربية تمّ إسقاط طائرتها في حرب تشرين وماتت ثم خلقت من جديد في ضيعتنا. هذه العودة مجددا للحياة في أسرة علوية، تعني أنّ روح هذه البنت كانت طاهرة، بينما يؤمن العلويون أنّ غالبية أرواح السنة غير طاهرة، لذلك عندما تعود الروح للسكن في جسد آخر تعود إلى أجساد الحيوانات وربما أجساد ناس معاقين. وأيضا في الطائفة العلوية إذا كانت روح الشخص العلوي شريرة سوف يعيد خلقها الله في جسد حيوان (أفعى، كلب، حمار...).

ولا تقتصر قصص ومعتقدات العلويين على بعض ما أوردناه، إنما أيضا لديهم معتقدات عن لون الشخص، فإذا كان الشخص مصاب بالبرص، فهذا يعني أنه ملعون الروح وقد ارتكب في أجيال ماضية الكثير من الذنوب والمعاصي. وإذا كان لون بشرة الشخص أسمر غامق، يقولون عنه "أسود الجلد"، وهذه من ضمن الأفكار العنصرية التي تتضمنها هذه المعتقدات. فمثلا هناك قناعة لدى أغلب العلويين أنّ كل الفلسطينين غامقي اللون، لذلك لم يصدّق أهلي أن قسما من أصدقائي هم فلسطينيون، لكون بشرتهم بيضاء أو حنطية، واحد منهم فقط اقتنع أهلي أنه فلسطيني لكونه غامق البشرة.

العلويون لديهم ديانة سرية مقدسة لا يطلع عليها أو يدرسها غير العلوي، وإذا حصل وأن سرّبها شخص علوي لشخص من طائفة أخرى سيمسخه الله إلى حيوان أو ربما يصاب بالعمى أو الشلل مما يجعل الخوف من أيّة تسريبات عن الدين العلوي هو سيّد الموقف. وحتى اطلاع امرأة على العقيدة الدينية ولو كانت هذه المرأة علوية، فحتما سيصاب هذه الشخص بعاهة أو يعاقبه الله بعقوبة ما، والتفسير أنّ المرأة غير جديره بحمل السر وهي بالأساس ناقصة عقل ودين!

كما يعتقد العلويون أن لدى السنة ديانة سرية غير الظاهرية التي تدرس بالمدارس والجوامع، ولا يمكن إقناع العلوي بغير ذلك، فهو يعتقد أنّ السني لديه دستور سري يتضمن معتقداته عن الطوائف الأخرى، والتي تدفعه لكرهه وربما حين تحين الفرصة قتله! ويكاد يجمع العلويون أنّ الطائفة السنية تكره الإمام علي! ومن الصعوبة اقتناع العلوي أنّ علياً بالنسبة للسنة هو الخليفة الراشدي الرابع وابن عم الرسول ومن أوائل من آمن برسالة محمد، وهو بنفس قيمة باقي الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان... ومن المعروف أن الطائفة العلوية تعتبر هؤلاء الخلفاء الثلاثة تآمروا على علي بعد موت الرسول ولطالما أرادوا له الموت!

قبل الإنتفاضة السورية وفيما بعد الحرب الأهلية كانت العلاقة بين مختلف الطوائف السورية ومكونات الشعب السوري تحكمها (حسب رأيي) التقية أو قل النفاق، كما هي العلاقة تماما بين النظام السياسي والشعب، فالخوف من الاستبداد يولد ما يعرف بالتقية، أي الظهور بمظهر يختلف عما يعتمل في دواخل الإنسان.

الناس تعمل مع بعض في الوظائف الحكومية وفي الشركات وفي الحقول والأراضي، وفي التجارة والتسوق، وتشرب الشاي وتأكل أحيانا مع بعض... لكن هذه العلاقة علاقة سطحية تتعلّق بالعيش المشترك الضروري ضمن جغرافية واحدة وتحت سلطة واحدة. لكن ما إن تتعدّى هذه العلاقة إلى علاقة زواج بين الطوائف حتى تتفكك هذه العلاقة التي تبدو متينة في ظاهرها، لا بل تتحول في كثير من الأحيان إلى علاقة عداء. والقوانين السورية، وخاصة قانون الأحوال الشخصية يعزز هذه العلاقة الملتبسة والملغومة بين الطوائف السورية، فمن يريد الزواج من باقي الأديان أو من الدروز بمسلمة أو مسلم (سنة علويون اسماعيليون...) عليه\ها إعلان إسلامه\ها في المحكمة الشرعية أي على أي شخص يريد الزواج من مسلمة تغيير دينه إلى الإسلام!

