Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

إعادة تدوير البشر! ... هل فكرتَ في أن تصبحَ شجرة؟

علبة صغيرة بمائة دولار فقط تضمن لكَ حياة أخرى على الأرض لكن بهيئة شجرة

Berat, Albania - Painted decorative ceiling of the Prayer hall of the Helveti Tekke or Teqe e Helvetive, a Bektashi Sufi shrine. Picture by Manuel Cohen/Zuma Press/PA Images. All rights reserved. من منا يتذكر الدرس البسيط في العلوم عن الألوان، وكيف أن الألوان ليست حقيقية! أغلبنا لا يتذكر لأنّ عملية حفظ الدروس،  تُخزنُ غالباً في الجزء المؤقت من ذاكرتنا ما دامت لا ترتبط بصور واقعية أبعد من نتيجة الامتحان.

الألوان ليست حقيقة، فرؤيتك لشيء أحمر ليس لأنهُ مكون من جزيئات حمراء، بل لأن سطحه يمتص كل ألوان الطيف عدا الأحمر، فلا ترى سواه، وإذا ما امتص الجسم كل الألوان ستراهُ أسوداً كالفحم، أما إذا أفتقرَ الجسم لقابلية امتصاص أي لون، ظهر باللون الأبيض كالورقة، وهي أشياء لها علاقة بالطول الموجي للألوان، والبعد بين الذرات المكونة للمادة.

اللون الأخضر بالذات من الألوان المحببة للإنسان، تُذكره بارتباطه الأزلي  بالطبيعة وتجددها. اللون الأخضر ليسَ من الألوان الأساسية -الأحمر والأصفر والأزرق- الأخضر لون ثانوي، والجمع بين صفرة الشمس مع زرقة المحيط سيُنتجان لوناً أخضراً كالحياة، بينما إزالة هذين اللونين لن يبقي إلا على اللون الأحمر! لذلكَ يرتدي الأطباء والممرضين في صالات العمليات اللون الأخضر، لغرض التصحيح البصري بعد النظر لفترة طويلة إلى اللون الأحمر للدم. اللون الأخضر جلوة البصر، وراحة للنفس، وإنّ ارتباطه الوثيق بالحياة  جعل منه لوناً مقدساً لدى أغلب الشعوب، فنجدهُ يرمز في المخيال الشعبي مثلاً إلى البيت النبوي، يتبرّك المؤمنون بقطع من القماش الأخضر تُعلق في ضريح ولي، أو تمسح بشباك قبرهِ. وهو أيضاً لون السلام، ولون غصن الزيتون الذي حملتهُ الحمامة لتؤكد على رجوع الحياة بعد انحسار الطوفان.

بما أن الموضة العالمية اليوم هي في إعادة تدوير الأشياء للحفاظ على مصادر البيئة المحدودة أصلاً،  والحفاظ على لون الأرض الأخضر، هل فكرتَ يوماً في إمكانية إعادة تدوير البشر! لِمَ لا؛ البشر الذين يلوثون الأرض بشتى الأشكال،  يسفكونَ الدم في حروبهم التي لا تنتهي، ويستهلكون موارد البيئة بوصفهم كائنات مستهلكة، صارَ بإمكانهم الآن أن يتحولوا إلى كائنات منتجة، وأن يساهموا في التصحيح البصري ويصيروا أشجاراً!

علبة صغيرة بمائة دولار فقط تضمن لكَ حياة أخرى على الأرض لكن بهيئة شجرة

في العام 1997 تقدم الشاب الإسباني "جيرارد موليني"، مواليد برشلونة 1977، بفكرة غريبة، ماذا لو أعدنا تدوير البشر، ماذا لو حولناهم إلى أشجار صديقة للبيئة. وعلى مدى خمسة عشر عاماً لم يتوقف عن الترويج لفكرته وإجراء التجارب لمعرفة أفضل الطرق وأبسطها لذلك، حتى أصبحت الشركة اليوم شركة قانونية ومعتمدة يديرها من مقرها في برشلونة مع أخيهِ الأصغر سناً "روجر موليني".الشركة المعروفة بإسم "Bio urns" مستمرة بشحن الأكواب العضوية التي يُخزن فيها رماد الموتى، إلى أي مكان في العالم، مع وضع كمية من البذور لأكثر من نبات لتزرعه حسب رغبتك في جثة الميت، وطلب أربع أكواب أو أكثر سيُعفيكَ من دفع رسوم النقل. طبعاً هذهِ الأكواب باتت تستخدم لدفن ليسَ البشر وحسب، بل حتى حيواناتهم الأليفة!

في الوقت ذاته تقدم العالمان الإيطاليان  آنا تشيتلي وراؤول بريتزل بطلب الموافقة على مشروع مماثل، حيث صمم العالمان كبسولات دفن لحفظ كامل الجسد، وليسَ الرماد فقط، هذهِ الكبسولات تحوي أنزيمات ومواد عضوية تسرع من عملية تحليل الجسد وتحويلهِ إلى مواد غذائية صالحة لإنبات النبات الذي تُزرع بذوره داخل الكبسولة، لكن الحكومة الإيطالية رفضت الطلب.

وقبلَ عامين تقريباً أطلق الشباب العراقي عبر الفيسبوك ومواقع التواصل الأخرى حملة مماثلة وفاءً لشهداء العراق وبالأخص شهداء الجيش والحشد الشعبي، الحملة التي أُطلق عليها "صرخة تصحر" والتي تُشرف عليها منظمة "صرخة" للإغاثة والتنمية، تقوم هذهِ الحملة على أساس زرع شجرة الكابرس، التي تمتاز بتحملها للأجواء المناخية الصعبة، وتحمل كل شجرة بطاقة بإسم الشهيد الذي زُرعت لأجله، وإن علت في الوقت ذاته صرخات أخرى لأختيار نوع آخر من الأشجار بعد إيراد بعض خبراء البيئة أضراراً هائلة قد يسببها هذا النوع من الأشجار.

منذ أن انطلقت الحملة وصفحات التواصل مستمرة بدعمها، تحت وسم "زرعت شجرة لشهيد" وقد تبرع الكثيرين بأكثر من شجرة، بعض المنظمات تبرعت بما يصل إلى مائة شجرة، وبادرت حملة أنا الإنسان في محافظة البصرة إلى زرع 1700 شجرة وفاءً لشهداء مجزرة سبايكر، هذهِ المبادرة وغيرها من المبادرات تهدف إلى محاربة ظاهرة التصحر، وفي الوقت ذاته تُساهم في إعادة التصحيح البصري لأعين العراقيين الذين تعبوا من النظر طويلاً إلى الدم المسفوح هدراً في الحروب.

About the author

رغد قاسم

كاتبة ومترجمة من العراق

 


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.