Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

تونس: النسوية الانتقائية وتهميش كِفاحات النساء

حان الوقت للتصدّي لنهج الدولة التقليدي في استخدام حقوق النساء كأداة لتحقيق أغراض سياسية.  English

Fauque Nicolas/ABACA/Press Association Images. All rights reserved. Tunisian women shout slogans and hold posters reading, "don't touch my rights" and "woman is the future of man" during a protest calling for the respect of women's rights and other fundamental rights in Tunis, Tunisia, August 13, 2012. Fauque Nicolas/ABACA/Press Association Images. All rights reserved.

مع وسم #تونس_تؤدب_الإمارات، ودّعت تونس عام ٢٠١٧ الذي شهد إصلاحات تاريخية في مجال حقوق المرأة.

مرّر البرلمان التونسي قانوناً هامّاً وهو قانون العنف ضدّ المرأة الذي ضمّ بشكل غير مسبوق بنوداً تقدّمية تعاقب العنف الأسري والاغتصاب الزوجي. كما أمر الرئيس بإلغاء القانون الذي كان يمنع النساء التونسيات عن الزواج من رجال غير مسلمين على مرّ العقود، ودعا إلى وضع قوانين للمساواة في الميراث. 

حقوق المرأة، الحكومة والاستخدام السياسي

رسّخت جميع هذه الإصلاحات والتشريعات، خصوصاً رفع الضوابط عن زواج المرأة التونسية من غير مسلم، موقع تونس كدولة عربية رائدة في مجال حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين.

لكنّ الشكّ كان سيّد الموقف بين النشطاء التونسيين تجاه هذه الإصلاحات إذ شدّدوا على توقيتها الجدليّ (إذ جاءت مباشرة بعد تمرير مشروع قانون العفو الذي لم يلقَ ترحيباً كبيراً) وعلّقوا على استمرار نهج الدولة التقليدي في استخدام حقوق المرأة كأداة لأغراض سياسية. 

تعقيدات الساحة السياسية والاجتماعية في تونس

يتولّى الرئيس الباجي قائد السبسي مناصب في السلطة السياسية التونسية منذ ستة عقود. على غرار أسلافه الذين حكموا قبل الثورة، يستنجد بالنسوية الاختيارية وحقوق المرأة لإضعاف خصومه السياسيين والتلاعب بالرأي العام وإخفاء تجاهل الحكومة التامّ لمطالب الثورة التونسية.

تمّ التخطيط لهذه الالتفاتة المفاجئة إلى حقوق المرأة بهذا التوقيت بعناية. عبر رفع الحظر عن الزواج المختلط، كان السبسي مدركاً كامل الإدراك كيف يشتّت الانتباه المحلي والدولي بعيداً عن مشروع قانون المصالحة الشائن.

كما تمكّن السبسي، من خلال مناداته بقوانين المساواة في الميراث قبل بضعة أشهر من الانتخابات المحلية التي تمّ تأجيلها، من وضع حزب النهضة أمام خيارين، أحلاهما مرّ: دعم السبسي والمخاطرة بفقدان عدد ملحوظ من الأصوات أو معارضته والمخاطرة بإبعاد شريحة أخرى من المجتمع التونسي وخسارة الدعم الدولي.

على أرض الواقع، لا يمكن محو النظام الأبوي من تونس بين ليلة وضحاها، خصوصاً عندما يكون تاريخ الرئيس المعني حافلاً بإهانة النساء ومعاملتهنّ بتعالٍ.

لعلّ المثل الأشهر كان ردّ السبسي على سؤال صحفي عن الانتقاد العلني الذي وجّهته محرزية العبيدي، النائبة الأولى لرئيس المجلس الوطني التأسيسي التونسي حينها، للسبسي كرئيس وزراء. أردف السبسي عندها قائلاً: "ماذا بوسعي القول؟ إنّها مجرّد امرأة".

أثارت إجابة السبسي المهينة لامرأة سياسية في مركز متقدّم الغضب، ولم تكُن هذه الحادثة الأولى من نوعها.

في عام ٢٠١١، ردّ على سؤال صحفية بسؤال آخر عن عمرها، وبهدف التقليل من شأنها، ناداها "يا طفلة"، مثيراً ضحكات الرجال من حوله.

في عام ٢٠١١، أثارت تعليقات السبسي خلال مقابلة في برنامج حوار مصري القلق، عندما قال إنّ المنقّبات يشبهن الغراب.    

تهميش حقوق المرأة

أمام هذه المعطيات، تجدر الإشارة إلى أنّ المجتمع الدولي يُلام أيضاً على النسوية الانتقائية. لطالما كانت الحكومات الغربية على علم بانتهاكات حقوق الإنسان المستشرية التي يرتكبها حلفاؤها في المنطقة، لا بل فضّلت هذه الحكومات التزام الصمت وفي بعض الأحيان التواطؤ في هذه الانتهاكات التي تشمل التمييز ضدّ المرأة. تشكّل المملكة العربية السعودية المثل الرئيسي عن ذلك.   