وحين يقتل الأخ أخته لأنها تزوجت من رجل خارج طائفتها يعتبرها قانون العقوبات السوري (جريمة شرف)، وتخفّف العقوبة كثيرا ما يؤدي الى تعميق الطائفية والإبقاء على مفاهيم ما قبل الدولة الحديثة، والتي (في أي ظرف سياسي كما هو حاصل في سوريا الآن) قد تتحول هذه العلاقة إلى علاقة عداء وحرب مستفحل تعمل الأنظمة السياسية الاستبدادية عموما على الحفاظ عليها لاستخدامها حين الحاجة، وخاصة إذا ما فكرت الشعوب بالخروج على الحاكم والتطلع للعدالة والحرية. 

جذور الصراع الطائفي 

من جانب آخر تعمل العقائد الطائفية والمرويات الشفاهية التي تروى في الغرف المغلقة كمخزون عاطفي نفسي يتشربه الطفل في العشر سنوات الأولى من عمره، وربما يتحكم هذا المخزون في سلوكه وأفكاره عندما ينمو، فينظر الى الآخر الطائفي بمنظور إيديولوجي عقيدي تم حشو رأسه فيه في الصغر. وهذا الأمر ينطبق على كل الطوائف في سورية، فالعقائد الطائفية تظهر في الحروب، فهي المناج الملائم والنموذجي لزوال قشرة المحبة والسلام الكاذبين بين المكونات الطائفية، فالحرب تميط اللثام عن الأفكار التي تحدّد وتصف الآخر، وتصبح الموّجه للعنف والقتل والموت، فالآخر الطائفي هو العدو الذي يريد قتلي واغتصاب امرأتي، لذا يجب أن "أتغدّى به قبل أن يتعشّى بي"، وهذا ما تم العمل به منذ الأشهر الأولى من عام 2011، فالأساس الإيديولوجي العقيدي للحرب الأهلية في سورية كان جاهزا حيث استمر العمل عليه لعشرات السنين فيما مضى.

وكانت أولى بروفاته عام 2004 في انتفاضة الأكراد وأحداث مصياف، ففي الأولى تفجرت الأحداث بين أهل دير الزور والكرد أثناء مباراة لكرة القدم، بينما تفجرت الثانية بعد خلاف بين سائقي باص في محطة السرافيس في مدينة مصياف، أحدهما اسماعيلي والآخر علوي، ولو أنّ الخلاف جرى بين شخصين من نفس الطائفة لكانت المشكلة مجرد شجار بين شخصين، لكن ما دام الشخصين من طائفتين مختلفتين، تطوّر الصراع في المدينة المختلطة ليصبح حالة عداء وصراع ومقاطعة بين العلويين والإسماعيليين.

إذاً، أحد أهم أسلحة الحرب السورية الآن، والتي دمرت كل شيء، وتشظّى بسببها المجتمع السوري هي العقائد المذهبية والمرويات الشفهية التي يتداولها أبناء كل طائفة عن أبناء الطوائف الأخرى، والتي في معظمها تأليف واختلاق توراثتها الأجيال وأمنت لها سلطات الاستبداد المناج المناسب للنمو والرسوخ لتصبح بمثابة حقائق تبرر التوحش الذي نراه اليوم في أساليب القتل والمجازر المرتكبة بين الطوائف والتمثيل بالأجساد... وهذا العامل الطائفي، والذي برز خلال سنوات الحرب السورية تم تكريسه خلال حكم الأسدين، الأب والابن، واستخدامه في الصراعات السياسية، وخاصة خلال الصراع بين الإخوان المسلمين والسلطة (1979 وعام 1985). وباعتقادي كان استخدام العامل الطائفي من قبل السلطة من أهم العوامل التي لعبت دورا في اسمرارية حكم عائلة الأسد كل هذه الفترة، وظهر جلياً دور العصبية الطائفية خلال سنوات الحرب السورية السبع، وهذا العامل استخدمه كلا طرفي الحرب ليظهر الصراع وكأنه صراع علوي سني، وهذا المظهر غذته الدول الاقليمية والنظام على حد سواء!

والسؤال هنا: هل يمكن أن تزول صورة الآخر الشفهية من العلاقات الاجتماعية في سوريا؟

ربما لن تزول هذه المرويات والثقافة الشفهية المكرّسة لكره الآخر إلا في ظل نظام ديمقراطي علماني تتم في ظله المكاشفة بين مكونات المجتمع السوري وإجراء دراسات وبحوث صريحة وعلنية في العقائد والمذاهب، ومن خلال وسائل الإعلام وفي المجال العام.

ترى هل نعيش لنرى هذا الحلم يتحقق...؟ ربما

About the author

أحمد الخليل كاتب سوري يعيش في ألمانيا من مواليد عام 1966، خريج كلية الحقوق جامعة دمشق، اعتقل بين أيار 1985 وكانون الأول 1991 كونه صديقا لحزب العمل الشيوعي. صدر له ثلاثة كتب: مسكون بفقدها (شعر)، وساحة الإعدام (قصص قصيرة)، والمسرح يهزم الحرب (مقالات في المسرح السوري خلال سنوات الحرب)، ينشر في الصحف والمجلات العربية.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.