Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

تغيير أجندة التنمية يتطلب إيلاء المزيد من الاهتمام بحقوق الإنسان، لا التقليل منه

أضحت حقوق الإنسان إحدى ضحايا الجغرافيا السياسية في عملية التنمية لما بعد عام ٢٠١٥. ولكن، يمكن لفهم شامل وعابر للحدود لفكرة المساءلة المتعلقة بحقوق الإنسان، أن يغير المسارات في نقاش عفى عليه الزمن. English

ستبدأ الجمعية العامة للأمم المتحدة في وقت لاحق من هذا الشهر مفاوضات حول مضمون أهداف التنمية المستدامة لإنجاح الأهداف الإنمائية للألفية لعام 2015. ولن تقتصر نتائج هذه النقاشات بين الحكومات على تحديد نموذج التنمية المطور في منتديات السياسة العالمية خلال الخمسة عشر عاماً القادمة فقط، لكنها ستصيغ أيضاً أولويات، وسياسات، وقرارات الحكومات المحلية المالية في مجالات التعليم، والبيئة، والإسكان، والصحة، وتغير المناخ، والرعاية الصحية للعاملين.

ومع احتدام النقاش العالمي حول ما يجب أن يحل محل أهداف التنمية الألفية، يدعو كثير من النشطاء إلى نموذج للتنمية المستدامة والذي وصف في النص الأصلي للإعلان عن الألفية بأنه "... يهدف إلى النضال من أجل توفير الحماية الكاملة، وتعزيز الحقوق المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية للجميع في كل بلدان العالم". وحتى الآن، لا يزال العمل على وضع حقوق الإنسان في مركز أجندة التنمية المستدامة، عملا غير منظماً.

فمن جهة، تُعد مسودة أهداف التنمية المستدامة (المتفق عليها في مجموعة العمل بين الحكومات في تموز) بمثابة تطور هائل عن الأهداف الإنمائية للألفية. وبخلاف هذه الأهداف الإنمائية للألفية، والتي هي أساساً بمثابة اتفاق مبرم بين الدول المانحة والدول النامية، فإنه من المزمع جعل الأهداف الجديدة قابلة للتطبيق دولياً، وأن تتصدى للفقر والحرمان في كل مكان، وأن تضع المسؤولية على عاتق كل الدول بشكل فردي وجماعي. إن معظم الأهداف الموجودة في المسودة هي أيضا أكثر انحيازاً لالتزامات حقوق الإنسان. فمثلاً، تلزم هذه المواثيق المتعلقة بالتعليم والصحة الدول بضمان مجانية التعليم الأساسي، وأن يكون ذا جودة عالية وغير تمييزي، وأن يشمل الضمان الصحي الجميع. وتتضمن مسودة أهداف التنمية المستدامة هدفا متعلقا بالحصول على العدالة وهو هدف غائب بشكل واضح في الأهداف الإنمائية للألفية. كما أن المسودة أكثر مراعاة للمساواة، مع التزامات بالمساواة بين الجنسين في عدة قطاعات، وإدراج واضح للأشخاص ذوي الإعاقة والمجموعات الأخرى التي تعاني من التمييز ضدها، إلى جانب تقليص فجوة التفاوت في الدخل داخل الدولة وبين الدول، وهذا الأخير هدف قائم بحد ذاته.

ورغم وجود الكثير مما يمكن أن نحتفي به، يشوب الاقتراحات الحالية بعض مواطن الضعف الأساسية؛ حيث أنها أخفقت في تعزيز المساءلة. تسعى الأهداف إلى تحفيز العمل الجماعي عن طريق جعل  كافة الجهات الفاعلة في التنمية، سواء أكانت خاصة وعامة، مسؤولة أمام التزامات يمكن قياسها كميا. ولكن الفاعلية المحتملة لأهداف التنمية المستدامة باعتبارها أداة للمساءلة قد قوضت بشكل كبير بسبب الموقف الانتقائي والجزئي تجاه حقوق الإنسان المتخذ من قبل حكومات الشمال والجنوب في العملية حتى الآن.

فمن جهة، قاومت العديد من الدول الغنية التزامات منبثقة عن أهداف التنمية المستدامة لكنها أكثر صرامة وقابلية للقياس، وذلك لما لها من آثار سلبية على قوانينها وسياساتها المطبقة خارج حدودها الوطنية، ومثال على ذلك الالتزامات المتعلقة  بالإعانات الزراعية، والحصول على الأدوية الأساسية، والتدفقات المالية غير المشروعة، وإعادة هيكلة الديون، والتنظيم المالي والتي عادةً ما  تؤدي الى تآكل قدرة الدول الأخرى على تحقيق التنمية المستدامة. لقد تمت مجابهة جهود دول مجموعة G77 بالحديث عن الحق في التنمية كإطار عمل شامل يتناول مسؤوليات الدول الغنية عندما تتخطى حدودها الإقليمية. إن أهداف التنمية المستدامة المقترحة تقوم بالقليل فقط في مجال تحميل الاقتصادات والشركات القوية مسؤولية مساهمتها في اللامساواة الهيكلية في الاقتصاد العالمي، والنظام المالي والذي استمر في تغذية الفقر، واللامساواة، والتدهور البيئي مذ تم تبني الأهداف الإنمائية للألفية.