بسبب الاهتمام الدولي باحتياطي النفط الكبير لدى السعودية وبموقعها الجغرافي الإستراتيجي، أُنزلت الأعلام في المملكة المتحدة بينما تمّ تنكيسها في أستراليا لدى وفاة الملك عبد الله عام ٢٠١٥.

وصف الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما العلاقات الأمريكية-السعودية بالـ"الأصيلة والدافئة" وأثنت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد على رئيس الدولة الوحيدة التي لم يكُن يسمح فيها للنساء بقيادة السيارة، قائلةً إنه "داعم قويّ للنساء".

وفق النهج نفسه، أملَت العلاقات الاقتصادية المتينة بين النظام الدكتاتوري في تونس وفرنسا موقف هذه الأخيرة من مستعمرتها السابقة (أي تونس). في هذا السياق، لم تكُن إشادة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بتونس كـ"عمود الاستقرار والسلام" مفاجِئة، وكذلك إعلانه زيادة الدعم المالي لتونس في عام ١٩٩٥ وتوانيه عن ذِكر انتهاكات حقوق الإنسان المريعة لاعتباره ذلك مناسباً.

سكتت الولايات المتحدة أيضاً عن الانتهاكات الواسعة والقمع الذي مارسته السلطة وعن اضطهاد النساء وفضّلت مساندة نظام بن علي بسبب تعاونه في "الحرب ضدّ الإرهاب" وقانون مكافحة الإرهاب في عام ٢٠٠٣.

قبل الثورة، حرم المنشور ١٠٨ النساء من حقّ وضع الحجاب في المؤسسات العامة، ما أدّى إلى عقود من المضايقات والسجن والاضطهاد على يَد الحكومة. غضّت منظمات غير حكومية دولية مثل أوكسفام النظر عن معاناة آلاف النساء اللواتي يرتدين الحجاب في ظلّ نظام بن علي ولم تستنكر هذه المنظمات أبداً السياسات المانعة للحجاب.

 على الرغم من أنّ آلاف النساء حُرمن من حقوقهنّ الأساسية، أصدرت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات بياناً عام ٢٠٠٣ للتعبير عن "قلقهنّ العميق حيال انتشار الحجاب في البلاد" وتساءلن عن "مسؤولية الدولة في انتشار هذه الظاهرة". كما أنّهنّ ذكرن أنّ "سياسة الحكومة تجاه النساء ومكانة الدين في المجتمع طموحة وتفتقد إلى موقف سياسي واضح من الحجاب".

غالباً ما تستغلّ الشركات النساء، خصوصاً في قطاع الخياطة والمنسوجات وفق القانون ١٩٧٢. تتقاضى النساء أجراً زهيداً ضمن عقود محدودة في الزمن لجذب المستثمرين الأجانب، ولكنّ قلّما يُسلّط الضوء على هذا الموضوع.

مع ذلك، سارع النشطاء الأجانب والإعلام الغربي إلى الاحتفال بالإصلاحات القانونية التي تمنح النساء التونسيات خيار الزواج من رجل غير مسلم، واعتبروا أنّ هذا الخيار يساهم في تمكين المرأة، ولكن هل تشعر جميع النساء التونسيات بهذا التمكين؟

في الواقع، على الرغم من أنّ إلغاء المرسوم ٧٣ خطوة مهمّة، تغضّ الإصلاحات التي قادتها الدولة الطرف عن مسائل الطبقية وتهمّش كِفاحات أخرى مهمّة للنساء التونسيات مثل عدم إدراجهنّ على جدول الأعمال السياسي وسلبهنّ حلم الظهور في الأخبار الدولية.

في أيار/مايو ٢٠١٧، أطلقت مجموعة من النساء العاطلات عن العمل في سيدي بوزيد، ومعظمهنّ يحملن شهادات عليا، "الحراك النسائي بمنزل بوزيان" وطالبن بفرص عمل وبفرصة الحفاظ على كرامتهنّ.

اعتصمت نساء الحراك أمام البلدية لعدّة أشهر ونظّمن مسيرة من البلدة إلى محافظة سيدي بوزيد (مسافة ٨٠ كلم) تحت شعار "مانيش_ساكتة".

عندما اقترح الرئيس إلغاء المرسوم ٧٣ للمرّة الأولى في آب/أغسطس، اعتصمت ١٨ متظاهرة عن الطعام لأنّ الحكومة لم تكُن تستجيب لمحنتهنّ. لكنّ الإعلام الدولي لم يذكر هذا الاعتصام.

تُعتبر حركة مانيش_ساكتة ذكرى موجعة لمعاناة النساء من عدم المساواة والتهميش والاستبعاد ولكنّ الإصلاحات التي طرأت على عادات الزواج والتي تُعتبر ملفتة دولياً حجبت بشاعة واقعهنّ كلياً.

