Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

مقلوبة

في هذه اللحظة فقط، شعرت بأن حبي لهذه المدينة ينبع من تعاطفي مع أهلها السابقون واللاحقون. وعند اقتناعي بأن دور مدينة القدس هو تعليمنا درساً كونياً عن النفس البشرية، رأيت جمالها واستشعرت بقدسيتها ووقعت بحبّ ندوبها الداخلية والخارجية.

Photo by Randy Jacob on Unsplash"أنت تُحبّها.. وبالتأكيد سترجع لها..."

وُلِدْتُ وترعرعت في القدس؛ مدينةٌ طال الحديث عنها كمركز للصراع الأزلي. في مرحلة الرعونة الأولى من حياتي وبعد إنهاء اثني عشرة سنة في مدرسة مقدسيّة خاصة، أردت أن أبتعد عن القدس بشدة، لا بل حلمتُ بذاك اليوم وأنا أودّع أهلي وأقراني وأستهلُّ صفحة جديدة من حياتي، فقد كنت لا أطيق حجم السلبية والسّواد المجتمعي والسياسي آنذاك. بالفعل؛ حزمت أمتعتي لأنثر محتوياتها في خزانة صغيرة في مدينة إربد في الأردن. اخترت تخصصي الجامعي من الاحتمال الوحيد الذي طُرِحَ لي: إما أن تتعلم الطب أو ترجع إلى القدس. نعم كنت طفلاً وشاباً ذكياً وعدّوني من المتفوقين في المدرسة، لكنني تعمّدت الفشل في امتحان الثانوية العامّة نظراً لما كنت أمرّ به في تلك الفترة من مشاكل داخلية عائلية وخارجية نظراً للوضع السياسي آنذاك. أردت التمرّد والخروج عن النص، لكن عاكستني الظروف وحظيت بمعدّل علامات جيدة كانت تخولني دراسة ما شئت، فاخترت تخصص هندسة الجينات؛ فقد كان يفي بمتطلبات المجتمع والعائلة.

-       "آه والله إبني بيتعلّم هندسة جينات، الله يرضى عليه قد ما رمشت عينيه!"

-       "يا حفيظ! والله إشي بيرفع الراس!"

عشتُ حياة مزدوجة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فقد أثبتُّ أنني أستطيع تحصيل درجات عالية في دراستي، ولكن بذات الوقت كنت أهربُ إلى عالمي الصغير الكبير بمعزلٍ عن الجميع إلا مَن فتحت دائرتي لهم. كنت فضولياً مفكراً متحدثاً لا يهاب البحث والربط والتمحيص في كل ما يدور حوله. استهواني الجنس البشري؛ لماذا نتصرف هكذا؟ متى نكذب ومتى نقول الحقيقة؟ لماذا نحن هنا؟ لماذا أنا هنا؟. أسئلة كثيرة وعميقة سألتها لنفسي واستخلصت بعضاً من أجوبتها عن طريق محادثات الليل والنهار. كنت أتسلل إلى دفاتري وأتسلّح بأقلامي محاولاً الولوج إلى أعمق بقعة ممكنة.

لم أكن أفهم سبب هروبي من القدس. كانت مشاعري مختلطةً أتخبّط في دهاليزها. تارةً أشعر بالحب تجاه مدينتي وتارة أخرى أتجهّم عند ذكراها. تماماً كعلاقة سُميّة بين مُحبّيْن لا يستطيعون فراق بعضهم البعض وفي لحظة عاصفة يهدمون صوامعهم ويرحلون. وبعد مرور العاصفة، تجلبهم العاطفة لنفس المكان ويهمّون بِجَبْلِ ما دمّروا مبتسمين.

لطالما شعرت برابطة قوية تجمعني بالقدس. كانت أقوى من حبي العميق لأسرتي، أو للمقلوبة

في يوم جُمعةٍ هادئ، كنت أراجع دفتر ملاحظاتي تحضيراً لامتحانٍ في علم الأجنّة موعدهُ بعد عطلة نهاية الأسبوع. أنَحْتُ الدفتر جانباً وضغطت أزرار الهاتف المحول بغية سماع صوت أمي. 

-       "ماذا تفعلين؟"

-       "أحضّر لطعام الغداء."

-       "في هذا الوقت الباكر من الصباح؟"

-       "أنت تعرفني يا ولدي، لا أغادرُ المنزل إلى عملي إلا وقد حضّرت الطعام."

-       "ماذا ستأكلون اليوم؟"

-       "المقلوبة... أتمنى لو كنت معنا."

بعد عدة ساعات، أدرتُ المفتاح في القفل، وضعت حقيبتي أرضاً، ابتسمت، وأخذت غفوةً على أريكةٍ في غرفة الجلوس. فتحت عينيّ إثرَ قبلةٍ رقيقة على الوجنة وصوت دافئ: "قوم يا حبيبي، المقلوبة سُخنة..."

أرى القدس كامرأةٍ غريبة الطابع والطالع. يتنازع على وصايتها كل من يراها

لطالما شعرت برابطة قوية تجمعني بالقدس. كانت أقوى من حبي العميق لأسرتي، أو للمقلوبة. لم يتجلّى لي السبب إلا بعد ما يقارب العشر سنوات من السفر حول العالم بطابع عملي، الذي اتخذ مسار الصحافة والإعلام. لأنها كانت الطريقة الوحيدة لفهم البشر والخروج من "دائرة دائرتي". فبحكم عملي، كنت أستمع لقصص الناس في العديد من البلدان العربية، كنت أستشفّ حبهم وكرههم لبلدانهم. كنت أتعاطف مع قصصهم الإنسانية وأتعلّم من نظرتهم السياسية. عندها أدركت أنّ الطريقة الوحيدة لفهم أنفسنا وأفكارنا ومشاعرنا هي بأن نعيش تجربة مَن يُشاركنا هذه الأرض. 