وبدورها، استخدمت العديد من حكومات الدول النامية هذه الازدواجية للاعتراض على إدخال الحوكمة، والتزامات حقوق الإنسان المتعلقة بالنوع الاجتماعي؛ إذ تخشى هذه الدول تكرار المساءلة الزائفة للأهداف الإنمائية للألفية؛ حيث أصبح الامتثال لحقوق الإنسان (خاصةً الحريات المدنية والسياسية) أداة بيد الحكومات المانحة والمؤسسات المالية الدولية لوضع  شروط على تقديم المساعدات.

أصبح هذا الموقف الانتقائي للدول المانحة من موضوع حقوق الإنسان مخرجاَ دبلوماسيا لبعض الحكومات التسلطية والتي بدأت تتساءل عن مدى ارتباط حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية بالبرنامج الرئيسي للتنمية الإجتماعية-الاقتصادية. ونتيجة لذلك، وبعد جدل حاد، تم تخفيف اللغة المستخدمة في مسودات سابقة من أهداف التنمية المستدامة حول حرية التعبير، والتجمعات، والإعلام، والتي تعد شروطا أساسية  للناس العاديين ليحملوا حكوماتهم مسؤولية التزاماتهم بالتنمية. وهذا كان حال الالتزامات المتعلقة بالحقوق الجنسية والإنجابية للمرأة قبل عشرين عاماً في مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية.

هكذا أصبحت حقوق الإنسان بمثابة الشماعة في مشاحنات الجغرافيةـالسياسية حول أهداف التنمية العالمية التالية. ولهذا السبب تتضمن مسودة اهداف التنمية المستدامة القليل جداً من الإشارات الصريحة حول حقوق الإنسان، كما أنها إشارات صامتة على نحو واضح فيما يتعلق بدورها كإطار عمل معياري عالمي  للتنمية المستدامة. في واقع الأمر، لقد اعترف رؤساء مجموعة العمل بأنهم تجنبوا عمداُ استخدام اللغة المعبرة عن حقوق الإنسان صراحة في مسودة أهداف التنمية المستدامة وذلك خوفاً من اعتبارها "مثيرة للجدل" على نحو واسع.

كيف ينبغي للمدافعين عن حقوق الإنسان اجتياز هذه القضايا المستمرة خلال العام القادم؟ حاجج بعض الحلفاء السابقين أن الجدل حول حقوق الإنسان في أجندة ما بعد عام 2015، أصبح سببا لتجنب هذه المسألة كليا، أما نحن فقد توصلنا إلى الاستنتاج معاكس.

نظراً للإجماع الذي كان قائما منذ عقود في الأمم المتحدة حول علاقة حقوق الإنسان بالتنمية، فمن المخجل أن التزامات حقوق الإنسان الموجودة يمكن أن تظل مسيسة وموضع مقايضة، ومدونة بسهولة في منتديات التنمية التابعة للأمم المتحدة. تظهر الحاجة إلى إضفاء ثلاثة تحولات رئيسية في الاستراتيجية إذا ما كنا بصدد تغيير مسار الديْنَمِيَّات الجيوسياسية التي عفا عليها الزمن، والتي تشكل تهديداً يتمثل في تقويض أهداف التنمية المستدامة كمسعى يمكن أن يحدث تغييرا فعليا ويرتكز على حقوق الإنسان.

أولاً، يحتاج المدافعون عن حقوق الإنسان إلى التأكيد على التزامات الدول الغنية باحترام وحماية حقوق الإنسان خارج حدودها الوطنية، وأن يتعاونوا دولياً في سبيل تحقيق ذلك. وهذا الأمر قد يساعد على صياغة "مسؤوليات مشتركة ومتميايزة في الوقت ذاته" بحرفية وذكاء وذلك لكافة الدول فيما يتعلق بكل بند من التزامات أهداف التنمية المستدامة.  يمكن تجنب الجمود السياسي المحيط بهذا المفهوم عبر إرساء هذه المسؤوليات المتفق عليها في أطر العمل المعيارية المفصلة لمواثيق حقوق الإنسان مثل إعلان بشأن الحق في التنمية ومبادئ ماستريخت المتعلقة بالالتزامات الخارجة للولاية الإقليمية للدولة في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

اتخذت بالفعل بعض من أفضل الممارسات والمنهجيات المهمة لوضع هذه المعايير موضع التطبيق. فعلى سبيل المثال، ألغت النرويج الديون السيادية عن أربع دول نامية، بينما التزمت أيرلندا وهولندا مؤخرا بإجراء دراسات تقييمية لتأثير التنمية "غير المباشر" لسياساتهم الضريبية على دخل الشركات. وما لم تستحث أهداف التنمية المستدامة الدول الأكثر ثراءً على حل مشكلاتها، فسوف يتوفر للحكومات الأقل قوة كل الأسباب التي تدفعها إلى عدم الوثوق بخطاب حقوق الإنسان الخاص بها.

