Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

استشهاد محسن فكري يكشف تاريخ طويل من الغضب في الريف المغربي

بعد مرور شهر على حادثة فرم بائع السمك المغربي محسن فكري في مدينة الحسيمة في ريف المغرب مساء الثامن والعشرين من شهر أكتوبر، لا تزال الاحتجاجات مستمرة في المدينة التي شهدت الحادثة بينما تراود التحقيقات مكانها.

محسن فكريتابع المتظاهرون في مدينة الحسيمة نهاية الأسبوع الماضي احتجاجاتهم ضد السلطة مطالبين بمحاسبة المتورطين الرئيسيين في ما يعتبرونه جريمة عن سبق إصرار ، وذلك عوضا عن تقديم أكباش فداء لمحاولة تخفيف ضغط الشارع في إشارة إلى بعض الموظفين وعمال النظافة الذين اعتقلتهم السلطات بتهمة المشاركة في قتل محسن فكري بواسطة شاحنة زبالة عند محاولته حماية بضاعته.

خصوصية الحراك في الريف

لاستمرار شعلة الغضب الشعبي في مدينة الحسيمة رغم هدوئها النسبي في باقي المدن المغربية دلالات خاصة ، فللمدينة والريف المغربي عموما علاقة متوترة بالدولة المركزية منذ عقود من الزمن. فلم يكن مفاجئا أن تتجاوز شعارات التظاهرات مطالب فتح تحقيق نزيه ومستقل للكشف عن ملابسات الحادث لتتحول إلى محاكمة شاملة للنظام السياسي وسياساته وسلوكاته تجاه المنطقة المهمشة. فقد تم تغييب هذه المنطقة عن السياسات العمومية للدولة بفعل فاعل وذلك بالنظر إلى ماضيها المتمرد ضد السلطة. فكانت واقعة طحن محسن فكري فرصة لاستدعاء هذا الماضي الأليم من الإحساس بالظلم والاحتقار والتمييز المترسخ في وعي الريفيين منذ الحصول على الاستقلال الشكلي سنة 1956، وما أعقبها من انتفاضة عرفها الريف بين سنتي 1958 و1959 والتي كانت نتيجة حتمية لسلوكيات السلطات الجديدة التي أنتجتها توافقات ايكس ليبان والتي عمدت على حل فرق جيش التحرير وتصفية بعض كوادره، بالاضافة الى قمع واختطاف وتعذيب المعارضين خاصة المتعاطفين مع الأمير الخطابي والمرتبطين بأفكاره. وقد تم إقصاء الريفيين من المشاركة في تسيير شؤون منطقتهم، ومن المساهمة في حكم البلاد إذ لم يتم إشراك أي مواطن من الريف في مختلف الحكومات التي تشكلت خلال سنوات 55 و56 و57 و58.

جرى قمع هذه الانتفاضة بشكل وحشي من قبل الجيش و الطائرات التي كان يقودها طيارون فرنسيون. خلفت الحملة مئات القتلى وآلاف الجرحى والمعتقلين. وقد قدر الأمير عبد الكريم الخطابي عدد المعتقلين إبان انتفاضة الريف بحوالي 8420، ومنذ ذلك الحين ضرب على المنطقة حصار اقتصادي وأمني خانق استمر حتى انتفاضة يناير من سنة 1984 والتي جاءت نتيجة لتأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي في المغرب. تعرضت تلك الانتفاضة التي قادها التلاميذ في عدد من المدن الريفية إلى القمع العنيف من قبل نظام الحسن الثاني الذي وجه خطابا شهيرا إثر الأحداث التي أوقعت عددا كبيرا من القتلى والجرحى واصفا فيه سكان الريف ب "الأوباش" وغيرها من النعوت التي لا تزال موشومة في ذاكرة أهل الريف.

كما لا يمكن هنا أيضا تجاهل الأحداث المتفرقة التي عاشها سكان الريف في ما عرف ب "العهد الجديد": زلزال الحسيمة، وإحراق 5 شبان سنة 2011 خلال حراك 20 فبراير الاحتجاجي داخل إحدى البنوك دون الكشف عن الحقيقية .

