Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

طائفيتنا التي لم ينتجها النظام

يبدو الحديث عن الطائفية في سوريا أشبه بالوقوف على خط النار، إذ كيف يمكن الحديث عن الطائفية دون تأبيدها؟ English

ينشر هذا المقال ضمن ملف يتناول الثقافة الشفوية في سورية، بالتعاون والشراكة مع موقع حكاية ما انحكت، في محاولة لفهم جذور الطائفية والقومية وغيرها في سورية

 

ومن الواضح تماماً أنّ الاجابات المقتضبة حول تشريح الواقع كما هو لا تقدم إجابة منصفة، فالواقع حمّال أوجه، ويمكن أيضاً تحليله بمنظور طائفي يمكّن أصحابه من إطلاق أحكام وتوصيفات، هي طائفية بطبيعتها.

نعم أي حديث عن الطائفية قد يساهم، فقط، في تعزيزها. كما يبدو أنّ المستفيد الأكبر حتى هذه اللحظة من أي حديث عن الطائفية هو "الدولة السورية" التي تستغل السلطة السياسية المتحكمة بكافة مفاصل الأمور فيها، دوراً مفترضاً لهذه الدولة بحماية جميع مواطنيها من جميع الطوائف، دافعةً بمقاربات تظهر القول والفعل الطائفي وكأنه منتج ثورة 2011.

أسطورة مجتمع متماسك

ومن موقع خطاب هذه السلطة وسلوكها المفترض في "تجاوز الطوائف"، تأتي كل الحجج الشعبوية التي أطلقها مؤيدو النظام مع بداية الثورة. وعلى سبيل المثال: أننا لم نعرف الطائفية إلا بعد الثورة .أن الواحد منا عندما كان يسأل والده، والوالد حصراً، عن انتماء العائلة الطائفي، كان يتعرض للتعنيف الجسدي من العائلة فالانتماء الطائفي ليس مهماً في سوريا ما قبل الثورة حسب تلك الإدعاءات.

كل تلك المقولات، كانت تطلق من قبل مؤيدي النظام في وجه من أيد الثورة في البداية، مقولات عن تماسك مفترض للمجتمع السوري قبل انطلاق الحركة الاحتجاجية، عرضته أو تعرضه (الحركة الاحتجاجية) بظهورها المفاجئ لمخاطر البلبلة والتبدد حين أطلت برأسها الخجول.

في حينها، كان أي حديث عن الثورة والتغيير السياسي في سوريا أو حتى عن ضرورة إيجاد حل عادل لقضايا الفساد فقط، يتبع مباشرة بحديث جمهور النظام عن الطائفية والوحدة الوطنية.

وراح من نعرفه ونعرف مدى تغلغل الوعي الطائفي حتى في علاقاته الشخصية، يحدثنا عن تعنيف أهله له عندما سألهم لأول مرة عن انتمائه الطائفي، قصة يعرف هو وأهله ونحن وأهلنا بأنها ليست من الواقعية بشيء لا قبل الثورة ولا بعدها. تلك القصة نعرف جميعاً أنها كاذبة، فلم يتعرض أي طفل لأي نوع من أنواع التعنيف الحقيقي نتيجة لرغبته في معرفة طائفة أهله بل تعرضت الأغلبية الساحقة للتعنيف لعدم رغبتهم في مجاراة الوعي الطائفي للأهل.

ولعل مسح الطبيعة الديموغرافية للمدن والأحياء المدينية وقرى الريف كاملة كفيل بإظهار ماهية الأمور، وأدنى معرفة لغوية عن كيف يتحدث أتباع كل طائفة عن أتباع الطوائف الأخرى كفيلة بإثبات عكس تلك السردية "المتجانسة" تماماً، حيث ترى خطوط تماس واضحة للعيان بين مناطق سكن المجموعات الإثنية والطائفية والدينية المختلفة.

