Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

العِزّةُ والعَارُ ومابينَهُما

النباح بعزة الوطن، أو الانغماس في قلب الرمال لمحو عاره، ألوان حادة مثل الأسود والأبيض لاتسود العالم المتعددة ألوانه. English

John Kobal Foundation/Getty Images. All rights reserved.

المتشرد مواطن عالمي

عندما سُئل الممثل العالمي تشارلز تشابلن عن "الكبرياء الوطني" أجاب بأنه يشعر بالانتماء تجاه بلده الأم بريطانيا، وإذا ماتعرض لخطر سيضحي من أجله، لكنه رأي نفسه عاجزًا عن (الزعيق) بشأن الكبرياء القومي، لأن هذا الوطن لو تحول للنازية، لن يتردد- تشابلن- في الرحيل عنه.

وعندما قال له أحدهم لماذا لم تحصل على الجنسية الأمريكية، أجاب بإنه يؤمن بأنه مواطن عالمي.

تشارلز سبنسر تشابلن، ذلك البريطاني الفذ الذي قدم للعالم تُحفــًا سينمائية، لازالت تدهشه، فتجمع بين مشاهدها الابتسامة والعَبَرات، لتتجلى أصدق المشاعر الإنسانية في عمل صامت تقوم فيه الأعين بالدور الأكبر.

عالمية المتشرد (The Tramp) لم تكن فقط بسبب مواهبه المتعددة في صناعة الفيلم والتأليف الموسيقى واستخدام جسده بشكل فائق الروعة في إيصال الرسالة المطلوبة، بل أيضًا لأنه كان يشبهنا.

لم أشعر للحظة وأنا أشاهد The Tramp  في أي من أفلامه أنه غربي، كنت أحس أنه يعبر عن حيواتنا البسيطة التي لا تخلو من الكَدَر، وتكون لحظات السعادة فيها نادرة، لكننا نقتنصها حتى النهاية.

تشابلن وغاندي

Photo12/UIG via Getty Images. All rights reserved.ربما لأنه كان يشعر بمأساة العالم حينها، لم يجد فارقــًا كبيرًا بينه وبين الهنود في معاناتهم تحت نير الاحتلال البريطاني، كان صديقــًا لغاندي. كان لقاؤهما لدقائق معدودة في لندن عام 1931، لكنه جمع مواطنين عالميين من أجل قضية سامية، كرامة الإنسان وحريته. لم يقل غاندي إنه يشعر بالعار مثلاً لأنه التقى رجلاً من بلد محتل، ولم يقل تشابلن أنه يشعربالفَخَار والعزة لأن بلده احتل الهند لسنوات. 

عارنا وعزتنا

Peter Macdiarmid/Getty Images. All rights reserved.هذه الحكاية بالنسبة لي تلخيص لمشهد عبثي للغاية لما نعيشه في أوطاننا العربية، إذ تمزقنا مشاعرنا المتطرفة، وأفكارنا المريضة ما بين العزة الوطنية التي تصل إلى درجة الشوفينية، أو الشعور بالعار لدرجة سحق الذات.

في عام 2011، كنت أشعر بالفخر كوني مصريــًا، وكنت أرتدي هذه القمصان المنتشرة والمكتوب عليها: أنا مصري، ربما كان شعورًا بالنقص لأنني لم أشعر بهذا الفخر الوطني من قبل، اليوم أشعر بهذا الخجل عندما يسألني أحدهم عن موطني.

لقد نشأنا في مصر على اعتبار مصر مركز الكون، هي الشمس و الكواكب تدور حولها، وبدونها يضيع العالم.

فالسينما المصرية هي الأصل ومادونها فروع لاقيمة لها. واللهجة المصرية هي الأساس وباقي اللهجات العربية لا تدنو من الفصحى في شيئ.

العروبة ستنسحق إذا ما اختفت مصر من المشهد، والعالم لن يجد له سبيلاً مرشدًا إذا ما أطيح بمصر في أي حادثة كونية كضربة نيزك أو ثورة بركان.

حاولتُ خلال السنين الماضية أن أُرَبّي نفسي مرة أخرى، ألا أجعلها تصاب بالنعرة كثيرًا ولا ينتابها العار دومــًا، فالوطن ليســًا ملكــًا لأحد، ولم يكن يومــًا  قادمــًا معي من العالم الآخر.

