Skip to content

"من "هذه البصلة سنية" إلى "السنة طيبين متلنا

في فضاء القرية التي ترعرعت بها، كان شتم عمر بن الخطاب وأبي بكر وعثمان أمرا شائعا جدا، إلى درجة أن أطفال القرية يتعلمون تلك المسبات دون أن يدركوا أو يعرفوا معناها تماما. English

Published:
2نوم هانئ copy.jpg
2نوم هانئ copy.jpg

(ينشر هذا المقال ضمن ملف يتناول الثقافة الشفوية في سورية، بالتعاون والشراكة مع موقع حكاية ما انحكت في محاولة لفهم جذور الطائفية والقومية وغيرها في سورية)

حين أكلت جدتي طعم البصل الذي تسبّب في نزول دموعي بسبب حدّة وشدة طعمه الحار، صرخت هي أيضا، وقالت "أوف.. هذه البصلة سنية". وحين لم أفهم معنى كلامها، أوضحت: "هذه البصلة حدّة وحرّة مثل السنة"، وحين لم أفهم بسبب صغر سني (عشر سنوات) تململت من الشرح وقالت: "بس تصير كبير بتعرف لحالك". 

وفعلا حين كبرت عرفت، لكن ليس لوحدي تماما، بل بفعل الكلام المتناثر هنا وهناك في فضاء القرية وفي فضاءات الجلسات المغلقة ذات اللون الواحد، حيث يكون الحديث فيها عن الآخر الطائفي والإثني حاضرا بحرية، فيما يختفي هذا الحديث عند حضور الغرباء، إذ يمتلأ هذا الفضاء بأقوال وأمثال من نوع "تعشى عند السني ونام عند المسيحي"، بمعنى أن السني أكله نظيف وقريب من أكلنا ولكن لا يؤمن جانبه للنوم عنده، في حين أن المسيحي أكله غير نظيف لأنه يأكل الأرنب والخنزير، وهي محرمة عند المسلمين والعلويين، في حين يؤمن جانبه للنوم عنده لأنه لا يقتلك في حين أنه يمكن للسني أن يفعل ذلك وفق الاعتقاد السائد، إضافة إلى عبارات من نوع: "عدو جدك ما بيودك" و"بحياتن ما حبونا ليحبونا هلا"، و"إذا سقط الحكم ليرجعونا على الجبال وليصير الدم للركب"، وتنسب العبارة الأخيرة في الفضاء الشعبي لكتاب الجفر لعلي بن أبي طالب باعتبارها تنبؤ عن المستقبل القاتم القادم، إذ يخاف قسم من العلويين أن تستعاد سيرتهم مع الهجرة والهرب والتخفي، إذ تتناقل الذاكرة جيلا بعد جيل مرويات عن ابن تيمية والعثمانيين (السنة) الذين حلّلوا قتل العلويين وهجّروهم من المدن إلى الجبال.. تعاش هذه الذاكرة كأنها حاضرة، فهي ترمى في سياق الحديث اليومي، وكأنه أمر حصل في الأمس القريب لا الماضي البعيد. ودائما تتبع تلك المأثورات بحوادث ليس معروفا صحتها من كذبها، أن فلانا نام عند عائلة من السنة وفي الليل قتلوه و...