
لافتة من مجلس ثوار صلاح الدين أثناء مظاهرة في منطقة صلاح الدين في مدينة حلب. المصدر: Shahba Press Agency's official Facebook page. تاريخ: 8/11/2013. والصورة تستخدم بموجب سياسة الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابهاهذا المقال ينشر بالتعاون والشراكة مع حكاية ما انحكت
رئتان عربيتان، لطالما تنفس من خلالهما القرن العشرين العربي: الرئة الإسلاموية والرئة القومية. التساؤل عما إذا وَجَد الفكر العربي رئةً ثالثة، متنفساً أو بديلاً معرفياً خرج عن هذين، لهو تساؤل يصعب الإجابة عنه بالإيجاب. بعمومها، كلّ ما صعد من أدلوجات عربية لم تكن لتخرج عن هذين الفضائين. وبالرغم من الصراعات السياسية بينهما، بعض الأحيان الدامية، إلا أنّ وجود كل منهما كان مرتبطاً حتماً بوجود الأخرى. والحال، أنّ راهنية الخراب العربي الحالي، وخاصة المشرقي منه، هي امتداد لذلك الخراب: سقوط الأدلوجة القومية يعني أنْ يعاود العرب تنفسهم من الأدلوجة الأخرى: الأدلوجة الإسلاموية. هذا بالطبع ما لا يمكن إنكاره. وبالفعل، صدق الإسلامويون في هذا. وعلى كلٍّ، تعليقي في هذه العجالة ليس هنا، بل يرتبط بالتزوير المتعمّد من طرف الإسلاميين بلصق الاستبداد القومي العربي بفضاء الحداثة السياسية، وبالتالي العلمانية، والاستمرار بتقديم أنفسهم كبديل لا بديل عنه (لطالما يُستنتج من هذا أنه "بديل بيولوجي"، لماذا؟ فقط لأنّنا عرب، وُلدنا فطرياً في فضاء إسلامي!) يَحلُّ محلَّ الأنظمة السياسية العربية، شريكة الإسلاميين في هذا التزوير.
يقول هذا التزوير الإسلاموي أنّه بسقوط نظام بن علي بدايةً، سقطت معه حاملته الأيديولوجية (تُصوّر على أنها لائكية يعقوبية) التي لطالما اعتملت ديكتاتوريتها، وفق هذا التزوير، بالارتكاز على بنى حداثية. السبحة التي كرّت في بعض البلدان العربية التي حالفها الحظ أثبتت هذا الزعم، بل وأثبتت مصداقية البديل الإسلاموي. صعود الإسلام السياسي في تونس ومصر وصعود الحركات الإسلامية في سورية، التي استلمت بمجملها دفة الصراع ضد طغيان نظام الأسد... الخ كلها اعتُبرت بحد ذاتها مؤشرات على سقوط الحامل الأيديولوجي العلماني العربي (هكذا)، والذي هيكل مرتكزات المستبدين العرب. لقد قام هذا التزوير، بمجمله، على محورين اثنين، الأول: سياسي، بمساواة الاستبداد السياسي للأنظمة العربية بالحداثة الغربية؛ والثاني: يرتكز على الاستفادة مما يمنحه الفضاء الديني، أي اتهام الاستبداد السياسي العربي بكونه استبداد قائم على مدونات تعج بالإلحاد ومعاداة الفطرة التي جُبل العرب عليها (هكذا): الإسلام.