Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

شبح بأظافر مطلية بالأحمر

المعاناة تأكلك ولن تتقيأ فجأة شخصاً عظيماً من حطامك. إنك بائس، وهكذا هو الأمر. والآن ماذا؟

Anas Alkharbotli/Zuma Press/Press Association Images. All rights reserved. June 14, 2017 - Daily life in the Syrian town of Duma amidst the rubble and destruction. The town was the site of several demonstrations at the beginning of the Syrian uprising, and then turned into a battleground between the Syrian government and the opposition. Anas Alkharbotli/Zuma Press/Press Association Images. All rights reserved.الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت العالم خارج حدود الحرب، الثانية بعد منتصف الليل بالتوقيت الشتوي للحرب، إن الوقت هنا لا يخضع للاعتبارات الطبيعية، أو في الحقيقة إنه يخضع للاعتبارات الطبيعية ولا شيء غيرها.

تنام الشمس في النهار الشتوي في الساعة الرابعة، ولا منبع آخر للنور وفي هذه البقعة من العالم في القرن الحادي والعشرين. نجلس جميعاً في غرفة واحدة ونغلق بابها رغم أنّ ثلاثة من أربعة جالسين في الغرفة يعانون رهاب الأماكن المغلقة.

من المضحك أن تعتقد أن الحرب سترأف برهابك هذا، حصتك من بقايا أجدادك وحضارتهم السائلة لا تكفي لتدفئة الأماكن المفتوحة، وعليه نجلس جميعاً في هذه الغرفة، هذه الحصة من الدفء باردة جداً، إنها مغمسة بالإحساس بالذنب العميق، دافئ أنت بينما يموت أطفال بلادك من البرد، يا لنا من كائنات شريرة معدومة الضمير.

ولن أتكلم عن انعدام ضميرنا بإمكانك أن تجد هذه الحقيقة في كلّ مكان وفي كلّ النصوص، الأولى أن أقول لديّ كراهية عميقة لأضواء النيون البيضاء، ولم أكن أعرف أن هناك أسوأ منها قبل أن أجرب السهرات الطويلة على ضوء الليد، تمتد حبال الليد في الغرفة وتنزّ كآبة وبؤساً، كل واحد منا يمسك كتاباً بصيغة ما، ومن يملك مخزوناً من الطاقة في أحد المنابع الالكترونية هو الأوفر حظاً.

أملك مخزوناً لكنني أفضل النسخة الورقية، ولا أدري ما الذي يربطني بالبقعة الأقرب من المدفأة، أحب أن "أتربع" بقربها واستند إلى الجدار البارد، جميلة هي ثنائية الحر والبرد، هناك صوت يصدر من المدفأة كل قليل، يعني هذا الصوت أن المازوت ليس نقياً وهذا آخر ما يهم الآن، في الساعة الثانية بعد القصف لا تعنيك هذه الصرخة المكبوتة.

لا رائحة للبارود في الغرفة، يمكنك أن تشم قشور البرتقال وهي تحترق على وجه المدفأة، وترى باقي القشور تجلس في الطبق على الطاولة منتظرةً أن يقوم أحد الفدائيين بحملها إلى المطبخ.

ستسمع أختي تسأل عن رائحة "الكوي"، وتراني أبتعد قليلاً لأن رائحة الكي هي رائحة آخر بيجاما نجت من الاحتراق وهي تحترق الآن، أريد أن يبقى طبق القشور هنا، ليس كسلاً، رائحة البرتقال هي ألفة الشتاء.

في الشتاء هذا عليك أن تتمسك بالألفة كما كنت تتمسك بذيل ثوب أمك طفلاً، كل شيء غريب ومصمم لجعلك تشعر بالغربة عن نفسك، تعتقد أنك ولدت في عصر التقدم، الناس تغادر إلى كواكب أخرى ونحن لا نستطيع أن ننتقل إلى المطبخ دون تخطيط رحلتك، فليبق هذا الطبق ولينشر الألفة في المكان ما استطاع.

أبي لا يملّ أبداً من تكرار ملاحظاته عن قراءة الكتب الورقية في الإضاءة الخافتة، كنت أفهم هذا التشدد حين كنت في السادسة أما الآن فالأمر يبدو عبثياً، قد تتدحرج رأسي أمامنا في أية لحظة بفعل ما يحدث في الخارج، من أين له هذا الإيمان أني لن أموت قبل أن تهترئ عيناي؟ ظني أن الأمر حكم عادة، فلو فعلت المحظور ونظرت حولك لفهمت قصدي. ما زال هناك نوافذ زجاجية لم تنكسر بعد في الغرفة، هناك شاشة التلفاز والمزهريات والمكتبة والمدفأة، وهناك لوحة فوق رأسي حيث أجلس في مرمى غطاء النافذة الخشبي الثقيل.