بالحديث إلى عدّة شابّات يعملن في قطاع الخياطة والمنسوجات في مدينة نابل الساحلية، تذكّرت محنة النساء العاملات. كانت الشكاوى نفسها، فالرواتب أقلّ من الحدّ الأدنى القانوني للأجور والتأمين الاجتماعي غير موجود، وفي بعض الأحيان، تعاني النساء من التحرّش الجنسي في مكان العمل.

يمكن للمرء أن يتفهّم عدم اكتراث النساء العاملات والآلاف غيرهنّ لإصلاحات السبسي إذ تختار النخبة السياسية تجاهل الكِفاحات الفعلية.

يبدو أنّ معالجة مسائل مثل ملكية أراضي المزارعين ووصول النساء إلى الخدمات في المناطق الريفية وتأمين أجر متساوٍ وتحقيق الأمن الوظيفي والتأمين الصحي والكرامة في مكان العمل عناوين لا تلفت بقدر بعض الإصلاحات ذات طابع ديني مثير للجدل.

تُعدّ نابل، على غرار سوسة ومنستير، من المدن الساحلية المحظوظة التي حصلت على تنمية عادلة بين الحقبة السابقة للثورة والنظام الحالي. لكنّ الإهمال كان من نصيب المناطق الجنوبية حيث لم تشمل النساء عملية الإصلاح. ركّزت الحكومة بدل ذلك على استقطاب المسائل لمكاسب سياسية.

إصلاحات إضافية ونهج مستمرّ

قدّمت لجنة الحريات الشخصية والمساواة مقترحات داعمة لإزالة بند المهر من عقود الزواج ولمنح حقّ أخذ إسم شهرة الأمّ أو الأب وتمرير قانون المساواة في الميراث بغضّ النظر عن جنس الوريث.

لم يُكشف بعد عن تفاصيل هذا المقترح. يُعتبر المهر، وهو عبارة عن مبلغ من المال يعطيه العريس إلى العروس لدى توقيع عقد الزواج، رمزياً في تونس. لا شكّ في أنّ المنطق وراء رمزيته مليء بالإشكاليات لأنّه يؤكّد على مكانة الزوج كرأس العائلة والمعيل المالي وينوّه إلى واجبات متوّقعة من المرأة لقاء هذا "المبلغ".

لكن، فعلياً، لا يحمل هذا الفعل أيّ ثقل، سواء قانوني أو غير ذلك، وغالباً ما يُحدّد المهر عند دينار تونسي واحد. ممارسات مؤسسات الدولة هي التي تحدث فرقاً.

أصبحت صفاء، معلّمة في المدرسة الثانوية في تونس، أمّاً مؤخراً. أُبلغت صفاء بعدم قدرتها على تسجيل ابنتها في الصندوق القومي للتأمين الصحي لأنّ الطفل يُسجّل بحسب تأمين الوالد. قالت صفاء: "وكأنّها ابنته أكثر ممّا هي ابنتي".

تميل مؤسسات الدولة إلى وضع قوانين زائفة تحوّل النساء إلى مواطنات من الدرجة الثانية. تضيف صفاء أنّ الوثائق المدرسية الرسمية تحتاج دائماً إلى توقيع الأب. إذا أبرز الطالب توقيع الأمّ على وثيقة، قد يُطلب منه تقديم إثبات عن غياب الأب. 

في الصراع من أجل حقوق المرأة في تونس، غالباً ما يعتقد الناس، خطأً، أنّه صراع بين الدولة العلمانية والمفكّرين الدينيين. تأسّست لجنة الحريات الشخصية والمساواة عام ٢٠١٧ ويبدو أنّها تتبع النهج نفسه. على صعيد تهميش النساء، تتجاهل معظم الإصلاحات دور الدولة وتركّز فقط على التديّن والنزعة المحافظة.

لا شكّ في أنّ القانون  المتعلّق بالعنف ضدّ النساء والذي صدر في تموز/يوليو ٢٠١٧ أحدث ثورة في مجال تشريع حقوق المرأة في العالم العربي ولكنّه سيحتاج إلى تمويل ملائم والتزام لتطبيقه بالكامل.

في غياب الدعم التامّ من مؤسسات الدولة ومن دون إرادة سياسية فعلية، لن يؤثر هذا القانون كثيراً في كِفاحات المرأة اليومية.

صحيح أنّ الإصلاحات التي حصلت كانت ضرورية، ولكنّها يجب أن تكون جزءاً من نهج أكثر شمولية لدمج وتمكين جميع النساء وليس فقط النساء من طبقة أو منطقة معيّنة. بمعنى آخر، يجب أن يضمّ شريحة أكبر لا تقتصر على النساء التونسيات المعاصرات بحسب تعريف الدولة التونسية.

من خلال تجاهل المجال التونسي العام وتعظيم دور السبسي في تحرير النساء، انكشف نهج وسائل الإعلام الأجنبية المستشرق في التعامل مع النسوية التونسية.

ها هي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لكِفاحات النساء تُهمّش وتُنتسى من جديد، وسط تحويل الأنظار الصارخ عن التعديلات المنهجية الواجب تطبيقها لإحداث تغيير ثوري فعليّ.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.