وقد برز استحضار هذا التاريخ المتوتر في خطاب الحراك الاحتجاجي الريفي الأخير الذي استعاد لهجة هجوم قوية على النظام، ونذكر من بين هذه الشعارات " يا نظام يا جبان الريف لا يهان " و "هذا الريف وحنا ناسو والمخزن يجمع راسو"، "مولاي محمد ارتاح ارتاح سنواصل الكفاح"، والشعار الأخير يمثل إحالة تاريخية لا يستهان بها على شخصية لها رمزية فريدة في وجدان المنطقة، وهو الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي قائد ثورة الريف بين 1912-1926 ضد الاستعمارين الإسباني والفرنسي، وهو شخصية ظلت مناوئة للنظام المركزي عقب الإعلان عن استقلال سنة 1956 من منفاه في جزيرة لاريونيون وحتى وفاته في مصر سنة 1963.

من المستحيل تجاوز هذا العامل التاريخي في محاولة استيعاب التحرك الشعبي الأخير. فمن الصحيح أنه تحرك كان محكوما بسياق مغربي عام يتساوى فيه الريف مع بقية مناطق المغرب وعناوينه العريضة: غياب العدالة الاجتماعية، واتساع الفروقات الطبقية، والاستبداد الأمني والسلطوي. لكن مقتل محسن فكري بتلك الطريقة المروعة فتح جرحا قديما لم يندمل بعد، وكان بمثابة إعلان جديد للأزمة بين الدولة المركزية والريف. فقد كانت هذه الاحتجاجات بيان رفض للمصالحة من طرف واحد الذي تروج له أجهزة الدولة منذ سنوات دون أن تقدم أي اعتذار علني عن أخطائها وفظاعاتها، ولفظا للتحالف البراغماتي بين بعض نخب المنطقة والنظام في عهد الملك محمد السادس الذي قام بعدة زيارات للمنطقة في محاولة منه لتجاوز أخطاء والده. غير أن هذه المصالحة لم تكن سوى شعارا تردده السلطة بغرض التخلص من عبء تاريخي أسود مزعج وتدعمها في ذلك نخبة منهزمة جديدة مغتنية بالمتاجرة بماضي الانتهاكات في الريف فيما تعمل على تبييض وجه النظام وترويج شرعية عقد اجتماعي جديد زائف يؤصل لرواية نهاية المظلمة الريفية وطي هذه الصفحة بشكل نهائي وإلى الأبد.

لم يكن من الممكن عزل واقعة استشهاد محسن فكري عن هذا السياق التاريخي الطويل للعلاقة الصدامية بين الدولة والريف، وفي هذا الإطار يمكن فهم وإن كان بشكل جزئي عدم رفع الأعلام الوطنية المغربية في التظاهرات التي شهدتها مدينة الحسيمة والاستعاضة عنها بالأعلام الأمازيغية وأعلام الجمهورية الريفية. ففي ذلك إحياء للأفكار القومية وللرموز الريفية ورسائل سياسية واضحة لتجديد الإعلان أن سكان الريف غير معنيين بما استقر عليه الحال في دولة ما بعد الاستقلال الناقص سنة 1956 ولا بعلم الدولة لأنها أقصتهم ولم تتشاور معهم. وسيكون إغفال هذا الإحساس الجماعي وإن بدرجات متفاوتة بعدم الانتماء إلى المنظومة التي أنتجت الدولة الحديثة لما بعد إيكس ليبان تقليلا فادحا من أهمية الشعور القومي الريفي ودوره في الحشد للحراك الأخير. ليس مفاجئا أن القيادة المنبثقة عن احتجاجات الحراك قد قررت أن يكون الاجتماع المقبل لقيادة الحراك في مقر القيادة العامة لمُحمد بن عبد الكريم الخطّابي في أجدِير، وهي معلم تاريخي يعبر عن الشرعية التاريخية لجيش التحرير.

وإذا كان الحراك الريفي الأخير لا زال في مرحلة البحث عن توافقات بين مكونات قادته لإنضاج تصورات واضحة وصياغة للأهداف بهدف إعطاء زخم أكبر لهذا الحراك بالتزامن مع ذكرى مرور أربعين يوما على استشهاد محسن فكري، فإن الاحتجاجات المستمرة منذ شهر في الحسيمة أظهرت نقاط قوة كبيرة: السلمية التامة وإبداع أشكال احتجاجية فريدة، التنظيم المحكم، التخلص من الانغلاق الايديولوجي وعدم خندقة السرديات الشعاراتية في زاوية، التواصل بلغة بسيطة، المشاركة القوية للنساء في التظاهرات.