و نحن إذ نمشي في شوارع مدينة مختلطة الطوائف على امتداد كل المساحة السورية، نستطيع مباشرة ملاحظة أنّ نمط الحياة هنا مختلف جداً عن المناطق الأخرى، ففي شارع معين تكثر الصلبان على المنازل، وفي شارع أخر ترتدي النساء الحجاب بشكل أكثر بكثير من كل المناطق الأخرى، وفي كل المناطق هناك لهجات مختلفة لكل طائفة، إذ لا يتحدث السني نفس لهجة العلوي، ولا يتحدث العلوي لهجة المسيحي. كل هذا يجعل الفصل الديموغرافي والاختلاف في طبيعة الأحياء الطائفية واضح للعيان دون معرفة المدينة من قبل أي فصل ديموغرافي (طوعي أو منظم). لكنه يبدو ظاهراً بشكل فج جداً حتى للسياح.

وقد استغل النظام واللجان الشعبية الرديفة لعمله هذا الفصل بشكل واضح مع بداية الثورة، حيث تم إقامة مجموعة من الحواجز على مداخل أحياء بعينها (أحياء السنة) دون أخرى. وكان ذلك كأنه إعلان حقيقي عن وجود تلك الحدود التي رسمت في أذهان سكان الأحياء من كافة المجموعات، وذلك قبل أن تعلن ردة فعل النظام على الثورة، والثورة بمقدار معين أيضاً، عن وجود تلك الحدود كشيء فيزيائي. ولكن تلك الحدود كانت ترسمها قبل ذلك مجموعة من الرموز والدلالات التي تخص طائفة دون أخرى، كانت تحددها أنماط حياة ولباس وحتى أنماط مختلفة من الطعام، وكان يعلنها وبشكل واضح انتشار لهجات معينة في مناطق دون أخرى، أسماء المحلات في الشوارع، نمط في الحديث مع الآخرين وعن الآخرين.

تلك الرموز كانت تمثل الحدود القصوى لأماكن السيطرة التي يمكن أن يصل إليها عقل وعي جمعي، تاريخ شفوي، جملة من الرموز والإشارات اللغوية والجسدية، وحتى أين يمكن أن تصل حدود زعران وشبيحة بعض الأحياء.

مدينة طرطوس.. مثالا

كان من المعروف في مدن كطرطوس مثلاً، أنّ لكل مجموعة زعرانها وشباب الحارات والزوايا الخاصين بها، وهناك ما يشبه عرف أو "عقد اجتماعي" غير معلن وغير مكتوب، يفيد ويقرّر كيف يتعامل السكان في حال وجودهم في أماكن سكن المجموعات الأخرى مع المكان والسكان هناك. وكان هذا العقد ملزماً حتى للزعران والقبضايات، وكان خروج أحدهم عن ذلك العقد يعتبر نوعاً من أنواع التوريط الذي قد يدفع ثمنه مجتمع ذلك "الخارج" كاملاً وليس هو فقط. كان ذلك العقد أيضاً بمثابة إعلان أشكال تطوّر مختلفة بين المناطق المأهولة بتشكيلات ديموغرافية مختلفة.

كانت كل طائفة، خلال فترة تطور وازدهار المدن مع ازدياد هجرة الريف إلى المدينة، قد طورت زعرانها الداخليين ورجالها الممثلين، وطعامها الخاص أحياناً، ومجموعة رموز يمكن بها الدلالة على وجود الآخرين أو الإشارة إليهم في حالة حديث لم يأمن متحدثه من وجود ما قد يثير البلبلة، ويصل مسامع الآخر أو أن يصبح حديثاً علنياً.

طائفية كانت تُظهر نفسها في أصابع مرتعدة، تحاول أن تلتف على معصم مرتعد من أحدهم لكي يثير انتباه الآخرين إلى وجود شخص من الطائفة العلوية.

