Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

مراحل تطور الفساد في مصر

في المرحلة المقبلة أمامنا طريق من اثنين، إما يبقى الفساد على ما هو عليه ويكمل في مساره ويستمر في الزيادة حتى نصل إلى مرحلة الانكسار أو يقرر المجتمع ككل بعقله الجمعي أنه هذا يكفي.

Graffiti. Cairo, Egypt. 25 January 2012. Rana Magdy. All rights reserved. Graffiti. Cairo, Egypt. 25 January 2012. Rana Magdy. All rights reserved.ما الفساد إلا ظاهرة عالمية عابرة للمحيطات و الثقافات و الأزمنة المختلفة. فمنذ بداية الخليقة وكان هناك فساد وسيظل هناك فساد ما دام للانسان وجود على وجه الارض. مما يعني أنه مهما حاول صانعي القرار والباحثين القضاء على هذه الظاهرة فسيكون الفشل حليفهم وإدراكاً منهم لهذه الحقيقة، فكل ما يحاولون فعله هو دراسة وتحليل الظاهرة حتى يستطيعون فهمها، أملاً منهم في حدها قدر الامكان.

وبناء عليه فما هذا المقال إلا محاوله لفهم مراحل تطور الفساد في مصر الحديثة. فإذا نظرنا سريعاً إلى تاريخ مصر عبر الحقب الزمنية المختلفة فسنجد أن لكل حقبة دورة حياه (life cycle) مهما امتدت أو قصرت هذه الحقبة كانت دورة الحياه واحدة.

 فكل حقبة تبدأ بمرحلة البناء حتى تصل إلى مجدها وأشد توهجها بعد ذلك تبدأ مرحلة الإنهيار والإضمحلال والسقوط. ومن الجدير بالذكر أن هناك علاقة طردية وثيقة بين ازدياد شدة حالات الفساد وتواتره و سرعة و روع سقوط هذه الحقبة. و من الجدير بالذكر أن هذه العلاقة لم يتم إثباتها علمياً لندرة الكتابات عن الفساد في كل هذه العصور ولكن كانت دائماً تتم الاشارة في كتابات المؤرخين إلى أن أحد أهم أسباب السقوط هو الفساد.  

و إذا تطرقنا إلى تاريخ مصر الحديث، فسنجد أنه فور إنتهاء الملكية، بدأت حقبة 'الجيش' التي بدأت مع جمال عبد الناصر ومستمرة حتى الان. فإذا نظرنا إلى حقبة 'الجيش' فسنجد أنها مثل أي حقبة اخرى، لها دورة حياه تبدأ بمرحلة البناء مروراً بالمجد وإنتهاءً بالسقوط. مما يعني أن عبدالناصر وزملاؤه، بما لهم و بما عليهم، بدأوا مسار حقبة زمنية تضاف إلى الحقب الزمنية التي مرت على مصر.

بالتأكيد هذه الحقبة مثل غيرها لها مزايا وعيوب ولكن هذا المقال لن يتطرق إلى هذه المزايا والعيوب، بل سيحلل كيف كان لعبدالناصر وزملاؤه و من جاءوا من بعدهم النصيب الاكبر في إفساد المصريين أو حتى أكون منصفاً، كيف كانوا هم السبب الأساسي في تحول الفساد في مصر من فساد صغير على المستوى الشخصي إلى فساد كبير على المستوى المجتمعي، فالفساد الان ما هو إلا سنة مجتمعية و ظاهرة مستشرية يتقبلها الجميع، إلا من رحم ربي. 

فمع مجيء عبدالناصر إلى السلطة، بدأ في تطبيق مشروعه الاجتماعي الذي نتج عنه تغيير جذري في البناء المجتمعي المصري، فكان هذا التغيير من أكثر الاشياء التي اعطت حكم عبدالناصر شعبية كانت هي حجر الاساس في إعطاء النظام الحاكم شرعية وسط عموم الشعب.