" على هذه الأرض ما يستحق الحياة..." – محمود درويش 

أرى القدس كامرأةٍ غريبة الطابع والطالع. يتنازع على وصايتها كل من يراها. تُصارع العبودية في عصرٍ اعتُبِرت العبودية فيه جُنحاً يحاسب عليه القانون الدولي. فعند بروز برعم زيتونٍ على جسدها، تتسارع شفرات الحلّاقين لتسوية الأسطح. وتتوالى النظرات والعبارات لإبقائها على خط سيرٍ محدد.

" لا تستطيعين استقبال الزوّار متى شئتِ! ماذا ستقول عنّا فرنسا والولايات المتحدة؟؟"

" سوف نجزّ شعركِ لنبني لكِ تاجاً اسمنتياً نفاخر به إيطاليا!"

"سوف نفصل أجزاءً من جسدك بجدارٍ عظيم."

"لن نسمح لأحد بالمساس بكِ. فنحن نحبك وأنتِ لنا فقط."

عبارات وأقوال وشعارات سمعتها هذه المدينة على ألسنٍ عربية وأجنبية بعدد شاماتها. لكنها تتحمّل وتصبر وتنتظر من يفهم لغتها المقدسية. تحتضن الغريب الذي يحمل آلة التصوير على عنقه وتُقبّل الغريبة التي تضيء شمعةً للروح القُدُس. تطبطب على جروح المراهق الذي يرمي حجراً على من يلبسون الخِوَذ وتتعاطف مع من يضغطون على الزناد لأن أفعالهم نتيجة أفكار رؤسائهم.

 لم أفهم القدس إلا عندما فهمت نفسي وفهمت –نسبياً- أصل نشوء الفكر البشري. فالأفكار والمعتقدات التي تحوم في عقولنا ما هي إلا لُبُنات أفكار من سبقنا ومن سبقهم. والصراع الوجودي على أي بقعة في الأرض ينبع من مقام حاجة للانتماء وتفعيل سبب الكينونة. فترانا نفنّد الأفكار ونبرر الأفعال حتى نصل لمرحلة من الرضى دون أخذ غيرنا بعين الاعتبار. فما هو لنا لا يصح أن يكون لمن لا يطابق معاييرنا.

عندما أمشي في شوارع القدس وأراقب اليهودي والمسلم والمسيحي، أبتسم وأمتعض. فهذا هو المكان الوحيد في العالم الذي يشعر كلٌّ من الثلاثة بأحقيته فيه. واستعدادهم للبقاء والدفاع عن بقعتهم الملموسة وغير الملموسة فيه ما هو إلا صرخة توسّل داخلية وتعلّق عاطفي بفكرة مدينة القدس. أبتسم لأنني أشهد الفرد في "أقوى" لحظات ضعفه، وهذا ما يجمعنا، وأمتعض لأننا نلجأ لدحض الآخر وهو في أشد حالات ضعفه. وبما أننا نتمسك بعنفواننا وخيلائنا، ولا نسمح لأحد بأن يستشعر ضعفنا واحتياجنا فإننا نعتصم بمشاعر البغض والكراهية لكي نخيف من يقترب إلى محصول قمحنا.

في هذه اللحظة فقط، شعرت بأن حبي لهذه المدينة ينبع من تعاطفي مع أهلها السابقون واللاحقون. وعند اقتناعي بأن دور مدينة القدس هو تعليمنا درساً كونياً عن النفس البشرية، رأيت جمالها واستشعرت بقدسيتها ووقعت بحبّ ندوبها الداخلية والخارجية. ولم أستطع استكمال الحديث عنها بسلبية كما كنت أتغنّى سابقاً. أستطيع القول بأنني سامحت القدس عندما سامحت نفسي. فأنا لست مثالياً، فكيف أتوقّع المثالية منها ومن سكانها. فكلنا يصارع شياطينه وكلنا يركض وراء رغباته وحاجاته. فقط عندما يتوصل عشاق القدس إلى تقبّل عيوبهم الداخلية سيتوصلون إلى تحرير عشيقتهم من براثن المتملّكين عاشقي السلطة والنفوذ. فليس كل من يقطن فيها يحبها لأجل السبب ذاته؛ فمنهم من يراها موقعاً استراتيجياً ينفع خططتهم في التوسع الاقتصادي والأيديولوجي. ومنهم من يراها اسماً يتغنّون به في المحافل الدولية لقبض الديّة والاحتفاظ بالجزء الأكبر منها لبناء قصورهم وتعليم أولادهم في الجامعات الراقية.

 كلّنا خطاؤون وأنانيون، لكن كلنا بشر ولنا عقول تستمع للمنطق. صحيحٌ أننا لا نستمع للنقد غالباً ونتجه للدفاع عن موقفنا فضلاً عن الإنصات والإصلاح. من الجانب الآخر، كلنا نبحث عن الأمان والحرية والديموقراطية والأمل؛ نتبعُ أثَرَ رائحتهم في كل صوب وفي كل جلسة أمم متحدة وفي كل خطابٍ لرئيس أو ملك. ننبّش عن التفاؤل في كل تغريدةٍ أو منشور فيسبوكيّ. وعندما لا نجده، نكذب ونصوّره في حيواتنا ومجالسنا الفكرية وخطاباتنا السياسية. لكن إن سألتم أي مقدسي، ستجدونه ينتظر بأمل حتى يغفو ويستفيق على مدينة قُلِبَت سبع مرات لكنه سيبقى يحبّها.

"قوموا يا أحبائي، المقلوبة ساخنة..."

About the author

Palestinian activist, media specialist and writer.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.