Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

انسحاب أمريكا: ما التالي؟

أَمَا وإنّ الحرب على تنظيم "الدولة الإسلاميّة"في كلّ من سوريا والعراق قد انتهت، أو تكاد، تتجه الأنظار الآن إلى الهدف التالي لكلّ من القوتين العظميين، الولايات المتحدة الأمريكيّة، وروسيا. English 

Smoke rises after the Syrian army's shelling targeted the Douma district in Eastern Ghouta countryside of Damascus, Syria, on April 7, 2018. Picture by Ammar Safarjalani/Xinhua News Agency/PA Images. All rights reserved. من المتوقّع أن القوتين العظميين ستنتقلان، وحلفائهما الإقليميين والدوليين من مرحلة التكتيك إلى الاستراتيجيا، وبالتالي فَمِن المفترض أنْ نرى تحالفاتٍ جديدة أكثرَ تجانساً من تلك التي كانت خلال سنوات الحرب في سوريا.

فلا منطقَ في رؤية الليبراليّ متحالفاً مع الإسلاميّ، والحال كذلك في الحلف الغريب الذي يجمع الشيوعيّ بالرأسماليّ.

قد تكون ظروف الحرب قد فرضت هذه التحالفات المرحليّة، يحصل كل منهما على هدف مؤقت يستخدمه لتحقيق هدفه الاستراتيجيّ.

في الحالة السوريّة الممتدة منذ آذار من عام 2011 كان من المعتاد رؤية أصحاب الفكر الدينيّ المتشدد يُنْشئون إطاراً سياسيّاً وعسكريّاً مع ليبراليين يهدفون لإلغاء المظاهر الدينيّة في سوريا، ويهدفون لبناء بلدٍ عَلمانيّ.

وقد يُعتبر الائتلاف الوطنيّ لقوى الثورة والمعارضة السوريّة أحد أبرز الأُطُر السوريّة التي ضمّت كيانات غير متوافقة الهوى السياسيّ، فضمّت الإخوان المسلمين، إلى جانب معارضين سوريين قوميين، وآخرين ليبراليين.

وتحالفت مع فصائل إسلاميّة متشددة مثل جيش الإسلام، المتحالف بدوره مع هيئة تحرير الشام «جبهة النصرة سابقاً» (فرع تنظيم القاعدة في سوريا)

مثالٌ آخر عن تحالف النقيضين ذلك الذي رأيناه بين حزب الاتحاد الديمقراطيّ «الكُرديّ» (يساري الهوى والهُويّة) والولايات المتحدة الأمريكيّة (الحامل الرئيسيّ للفِكِر الرأسماليّ)

القوى الرئيسيّة المؤثرة في الحالة السوريّة هي الولايات المتحدة، عبر حليفها الرئيسيّ "قوّات سوريا الديمقراطيّة"، والاتحاد الروسيّ عبر الجيش السوريّ والفصائل الموالية له، بالإضافة لإيران التي تدعم «حزب الله»اللبنانيّ، وفصائل أخرى مثل «لواء أبو الفضل العباس»، وغيره.

ودخلت تركيا في خانة الدول المؤثرة عبر إحكام سيطرتها على كلّ من مدن الباب، وجرابلس، وإعزاز، بالإضافة لمنطقة عفرين والمدن والبلدات المحاذية لها من الجانب الغربي، عبر عمليتين عسكريتين هما "درع الفرات" العام 2016 و"غصن الزيتون" عام 2018 ، لتضيفها إلى منطقة نفوذها في إدلب.

كانت الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلاميّة" سبباً كافياً لتحالف الضرورة بين «قسد» والولايات المتحدة، ولكن ما إنْ انتهت الحرب تلك، حتى عاد كلٌّ منهما إلى مربعه الأول، فواشنطن تهدف إلى إضعاف الدور الإيرانيّ في المنطقة، عن طريق قطع محور طهران -دمشق-بيروت، وذلك عن طريق السيطرة على الشريط الحدودي العراقيّ السوريّ، وبتمويل خليجيّ، وخصوصاُ السعوديّ منه، ولكن هل تستطيع "سوريا الديمقراطيّة" أنْ تضطلع بهذا الدور؟

ليس من السهولة أنْ تقوم بهذه المهمة، وذلك بسبب العلاقة القويّة بين حزب الاتحاد الديمقراطيّ (وهو المرتبط فكريّاً بحزب العمال الكُردستانيّ ويعملان وفق الفكر الأوجلانيّ) وبين"الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة" والتي خلقتها ظروف العداء بين "الكُردستاني"وتركيا، وذلك منذ نشوء الحزب عام 1978 وإعلان الكفاح المسلح في تركيا منذ أواسط ثمانينيات القرن الماضي، وخلّف الصراع هذا مئات الضحايا من الطرفين، واعتقلت تركيا زعيم الحزب عبد الله أوجلان عام 1999، كما كان هذا الصراع سبباً رئيسياً لإبعاد تركيا عن الانضمام للاتحاد الأوروبيّ.