وعلى عكس ما يروج له الإعلام الرسمي للدولة فإن التركيز على رفع الأعلام الريفية والأمازيغية ليس إحياء لتمنيات انفصالية- وهي نزعات موجودة لكنها محدودة- بقدر ما هي رغبة في إجبار الدولة على إعلان عقد سياسي جديد يشرك الريفيين في إدارة شؤون الدولة ويعيد كتابة تاريخ المغرب بشكل يعترف بالدور الريادي الذي لعبته المقاومة الحقيقية في تحرير البلاد من الاحتلال، واقع جديد تقر فيه الدولة بالمظالم التاريخية التي ارتكبتها في الريف. ويجدر الإشارة إلى أن الحراك تجاوز حتى التنظيمات التقليدية والحركات التي كانت عادة تؤطر الاحتجاجات في الريف.

استعادة الشارع

كان من الممكن أن يكون حادث مقتل بائع سمك في مدينة الحسيمة في ريف المغرب عابرا لو لم يكن محكوما بسياق مغربي عام عنوانه الكبير: توتر العلاقة بين المواطن وعدد من مؤسسات الدولة في السنوات الأخيرة. فهي ليست المرة الأولى التي يكون فيها المواطنون في مواجهة سلوكيات أو تصرفات متهورة و غير مسؤولة لرجال محسوبين على السلطة تكون سببا مباشرا أو غير مباشر في الإحساس بظلم اجتماعي يؤدي إلى إنهاء حياة بشرية.

ربما كانت فظاعة مشهد فرم محسن فكري بآلة لشفط الزبالة وهو يحاول يائسا حماية أسماكه من الإتلاف وتنلقله على المواقع الاجتماعية على نطاق واسع ، عاملا زاد من حرارة وقوة هذه الحركة الاحتجاجية الجديدة. لكنه حتما لم يكن السبب الوحيد ولا الرئيسي الذي حرك مئات الآلاف للخروج في تظاهرات حاشدة في عشرات القرى المغربية في 30 من أكتوبر الماضي في حراك احتجاجي لم يشهد له المغرب نظيرا منذ تظاهرات حركة 20 فبراير سنة 2011 التي طالبت بتغييرات سياسية في بنية الحكم وبتحقيق العدالة الاجتماعية. فقد تجاوزت الشعارات في مدينة الحسيمة نفسها مطالب إجراء تحقيق نزيه وتقديم المسؤولين عن قتل محسن فكري للمحاسبة لتواجه بشكل مباشر السياسات الاجتماعية للدولة و مشاريعها التنموية ، وتحول تاريخ 30 أكتوبر إلى فرصة مؤاتية لمحاكمة شاملة لعيوب الدولة.

ويؤشرهذا الخروج الجماعي إلى الشارع على تحولات بنيوية في طبيعة العلاقة بين السلطة والشارع ، فقد أثبتت هذه اللحظة الاحتجاجية أن هذا الشارع قادر على أخذ زمام المبادرة والتعبير عن انفعالاته بتلقائية عن طريق الفعل الاحتجاجي من دون انتظار ضوء أخضر من الدولة أو طلب موافقتها، بل شكلت لحظة 30 أكتوبر ثورة حتى على تقليد الشكل الاحتجاجي المغربي بتجاوزها للتنظيمات السياسية والحقوقية والجمعيات التي كانت عادة تؤطر هذه الاحتجاجات أو تدعو إليها.

ويمكن أن نستخلص من خلال التمعن في الشعارات والخطاب الذي حمله الساخطون -سواء تلك التي لوحظت أثناء المظاهرات أو التي تم رصدها عبر وسائل التواصل الاجتماعي- أن هذه اللحظة الانفعالية لم تنظر إلى مقتل محسن فكري كحادث منعزل أو كتجاوز منفرد بل كجزء من البنية والثقافة السلطوية للدولة وعقيدة إدارتها للعلاقة مع المواطنين. ويعكس هذا الوعي قراءة أنضجها الشارع بمراكمة خيبات أمل متتالية من وعود الدولة بالتحقيق في حوادث ومآس اجتماعية مماثلة أزهقت فيها أرواح بسبب تغول العقل السلطوي للدولة. وفي هذا السياق يمكن فهم الاتهام المباشر للدولة بالمسؤولية عن مقتل محسن فكري بصرف النظر عما إذا كانت هذه المسؤولية مادية مباشرة أو معنوية غير مباشرة، كإعلان عن هشاشة هذا التعاقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، وكإعلان صريح عن الأزمة ودعوة للدولة/السلطة لاستيعاب الدروس ومراجعة ذاتها وإصلاح نفسها بشكل جذري عوض عن المراهنة على عامل الوقت لامتصاص حالات الغضب و التوترات والانفعالات التي تضعها في مواجهة مع المجتمع.