كانت محاولة للقول بأن في الجلسة أحد لابسي "الخلعات" (قطعة من القماش توضع على مقامات الأولياء الصالحين، ومن ثم يأخذ أبناء الطائفة العلوية قطعا منها ليتم تحويلها إلى رباط/ سوار يتم عقده على المعصم على أمل حماية لابسها من الشرور)، دلالة يفهمها كل الآخرين بسرعة ويفهمها العلوي قبل غيره. وينتهي هذا السيناريو عادة بتوبيخ من أطلق العنان للسانه في توصيف العلويين على أنهم "نصيريين"، و"فستيك" و"شمبريص" (ألفاظ تحقير يتم استخدامها من قبل السنة للحديث عن العلويين)، وأنّهم سيعودون لقراهم فاقدي حضارة كما جاؤوا وساخراً من كل رموز الطائفة ومشايخها ومن أسطورة مزار "أبو طاقة" (مقام لأحد الأولياء الصالحين يدّعي جمهور من العلويين بأنّ له قدرات عجيبة في كشف الكذب)، توبيخ ينهال على صاحبنا السني مثلاً كونه أطلق العنان للسانه دون حسبان لا لكونه أخطأ في توصيفاته!

وفي الجهة المقابلة من طرطوس، يحاول طرطوسي آخر بمشقة أن يضع طرف إبهامه على المفصل الأول لسبابته، إذ يعتقد صاحبنا أن بإمكان ذلك كبح جماح صديقه الذي ما فتأ يتحدث عن السنة وعن علاقة مشايخهم بالغرائب الجنسية، وما الذي تفعله نسائهم تحت الحجاب، مستخدما الخليفتين الراشدين عمر ابن الخطاب وأبي بكر الصديق كشتائم تلقى كيفما اتفق. وأحيانا، يحاول شخص ما في الجلسة إظهار أسنانه لامعة والعبور بأصابعه على كل الأسنان، منتهياً بالنقر عليها أو الحديث عن ألم أسنانه في الليلة الماضية، تلك إشارة يفهمها الجميع، هناك "قشمر" (لفظ مهين يتم استخدامه من قبل العلويين لتوصيف السنة دون التصريح بذلك) لا يدخل في دين الحبيب إلا عن طريق القضيب، في إشارة إلى اعتقاد بعض العلويين بأن رجل الدين السني يجب أن يمارس الجنس مع طالب العلم الديني قبل أن يعلمه. وبعد أن يغادر القشمر أو القشامر سيتعرض صاحبنا لتوبيخ مماثل لما تعرّض له صديقنا السني هناك: كيف تسمح لنفسك بالحديث كذلك أمام السني! المشكلة هنا أن الحديث جرى أمام السني لا أن الحديث قد جرى!

وحتى انصراف "القشامر" أو "الشمبريص"، يمكن للطرفين دون أي خوف المباشرة في حديث عن عيد "البقبيشة"، وهي احتفالية جنس جماعي مفترضة ينضم لها كل أبناء طائفة ما، يقول أحدهم أنه متأكد من أنها "المراشدة"، يعارض أخر بحدة، إنه عيد الإسماعيلين، يقول أحدهم بأنه سمع عن شاب شارك في هذا الطقس الجنسي، وأراد معرفة مع من مارس الجنس حيث الظلام الداكن لا يسمح لك بمعرفة ما الذي يحصل، ليكتشف الشاب اليافع أنه مارس الجنس مع أمه وأخته فقتلهما وقتل نفسه. رواية لن يستطيع أي من الحضور تأكيدها. ولكن الجميع يوافق على أنه طقس شيطاني ويعم بذلك السلام بين القشامر والشمبريص.

الحديث عن المسيحيين

وأيضا وحتى انصراف القشامر أو الشمبريص، يتم تلخيص الحديث عن المسيحيين بلباس بناتهم، طراوة عود شبابهم المشكوك في رجولتهم وذكوريتهم، وعلاقة ذلك بأكل لحم الخنزير، ألم يقل المثل الشهير "تغدى عند السني/العلوي/المرشدي/الدرزي/اليهودي، ونام عند المسيحي"؟

يمكنك أن تثق بالمسيحي لدرجة أن تنام في منزله فهو لن يغدر كالآخرين، والآخرون هنا هم طيف واسع من الطوائف، فكل طائفة تصيغ من يمكننا أن نأكل عنده حسب العلاقات التاريخية التي تجمع الطوائف، ولكن لا تثق بطعام المسيحي، المسيحي يريدك أن تأكل لحم الخنزير لكي تصبح مثله، ولحم الخنزير مسؤول بشكل أو بأخر عن قلة هرمونات الذكورة المسؤولة بدورها عن عدم رضى الأخ عن تنورة أخته القصيرة جداً!