المواقف الأمريكيّة تشير بوضوح إلى غياب الأهمية الاستراتيجية لوجودها في سوريا

علاقة "الاتحاد الديمقراطيّ" كانت متميزة سياسيّاً مع الاتحاد الروسيّ، ولكن تفضيلها التحالف مع الولايات المتحدة في شرق نهر الفرات (سوريا الغنية) حيث يوجد ما يقارب (90%) من النفط السوريّ، وأكثر من (45%) من منابع الغاز، جعلت موسكو تعود خطوة إلى الوراء في تحالفها السياسيّ ذاك، وساندت تركيا في معركة سيطرتها على منطقة عفرين (والتي تشكّل مع كوباني/عين العرب، والجزيرة، الأضلاع الثلاثة للفيدراليّة الديمقراطيّة التي أعلنها حزب الاتحاد الديمقراطيّ وحلفائه، شمال سوريا).

الولايات المتحدة وعلى لسان رئيسها دونالد ترامب أعلنها بدون لبس؛ الانسحاب من سوريا بات أقرب من أي وقت مضى، وواشنطن غير مستعدة لتحمّل تكاليف البقاء فيها، وقايضت السعودية (التي تريد وجوداً أمريكيّاً مواجهاً لإيران) بتحمل تكاليف وجودها العسكريّ في سوريا.

المواقف الأمريكيّة تشير بوضوح إلى غياب الأهمية الاستراتيجية لوجودها في سوريا، وبالتالي فهي مستعدة للتنازل عن هذه الورقة لأيّ لاعبٍ إقليميّ أو دوليّ، وهذا الأمر ليس بالصعب، خصوصاُ بوجود قضية كُرديّة في كلّ من تركيا وإيران والعراق، وبالتالي فإنّ هذه الدول، فُرادى ومجتمعة، مستعدة لمقايضة عديد أوراقها بورقة واشنطن الكُرديّة.

وقد شنّت القوات الأمريكيّة والبريطانيّة والفرنسيّة هجمات على مواقع للجيش السوريّ، والذي قالت الدول الثلاثة إنّها لردع الحكومة السوريّة لاستخدامها السلاح الكيميائيّ في مدينة دوما عشية انسحاب مقاتلي "جيش الإسلام"منها.هذه الهجمات تؤكد على عدم وجود مشروع استراتيجيّ لهذه الدول في سوريا؛ ذلك أنّها لم تغيّر من الواقع الميدانيّ شيئاً، وربطت إمكانيّة وجود هجمات أخرى بمعاودة دمشق استخدام السلاح الكيميائيّ، وبالتالي فلا تغيير في الموقف الأمريكيّ الأخير؛ لذا فمن المرجّح أنْ تكون لكل دولة هدفها الخفيّ من وراء هذه الهجمات، فواشنطن تريد تحجيم دور طهران في سوريا، وخصوصاً تواجدها في المناطق الحدوديّة مع إسرائيل، ولندن تريد معاقبة روسيا في قضية تسميم الجاسوس الروسيّ المزدوج سيرغي سكريبال، أما فرنسا فقد تكون صاحبة رغبة في الدخول إلى الملف السوريّ؛ لكن هل ذلك بالإمكان؟

تحاول فرنسا الدخول على خط نفوذ مناطق سيطرة "قوات سوريا الديمقراطيّة"، وكانت لها مواقف متقدمة ضد العمليّة العسكريّة التركيّة في عفرين، واستقبلت مؤخراً وفداً يمثل "القوات"، ووعدت بزيادة دعمها، وبالفعل فقد عززت من وجودها على الحدود الفاصلة في منبج مع مناطق سيطرة المعارضة السوريّة المدعومة تركيّاً.

قد يعوّل حزب الاتحاد الديمقراطيّ على دورٍ فرنسيٍّ أكثر قوة في مستقبل سوريا، لكن قدرة باريس على مقاومة إغراءات، وضغوط تركيا وإيران وروسيا قد لا يسمح لها بالبقاء، وبالتالي فلا وجود فعلياً لمشروع فرنسيٍّ يُعتّد به.

سيكون لزاماً على حزب الاتحاد الديمقراطيّ ومنظومته العسكريّة البحث عن حلول واقعيّة للأزمة التي سيخلفها فقدان حليفهم العسكريّ الوحيد، فمن الواضح أنّ الولايات المتحدة تستخدم وجودها كورقة للمساومات وحسب.

لذا قد تكون العودة لحليفهم السابق الروسيّ هي الخيار الوحيد إذا ما أرادوا مستقبلاً لهم في سوريا ما بعد الرحيل الأمريكيّ، وبالتالي عليهم الوصول إلى صيغ تفاهم عَمَلانيّة تُنْقِذ ما يمكن إنقاذه من مشروعهم اللامركزيّ، والذي فيه تقاطعات عدّة مع ما تطرحه موسكو لحلّ الأزمة السوريّة.

المحور الروسيّ الإيرانيّ التركيّ يبدو أكثر تماسكاً بعد وصولهم لتفاهمات مشتركة حول الخطوط العريضة لحلّ الأزمة، وعليه فإنّ هدفهم التالي هو إعادة السيطرة على منطقة شرق نهر الفرات، والتي تحتاج إلى تنازلات مؤلمة من جميع الأطراف، للوصول إلى صيغة تُنْهي حالة الاستعصاء القائمة، وتؤسِّس لمرحلة تكون فيها سوريا قويّة، وأكثر استقراراً، وللجميع.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.