مأزق الدولة

حاولت الدولة احتواء الوضع بأن سارعت على عجل إلى محاولة بعث تطمينات للمتظاهرين بتفهمها لمشاعر غضبهم، ولم تكن الدولة لتفعل ذلك لو لم تشعر بأن في دعوات الاحتجاج مواجهة لرأس الدولة نفسها وأن الغضب ليس محصورا في رجل سلطة أو أمن هو نتاج ثقافة وتربية مؤسسته، فجاء الرد من أعلى سلطة سياسية وليس من السلطة الإدارية أو الأمنية بأن أرسل رئيس الدولة وزير داخليته ووزيره المنتدب فيها على عجل إلى الحسيمة لتعزية عائلة الضحية والإعلان عن حزمة إجراءات صارمة لمعاقبة المتسببين في الحادثة.

ونقل وزير الداخلية على لسان رئيس الدولة تعهده بفتح تحقيق معمق يشمل الجميع لكي لا تتكرر مثل هذه الحوادث. وقال وزير الداخلية بالحرف :"الملك لا يمكن أن يقبل بأن تقع مثل هذه الحوادث في المغرب" وهو خطاب أزمة يؤشر على حجم شعور النظام السياسي بخطورة مثل هذه الأحداث وتأثيرها السلبي على صورته وإدراكا ضمنيا ولو غير معلن لتغيير التوازنات وبأن الفصل والتمييز بين ممارسات أفراد تابعين للسلطة والسلطة السياسية بالنسبة إلى مواطن اليوم لم يعد ممكنا.

واضطرت الدولة على مضض إلى تقبل ما لم تنظر إليه أبدا بعين القبول وهو أن يكون الفضاء العام مجالا للتعبير الحر عن الغضب منها وانتقادها،.وفي مشهد معاد للتظاهرات الأولى لحركة 20 فبراير من سنة 2011 اختفى رجال الأمن من الشوارع وتقبلت الدولة بمرارة أن يجري جلدها في الشارع العام بقسوة، وهذه رسالة سياسية أخرى نجح المتظاهرون في تمريرها وهي أن الفضاء العام ملك لهم ويستطيعون استعادته وتحريره متى شعروا بالحاجة إلى ذلك وما دامت "الحكرة(الاحتقار والظلم الاجتماعي) و غياب الكرامة والعدالة الاجتماعية والاستبداد الأمني والسياسي حاضرا. وما دامت مؤسسات الدولة قاصرة عن فهم هذه الحاجة المجتمعية الملحة إلى دولة اجتماعية عادلة تخرج من قمقم السلطوية فإن شرعية الشارع يمكن استحضارها في أي لحظة.

ويظهر أن الدولة أصبحت تراهن اليوم على عامل الزمن وعلى ترك الشكل الاحتجاجي يكرر نفس مسارات الحركات الاجتجاجية السابقة التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة بأن تنهك وتتعب من تلقاء نفسها، أو تنفض من حولها الجماهير التي لا تستطيع البقاء في الشارع إلى الأبد دون هدف أو أفق واضح ودون انتزاع أي مكاسب، ليمنح هذا الانسحاب الجماهيري بالتالي شرعية التدخل للدولة لقمع من تبقى من المحتجين في الشارع، وهي مقاربة جديدة – قديمة تعكس جزءا من مأزق الدولة في فهم ومسايرة التحولات ورهانا متجددا وخاطئا على الزمن لتجاوز لحظة التوتر الراهنة قبل عودة سريعة إلى فرض أمر واقع.

About the author

Imad Stitou is a Moroccan journalist who has worked for several renowned newspapers in Morocco, including al-Massae, al-Aan and Hespress magazines. He was one of several independent journalists who established the French-speaking Le Desk news website. He was a correspondent for Lebanese daily Al-Akhbar, and London’s Al-Quds al-Arabi. He is a contributor for US-based Al-Monitor and publishes regular political analyses on the Carnegie-affiliated Sada website. Stitou was part of the student leftist movement before joining the Unified Socialist Party.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.