إن كلّ هذه أسلحة فتاكة حين تستحيل في لحظة إلى شظايا، لا يريد أبي أن يقتنع إلا بحقيقة واحدة، إنّ ابنته الصغيرة ستشيخ ولن ترتدي النظارة قبل الخمسين، كلّ هذا الموت الواقف على الباب وحقيقة أنني ارتديت النظارة منذ العام الثاني للحرب لا تعنيه في شيء، ابنته تخرّب عينيها بالقراءة الخافتة وهذا أمر مرفوض.

"اجلسي على الكنبة سيؤلمك ظهرك هكذا"، جميلة أمي، لديها قلب ما يزال قادراً على الاهتمام بألم في ظهري، تخاف أمي أن ينحني ظهري، دائماً ما أوصتني أن أفرده مادياً ومعنوياً، إن هاتفها في يدها والنظارة الحمراء على عينيها، جميلة أمي، لكن يسري على تعليقاتها ما يسري على ملاحظات أبي.

انكسر ظهري في العام الثاني للثورة، يوم جاءتني الفجيعة وأنا بعيدة وأعادتني إلى بلادي بشرخ لا يلتئم في الروح، يقولون أن جروح الصغار تلتئم بسرعة، لماذا إذاً لا يكف هذا الجرح عن النزّ كمزاريب الشتاء الصدئة؟ لن تداويني الكنبة يا أمي، لن تداويني.

الساعة الحادية عشرة وجميعاً بدأنا نغفو في أماكننا. لن نصمد في هذه الغرفة أكثر، علينا أن ننتقل للقسم الآخر من المنزل، الأكثر صقيعاً، بعد أن نغسل وجوهنا بالثلج السائل النازل من الصنابير البخيلة وبعد أن نيأس من أن يهدأ القصف وننام ليلة بهدوء.

كيف كانت تبدو طقوس الخلود إلى النوم قبلاً؟ كيف تبدو خارج حدود الحرب؟ هل ينام الناس دون تأجيل غسل الوجه والأطراف للحد الذي لا يحتمل بعده التأجيل؟ هل تحدّد بطارية شاحنة موعد نومهم؟ هل يكرهون الأسرّة الباردة لأن النوم بكنزة سميكة تعذيب وليس راحة؟ أظن أن لا بخار يخرج من أفواههم حين يتبادلون تحيات المساء. هل لديهم طقوس أم أن النوم أسهل عندهم من أن يكون له طقوس؟ لا أدري لكنني أعلم أنها إن وجدت فهي مختلفة عن طقوسنا.

أتعرف هناك معادلة مهمة في ليالي الحرب، عليك أن تجلب النوم قبل أن يشتدّ القصف، قد لا تستيقظ حين يشتدّ وقد تستيقظ، لكنك لن تنام أبداً حين يشتدّ، وبما أنني لا أنفق مخزوني الإلكتروني في "السهرة" فإنني أتجاهل هذه المعادلة، وأندم.

الشباك فوق سريري ينثر الغبار والنحاتة الدقيقة، إذاً عليّ أن أنظف مجدداً في الصباح. هل تتخيل أن عليك تنظيف طبقة سميكة من الاسمنت المفتّت عن كتبك وملابسك كل صباح؟ إنها مهمة سيزيفية لعينة وحقيرة، أتذكر سيزيف في كل تفاصيل أيامي، هل كان سيزيف خبيثاً لدرجة هذا العقاب؟ لقد فضح بذاءة الإله العاهر، وبذاءة الإله ليست مهمة، المهم ألا يتجرأ أحد على فضحها، وهذه العقوبة - على لزوجتها- تشغل بالك عن احتمالات سقوط الشباك بالحائط الذي يحتويه فوقك.

هل تدرك أنّ الحائط ينهار تدريجياً في هذه اللحظة؟ إنك تدرك بالطبع لكنك لا تفكر إلا بالصباح الذي سيحمل واجبات التنظيف من الغبار، من الغبار فقط، وهذه رفاهية في زمن برك الدم الصباحية.

إن القصف يشتدّ والشباك الآن يهتز بعنف، والآن ينفتح، القصة "جد" إذاً. إن شعري مشدود إلى الخلف بحلقة مطاطية، وجهي خالٍ إلا من بقايا كحل مضاد للماء، و أرتدي بيجاما "فوشيا" وأنا لا أحب هذا اللون.

أقوم على عجل، أشعل شمعة رفيعة غريبة الأطوار، يحترق فتيلها قبل أن تحترق، ثمّ أن لا بقايا لها، تتبخر نهائياً وتترك خلفها طبقاً نظيفاً إلا من بقعة سوداء صغيرة، ما هذه الشموع الغريبة؟ حسناً إنها تفي بالغرض وتمنحك قدر ما دفعته ثمناً لها.