اختلاط محدود.. أقاليم واضحة

عموماً ليس هنالك ما يخيف، فقد كانت تلك الأنماط من الجلسات المختلطة نادرة الحدوث على كل حال، غالباً ما يجلس المرء مع خليل، هو صديق الحارة، والحارة لها لون واحد، لا يحتاج لتوصيفات ولا لدلالات ولا لرموز. هناك في الحارات، والشعبية منها خصوصاً، نحن نحيا ونموت مع بعضنا البعض، لا يضطر أحدنا إلى التواصل مع الآخر، ولن يضطر أحدنا لاستخدام أصابعه في دلالات ورموز قد لا نحبذ استخدامها دائماً لأنها تذكره بضبط النفس. هنا، في تلك الحارات يعتبر وجود الآخر هفوة لا يجب أن يحاسب عليها أحد غيره، هو المسؤول عن وجوده هنا وعن ردات فعل الآخرين.

أذكر أننا كنا في مقهى شعبي في حارة ذات لون واحد غالباً، وانطلق أحد الأشخاص في حديث عن العلويين بصوت أعلى من مستويات الصوت المقبولة في الأماكن المختلطة، إذ يشعر صاحبنا هنا بالأمان والثقة ولا يخشى شيئاً. كانت الطريقة الوحيدة لكبت جماح صاحبنا هو تصريح أحدهم علناً وبصوت واضح أيضاً: صاحبنا الجالس معنا هنا على الطاولة من الطائفة الكريمة!

بعد برهة من الصمت انطلق صاحبنا في جلسة تقريع للجميع ولمن يعتبر ضيفاً: لماذا لم يصرح بطائفته منذ البدء!

هنا تعتبر تلك ذلة من لم يصرح بكونه غريب! والأصل في الحارات الإباحة ما لم يصدر التحريم، على عكس الحارات المختلطة حيث الأصل تحريم الحديث العلني عن الطوائف حتى يثبت العكس، الرموز والدلالات والحركات الباطنية تنتمي إلى الحارات المختلطة أو أماكن التواصل.

في تلك الحارات يلقن الآباء أبنائهم درساً في كيفية الحديث على الهاتف وفي الشارع وفي المدرسة. أذكر طفلاً في حارتنا كان يحادث أقرباء له على الهاتف في عمر الخامسة أو السادسة، كان أحد أقرباءه قد وقع في حب فتاة إسماعيلية. أذكر الطفل يقول لقريبه في حوار هاتفي: لا نريد تلك الفتاة فهي إسماعيلية! تسارعت نبضات القلب وتسابقت الأيادي لكي تنتزع سماعة الهاتف من يد الطفل الذي لا يعرف بعد، ما يحكى وما لا يمكن قوله علناً.

أذكر أننا عندما انتقلنا من حارة إلى حارة أخرى في نهاية تسعينات القرن الماضي، وكنت حينها في أول مراحل المدرسة الإعدادية، وفي أول يوم في الحارة المختلطة نسبياً، اجتمع أطفال الحارة وسألوني بصراحةٍ فيما لو كنت سنياً أو علوياً فأمي وأخواتي لا يرتدين الحجاب، ولكن لهجتنا مختلفة!

كانت حالة يصعب معها تحديد الطائفة بسهولة، وكانوا مضطرين للسؤال بشكل علني، ونتيجة للحذر أو لموقف أهلي من تلك الظاهرة، فقد كنت أنكر الإجابة حتى بدؤوا بسؤالي فيما لو كنت أعرف الخلعة، عرفوا الجواب على سؤالهم بعد أن أجبت.

فهم مشترك للحدود الطائفية ورموزها

تلك الطائفية التي يعرفها الجميع، والتي كان يعرفها حتى أبناء الشيوعيين ممن تربوا (على فرض)، بعيداً عن العقل الديني السائد. أذكر أنني أخذت صديقاً منهم في نزهة في أحد أحياء طرطوس التي لم يزرها من قبل، وكان مشدوهاً بالمكان وحذراً أو خائفاً بشكل ملحوظ جداً من الوسط المحيط الذي لا ينتمي أجداد صديقنا المذكور إليه، ويبدو وكأنه قد تلقى صفعة حضارية تشبه أول زيارة لدمشق أو نيويورك، فالكل سواء وبيئة مختلفة إلى هذه الدرجة كانت مخيفة لصديقنا الذي لا ينتمي هو نفسه (مذهبياً على الأقل) إلى أي طائفة وتخلى أهله عن الطوائف، ومع ذلك كان من الصعب عليه ألا يشعر بالخوف في بيئة مختلفة تماماً عن بيئته حيث يعيش.