فربما كان ميلادي في النصف الآخر من العالم، فأصبحت أعيش في كوكب اليابان، فيصير وطنــًا لي، وربما لم أكن لأعلم أي شيئ عن بلد اسمه مصر.

مفهوم الوطن تبعــًا لمقياس الجغرافيا مضلل لأبعد حد، فحدود العالم المتسع واحدة ، وإن قسمته السياسة والأعراق والأديان والتطرف. 

دونية الكائنات الأخرى

Johannes Eisele/AFP/Getty Images. All rights reserved.العالم إن قلنا إنه إنساني فقط، فهو ظلم بينّْ، فكائنات العالم الأخري أكثر رقيــًا في التعامل مع الكون، فالإنسان منذ خُلق، سفك الدماء، واحتل الأرض، وعندما أراد تعميرها، قتل من يراهم أدنى منه، فقطع الأشجار، وقتل الحيوان.

الحيوانات التي لطالما استخدمناها كوصف للتعبير عن الدونية، هي أكثر كرمــًا منا، فلم نسمع يومــًا عن حيوان قتل آخر بسبب الحُكم أو الدين أو العِرق، وحتى عندما قرأنا عن صور كهذه في الأساطير، كان الهدف منها هو الإسقاط على عالم بني آدم، فهو الكائن الأكثر قبحــًا على وجه الأرض.

فخر الأوسكار وعاره

Jean Baptiste Lacroix/AFP/Getty Images. All rights reserved.منذ أيام قليلة، قامت إحدى الصحافيات المصريات بتغطية فعاليات مسابقة الأوسكار في لوس أنجلوس، وقامت بسؤال الممثل العالمي ليوناردو دي كابريو عن شعوره بعد الفوز بالأوسكار، وكان رد دي كابريو أنه شعور رائع، وقد وضح عليه التعجب من السؤال الذي لم يكن له فائدة واضحة.

انتشر فيديو الصحافية على وسائل التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، وتراوحت ردود الأفعال مابين النعرة المعتزة بأول صحافية مصرية تغطي الأوسكار ولا أعلم ماسر الفخر في هذا، و مابين العار الذي يرى فيها أسوأ تمثيل لمصر وأهلها !

وهنا السؤال: لماذا نمثل هذا الوطن أو ذاك؟ لماذا لانمثل أنفسنا فقط؟ لماذا نظن أننا نملك شيئــًا لكننا في واقع الأمر لانملك أي شيئ سوى الكلمات والذكريات والتصورات الذهنية عن الوطن.

الأسود والأبيض

Mohamed El-Shahed/AFP/Getty Images. All rights reserved.لقد رحل غاندي عن العالم تاركــًا عنه صورة واضحة بأنه أراد تحرير الإنسان من قيود إنسان آخر يظن نفسه أكثر سطوة، وأعز مكانة، نعرف أنه هندي، لكنه قبل ذلك كان يرغب في السمو بقيمة الإنسان، وهذه هي (رُمانة الميزان)، فإذا كانت العِزة والنَعْرة والكبرياء في كفة، والعار والخجل في كفة أخرى، فالإنسانية هي التي تقيم العدل بين الكفتين.

الصحافية المصرية ظنت أن مصريتها ستجعلها أفضل الموجودين في القاعة، ربما لم تعي أن أفضليتها عن غيرها مجرد وهم غير مؤثر في الواقع، فكبرؤياها الوطني كان خادعــًا.

أما تشابلن فقد وعى اللعبة منذ بدايتها، فالنباح بعزة الوطن، أو الانغماس في قلب الرمال لمحو عاره، ألوان حادة مثل الأسود والأبيض لاتسود العالم المتعددة ألوانه.

About the author

Ahmed Zakaria is a cultural journalist and filmmaker from Egypt. Having recently finished his MA in media and cultural studies at the Graduate School for Social Sciences in Warsaw - Poland, Zakaria is now on an internship in Uganda with the Initiative for Social and Economic Rights using media and filmmaking as a tool for advocacy and raising awareness. 


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.