ولكن في نفس الوقت لم يكن هذا التغيير إلا بداية النهاية، أو بداية الطريق و المسار الذي تنتهجه الطبقة الحاكمة في مصر حتى الأن و الذي أثبت في أكثر من حالة فشله التام. فهذا المسار كان النقطة التي بدأ من عندها الفساد يأخد منحنى أخر. فالسبب الرئيسي لنشأة هذه الظاهرة هو اتباع النظام نظرية الزبائنية كاسلوب رئيسي في الحكم، و هي نظرية مبنية على تبادل السلع والخدمات من أجل الدعم السياسي، و كان هذا جليا في قانون الاصلاح الزراعي و التأميم و قطعاً الدعم بكل صوره و كل هذه السياسات ما هي إلا سياسات شعبوية تضر أكثر مما تنفع بكثير.

و بناء عليه "فإذا كان رب البيت بالدف ضاربا، فشيمة أهل البيت الرقص". فما كان من الشعب المصري إلا أن يبدأ بالتعود على هذه العلاقة المريضة بينه وبين حاكمه، حتى بدأ في دمجها في ثقافته و بمرور السنين جعلها جزء أصيل من أسلوب حياته.

ومن هنا كان الترسيخ لدور الدولة المحوري في تطور الفساد. فبدأت ظاهرة الفساد تنتشر وتتوغل ببطء ولكن بخطى ثابتة على المستوى الشخصي، ولكن احقاقاً للحق قوة الدولة المركزية وبطشها آنذاك مثلت أدوات مقاومة غير مقصودة ولكنها كانت فعالة. ولأن الشعب والمجتمع أقوى من أي نظام ،فبدأوا في البداية تقبل الظاهرة على مضض فما كان من الدولة إلا أن ترضخ على المدى الطويل، علما بان الدولة هي من مهدت الطريق في البداية لمصلحتها الشخصية و ما كان من المواطنين إلا اتباع هذا الطريق الذي يقود إلى الهاوية.  

ومع مجيء السادات كان الفرد والدولة معا قد تهيئا واستعدا على مدار السنين الماضية لمرحلة جديدة من الفساد. فتسلق الفساد سلم التطور واستشرى وكانت النقطة الفاصلة في هذا التحول هي سياسات السادات الاقتصادية أو ما يسمى بالانفتاح.

فمع الإنفتاح تحول الفساد من فساد صغير إلى فساد مؤسسي، كان هذا التغيير مبني على تغيير في العقلية الاقتصادية للانسان المصري التي تحولت بعد الإنفتاح،فبعد أن كانت المصلحة العامة تغلب المصلحة الشخصية، فاصبح كل انسان همه الاساسي هو مصلحته الشخصية.

هذا المثال كان ظاهراً في المؤسسات الحكومية التي ضعفت الرقابة عليها بل وأصبح موظفي الجهاز الاداري المصري في حال ليس بالجيد مادياً هذا بلاضافه إلى رؤيتهم إلى معارفهم وهم سواء يغتنوا أو يفتقروا وبالتأكيد كانوا لا يريدون اللحاق بالفئة الثانية. وبالتالي سولت لهم أنفسهم القيام بمثل هذه الأفعال، علماً بان تأثير الموظف الفاسد على زملاؤه كبير جداً، فعندما يجد الاخرون أن هذا الانسان المرتشي لا يعاقب يبدأوا الاقتداء به حتى يفسد هو كل من معه في القسم، ومن ثمّ يبدأ في رحلة إفساد أناس آخرين.

وهكذا تحول الفساد على مدار السنين من فساد صغير إلى فساد مؤسسي، فاصبحت هناك اليات لاقتسام الرشوة سواء من أعلى إلى أسفل الهرم الوظيفي أو العكس وأصبح هناك كنايات للفساد. ومع عدم مواجهة الدولة لهذه الظاهرة، تمهد الطريق للفساد حتى يتطور من فساد مؤسسي يمكن السيطرة عليه ببعض الاليات والقوانين إلى ظاهرة من الصعب جداً التحكم فيها.       