ثانياً، يجب على المدافعين عن حقوق الإنسان مواجهة تأثير الشركات على عملية ما بعد عام 2015 وذلك عبر دفع أقوى باتجاه مساءلة الشركات. إن الأهداف الحالية للتنمية المستدامة تقترح دورا مركزياً متزايداً لقطاع الشركات كدافع للتنمية، وتعزيز اللبرلة، والدخول إلى أسواق، وإيلاء تركيز كبير على شراكات متعددة الأطراف مع القطاع الخاص لتحقيق نتائج التنمية. ولكن ليس هناك اعتراف حتى الآن بالأضرار التي تتسبب فيها الشركات في أغلب الأحيان على التنمية المستدامة، سواءاً من خلال  التلوث البيئي، أو التهرب الضريبي واسع النطاق، أو الحرمان من حقوق العمل، أو التواطؤ مع القمع الذي تمارسه قوات الأمن.

إن محاولات لإضافة التزامات أكثر صرامة إلى أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بتنظيم الشركات، وتقييم تأثير حقوق الإنسان، وإعداد تقارير إجبارية حول التقصي اللازم، والشفافية والمساءلة، قد تمت مجابهتها بشدة، مع الإشارة إلى المبادئ التوجيهية المتعلقة بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان المتفرعة عن أهداف التنمية المستدامة. ويمكن للحملة المتصاعدة لدعم معاهدة جديدة ملزمة بخصوص انتهاكات الشركات لحقوق الإنسان، أن تشكل زخماً متجدداً لهذه الجهود المبذولة.

ثالثاً، ينبغي على مجموعة حقوق الإنسان بناء منابر أكثر فاعلية، وتأسيس تحالفات مع حركات التنمية والعدالة الاجتماعية والبيئية، وذلك بهدف إعلاء صوت حقوق الإنسان في هذه النقاشات، ولتجنب الانقسامات والعمل بانعزال حول قضية محددة، وهذه الأخيرة هي الحال التي صبغت  شكل الدفاع عن حقوق الإنسان حتى وقتنا هذا.

من الضروري أن يحافظ كل أنصار حقوق الإنسان على أجندة ما بعد عام 2015، سواءاً التركيز على الوصول إلى المعلومات، أو الحقوق المتعلقة بالماء والصرف الصحي، والمحافظة على على منهج متكامل وشامل يدرك التداخل والترابط بين كل حقوق الإنسان في أبعادها المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والبيئية. ويجب علينا جميعاً ان نتصدى لإغراء التنازلات التكتيكية والتي يمكن لها أن تقبل بإسقاط الإشارات الواضحة لحقوق الإنسان، أو الإدراج الصريح لمجموعات محددة من أصحاب الحقوق الذين لا يجب إغفالهم.

لقد أوضحت النقاشات والاستشارات المتعلقة بالمجتمع المدني طوال العامين السابقين، أن هؤلاء الذين يعانون من الفقر والحرمان، والظلم البيئي على مستوى العالم، يطالبون بأن تكون أجندة التنمية القادم قابلة للتغيير، وقائمة على أساس الاحترام الكامل لكل البشر، وواضعة أيا كان في مواقع السلطة موضع مساءلة. ومع الانتقال من المشاورات إلى المفاوضات، لا بد أن نحرص على تجنب محاولات تقييد مشاركة المجتمع المدني أو جعلها مجرد مشاركة رمزية من الآن فصاعداً، أو إعطاء مصالح الشركات القوية إمتيازات فوق توقعات المواطنين العاديين أثناء العمل على تحديد الاهداف بشكل نهائي. سوف تحتاج المؤسسات الخيرية التي تناقش الآن دورها في عملية ما بعد عام 2015 إلى أن تكون واعية بهذه المخاطر.

دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجموعة جديدة من الأهداف والتي تعكس"¨رؤية مستقبلية بعيدة المدى، عمادها حقوق الإنسان". لابد أن يكون إطار العمل الحالي لالتزامات حقوق الإنسان مرشدا ليس فقط لرؤية أهداف التنمية المستدامة، ولكن لأهداف ومؤشرات التقدم، وتمويلها وتطبيقها، ووضع آليات المساءلة موضع عمل لضمان الوفاء بها. وبينما تصل العملية إلى الجولة الأخيرة الحاسمة، لا يجب أن تقبل جماعة الممارسة العالمية بأقل من ذلك.

About the author

Radhika Balakrishnan is the Executive Director of the Center for Women's Global Leadership, and a Professor of Women's and Gender Studies, at Rutgers University. Ignacio Saiz is Executive Director of the Center for Economic and Social Rights (CESR).

راديكا بالاكريشنان هي المديرة التنفيذية لمركز القيادة العالمية للنساء، وأستاذة الدراسات النسائية والجنسانية بجامعة راتجرز. اجناسيو سايث هو المدير التنفيذي لمركز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (CESR). 

Read On


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.