تلك الطائفية التي تعلن أن منطقة خراب إسلام التي تبدأ حدودها من مسجد السلام معلناً بدء حدود المنطقة التي يمكن فيها للسني الطرطوسي التحرك بأريحية كاملة ضمن نطاقها، منطقة تنتهي في آخر شارع المينا نوعاً ما، حيث يعود الحذر سيد الموقف، ففي تلك المنطقة تنتشر النساء المحجبات والكتابات التي تعلن عن زيارات الحج والعمرة، ولا يكتب فيها أسماء النساء من أخوات وزوجات الفقيد على النعوات التي تلصق في الشوارع.

وتسبق منطقة السنة جنوباً من الجهة الأخرى منطقة خراب مسيحية التي تعلن عن بدايتها عن طريق وجود كنيسة السيدة التي تقابل تماماً جامع السلام، تلك منطقة تمتد حتى مطعم المشوار وتحتوي على أكثر الأماكن حيوية بالنسبة لأبناء المدينة كالمقاهي المختلطة ومحلاث الثياب الباهظة الثمن ومحلات الذهب. وهناك تنتشر أيضا، صور الفنانين وحفلاتهم القادمة والنعوات التي يترأسها صليب وصورة الفقيد أو الفقيدة، تلك منطقة المسيحي الطرطوسي الحيوية، وجنوبها تماماً تبدأ منطقة يتمكن فيها العلوي الطرطوسي التحرك والتصرف بأريحية، تبدأ تلك المنطقة بجامع الإمام علي الذي يقع خلف مطعم المشوار تماماً، حتى نهاية جنوب طرطوس بالغمقة الغربية، منطقة تحتوي نعوات الفقيد على أسماء النساء من أخواته وبناته وزوجته، تنتشر فيها صور بشار الأسد وقبلها صور حافظ، ومع بداية القرن الواحد والعشرين بدأت تنتشر صور حسن نصر الله أيضاً.

تلك الحدود والرموز صنعها مؤسسو المدينة "المعاصرة" وقد صنعت جغرافياً، وأنتروبولوجياً، ولسانياً وحَفر لها مكاناً في كل تفاصيل الحياة اليومية، وعند الحديث عن مؤسسي المدينة "المعاصرة" لا يمكن الحديث هنا لا عن النظام ولا عن الاستعمار ولا عن مرحلة تاريخية بحد ذاتها. ولكن يمكن بكل تأكيد ويسر القول بأن الجميع فشلوا في تغيير هذه الحالة، و لربما أرادوا لهذا التأسيس أن يستمر. يمكن القول مثلا، وبكل تأكيد أن النظام قد ساهم بتعزيز هذه الحدود وتحويلها إلى واقع ملموس ومعترف به، عندما سارع بوضع حواجز أمنية على مداخل الأحياء السنية في طرطوس دون غيرها، رغم أن تلك الأحياء لم تكن نشطة سياسياً، ولا حتى ضمن الحدود الدنيا لما يمكن توصيفه نشاط سياسي في مرحلة بداية الثورة في سوريا، وذلك قد ساهم أكثر في تعزيز التقوقع الطائفي في مدينة ليست، وبكل تأكيد، وكما يعرف كل سكانها، بذات الشأن أو الأهمية فيما يحصل أو حصل تاريخياً في سوريا منذ عهد الفينيقيين، بل يعلم جميع سكانها أن المدينة كانت وما زالت عرضة للتهميش شكل فج جداً ووقح من قبل السلطة الحاكمة، فيما لو تمت مقارنتها بالمدن الأخرى كاللاذقية أو حمص قبل الثورة وبعدها.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.