ففي عصر مبارك استشرى الفساد لاقصى درجة حيث تحول الفساد المؤسسي إلى فساد مجتمعي من الصعب جداً معالجته، وبالتالي شكلت هذه الحقبة مرحلة حرجة في مراحل تطور الفساد في مصر، إن لم تكن هذه المرحلة هي أخطر المراحل على الاطلاق.

ففي هذا العهد تفاقمت أنواع الفساد ودرجاته. فاصبح هناك فساد سياسي(كبير)، وبيروقراطي(صغير) معاً، عكس ما كان يحدث في العصور السابقة. بل ووصلنا إلى مرحلة وجود الفساد النشط الذي يبدأ فيه المواطن عرض الرشوة على الموظف وهو عكس الفساد الخامل الذي يبدأ فيه الموظف العملية من طلب الرشوة الذي كنا قد تعودنا عليه و أصبح هو العرف السائد، و هذا النوع يدل و يبين كيف الفساد أصبح ظاهرة مجتمعية متقبلة.

أيضاً في هذا العصر تفاقمت ظاهرة رأسمالية المحاسيب (crony capitalism) أو التي يعرفها البعض بزواج المال مع السلطة، وما ينتج ونتج بالفعل عن تلك هذه العلاقه من نتائج ومحصلات سلبية تضر أصحاب المال وأصحاب السلطة والمجتمع ككل. فكان الفساد من الاسباب الرئيسية التي حثت ملايين المصريين على النزول للشارع على مدار ثمانية عشر يوماً متتالية أملاً منهم في إنهاء هذه الظاهرة بالاضافة إلى المطالب الاخرى التي كان على رأسها 'عيش، حرية، عدالة إجتماعية'.

ولكن للاسف تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، و لا يصبح لثورة 25 يناير دور في مكافحة الفساد، بل بعد الثورة وبعد إستقرار الامور نسبياً بدأ كل شيء العودة إلى أسوأ ما كان عليه قبل الثورة. وبالتالي استكمل الفساد السير في طريقه بلا أي عقبات وزاد واستشرى وكثر.

وسوف يستمر في الزياده لعدة أسباب أهمهم هو وجود علاقه طردية بين الصعوبات المادية التي تواجه الاشخاص ومدى تمسكهم بالمبادئ، فكلما زادت الأمور شدة ضعف تمسك الافراد بمبادئهم. بالاضافة إلى تركيز الدولة المركزية على مكافحة الفساد الكبير الذي يشكل جزءً ضئيلا من حجم الفساد الإجمالي وترك الدولة لإنواع وأشكال الفساد الصغير الذي يمس أغلبية الشعب المصري.

في المرحلة المقبلة أمامنا طريق من اثنين، إما يبقى الفساد على ما هو عليه ويكمل في مساره ويستمر في الزيادة حتى نصل إلى مرحلة الانكسار حيث يحدث ما لا يحمد عقباه ويدفع الجميع الثمن سواء كان فاسدًا أم لا. أو يقرر المجتمع ككل بعقله الجمعي أنه هذا يكفي ويجب أن نقلل من هذه الظاهرة حتى نضمن وجودنا واستمرارنا في الحياه التي نعرفها.

وفي كلتا الحالتين لن تظهر أي نتائج الآن، بل مثلما أظهر لنا التاريخ، هذه النتائج سوف تظهر بعد عدد ليس بالقليل من السنين. فأي طريق سيوردنا عقلنا الجمعي الذي، للأسف، قليلاً ما نجيد استخدامه؟ 

About the author

Ahmed Fayed is currently a PhD candidate and Graduate Teaching Assistant at King's College London, University of London. His research focuses on state policies, corruption and local governance.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.