ضجيج الخارج أقل رعباً من هدوء الداخل، لكن هذا ليس مهماً الآن، أفكّ الحلقة المطاطية وأفرد خصلاتي، من الصعب تعديل شعري بعد يوم كامل من الأسر، إنه عنيد، مثلي، أصففه وأحتال عليه بالزيوت والبخاخات والملاقط الصغيرة، ولا يبدو سيئاً الآن، قياساً بالإمكانات، أرسم عيني وأحدّد خطاً غائراً في خدي وأطيل رموشي بالمساحيق، أبدو أجمل الآن، وأخيراً تأتي الخطوة الأهم، البرفان، لا شيء أسوأ من امرأة دون هوية "برفانية"، وأسخى كثيراً به.

أرتدي كنزة كحلية وأعود إلى سريري بعد أن أتأكد من أن طلاء أظافر قدمي جفّ تماماً، هذا الطقس كفيل بتجفيفه سريعاً، جفّ الدم في عروقي ألن يجفّ هو؟ سيجفّ.

إن هذا ليس "هبلاً" عادياً لأنه لم ينته بجولة طويلة من البكاء. عدت إلى سريري وقرأت فصلاً إضافياً، فكرت بالأسئلة الوجودية، لا ترتبط هذه الأسئلة بالوجود عموماً إنما بوجودي في هذه اللحظة تحت هذا الشباك البليد في هذه البقعة من العالم حيث لا ينام المتحاربون ولا يتجمدون، لعنت الغبار ورائحة البارود ثم نمت.

ما يرعبني في الحقيقة هو أن أموت في هذه الساعة، ليس الموت بحد ذاته هو ما يرعبني بل على العكس تماماً، ما يرعبني هو ألا أتلاشى بعد الموت، أن أخلد ببيجاما "فوشيا" وبقايا كحل ضد الماء، يرعبني أن أخلد بخصلات مشدودة إلى الخلف بحلقة مطاطية، ترعبني فكرة الصداع الأبدي، ولا يمكن أن أخلد بشبح دون برفان وطلاء أظافر مثالي، على القدمين أقلها حيث أن أظافر يدي حكاية أخرى تماماً.

يكفيني أن شبحي سيجوب ممرات هذا المنزل الذي أكرهه، أقلها يكتشفني أحد الأطفال بكنزة كحلية وخصلات مرتبة منسدلة، قياساً بالإمكانات، وسيشم هويتي البرفانية بوضوح حيث لا تشتته بقايا كحل مضاد للماء ولا كنزة فوشيا قبيحة، سأمنحه الكثير من قبلات الفراشة برموشي الطويلة، سيحبني هذا الطفل، ولن أحكي له عن الحرب، سأقص عليه أول فصول "زمن الخيول البيضاء" وسيحبه، سيحبني هذا الطفل.

صباحاً سأستيقظ، لم نمُت إذاً. يا إلهي ما هذه القدرة العجيبة على الغناء لدى هذه العصافير الغبية؟ علمونا في المدرسة أن الطيور تهاجر شتاءً، هاجروا يا أخي، هو "حد يطول" في هذه البلاد أن يهاجر دون فيزا أو بلم؟ هاجروا ودعوني أنام ساعة واحدة إضافية. لن يهاجروا، يغردون دون ملل كأن ما حدث في الليلة الماضية هو عزف هادئ لشتاء الفصول الأربعة، وكأن بقايا الاشتباك في الخارج لا تعنيهم، أنا أكره العصافير.

أغسل وجهي بالماء المتجمد ذاته، يقولون إنه يقبض المسامات الواسعة، لقد قبض قلبي وليس فقط مسام وجهي. أجمع الغبار وقطع الإسمنت الصغيرة، حجم القطع يدل على قوة الاشتباك، كان متوسّطاً. أنزع الغطاء عن الوسادة إنه يبدو كلوحة سريالية مثيرة للشفقة، النوم بوجه مطلي بالكامل ليس خياراً حكيماً، لا يتوقف الأثر عند الغطاء الوسادة أيضاً تبقعت بالكحل والمساحيق، اغسلها لن ارميها لا أستطيع النوم على سواها، إنها رقيقة ورؤوفة بأرقي ورقبتي، لا يهم لونها الآن.

"بحبك ويسعد الله هالضحكة بتحرر أسرى بتحمس ثوار"

هاتفي يغازلني صباحاً مشتتاً ذهني عن هذه العصافير المستفزة المليئة بالحياة، أكره حقاً العصافير.

هنا تواسي نفسك بجحيم دوستويفسكي والسنين الأربعة التي قضاها في الشغل الشاق. ولا تخدع نفسك، إنك لست دوستويفسكي وهذه المعاناة تأكلك ولن تتقيأ فجأة شخصاً عظيماً من حطامك. إنك بائس، وهكذا هو الأمر. والآن ماذا؟

الآن يبدأ نهار آخر من نهارات الحرب، ليس نهاراً جديداً، لا جديد في الحرب، وإن غيّر الوجع أشكاله.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.