Print Friendly and PDF
only search openDemocracy.net

نقطة اللاعودة: كيف غيّرت الحكومة المصرية والرأي العام معالم إرث الألتراس؟

هذا الجزء الأخير من أربعة أجزاء عن هواة كرة القدم في مصر وكيف تحوّلوا من مشجّعين إلى "إرهابيين". English

Mohammed El Raai/AP/Press Association Images. All rights reserved. Mohammed El Raai/AP/Press Association Images. All rights reserved.

في شهر مايو 2015، أصدرت محكمة الأمور المستعجلة في القاهرة حكماً مثيراً للجدل قضى بالمنع الفعلي لنشاطات مجموعات الألتراس المشجّعة لكرة القدم، من دون استثناء.

وكان الأغرب قرار المحكمة باعتبارهم "منظمة إرهابية" وهو تصنيف يُترك عادة لمرتكبي أفظع وأشنع الجرائم وفق معايير الدولة. وفي غضون دقائق في ذلك اليوم، جُرّمت جميع النشاطات المتعلّقة بالألتراس.

وانتشر قرار المحكمة في جميع أنحاء مصر وتردّد صداه بين الشباب المستنفرين الذين صدمهم استياء الحكومة الواضح من معارضتهم. فاعتُبرت مجموعة كانت فاعلة في التظاهرات الثوروية التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك الفرعوني الحكم خطراً إرهابياً.

وما كان من المجتمع الذي أرهقه اقتصاد شديد الضعف وتظاهرات وتداعيات ثوروية إلّا أن صدّ مجموعة "الألتراس" فوراً.

بذلك، تداعى إرث كان مجبولاً بالبطولة والخلافات والشهادة على مرّ أربعة أعوام.

اجتياز نقطة اللاعودة

على الرغم من أنّ الحكم الذي صدر عام 2015 شكّل لحظة محورية في تغيّر شعبية الألتراس، لم تكُن هذه بداية تراجع المجموعة إذ أنّ انهيارها كان قد بدأ منذ أشهر. وما ظنّه الجميع سقوطاً مفاجئاً كان بالفعل انحطاطاً بطيئاً في الأفكار وتفكّكاً تدريجياً في وحدة الصفّ.

في الأعوام التي عقبت الربيع العربي، ارتبط إسم الألتراس بالتخريب والتحريض على العنف بسبب تورّطهم في مشاجرات غير مستحسنة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ مصطلح "ألتراس" ينطبق على مجموعات مختلفة في مصر ولا يدلّ بالضرورة على كيان موحّد. وعلى الرغم من أنّ الألتراس أهلاوي هو الفصيل الأشهر من بين مجموعات مشجّعي كرة القدم المتطرّفين، يمكن ربط أكثرية المشاكل التي أُثيرت في الأعوام الماضية بالألتراس "وايت نايتس" أي مشجّعي نادي الزمالك المصري لكرة القدم.

برز الانقسام في صفوف الألتراس عندما قُتل 19 شخصاً خارج إستاد كرة القدم في القاهرة خلال اشتباكات في 8 فبراير. مات معظم الضحايا اختناقاً لدى تدافع حشد من مشجّعي كرة القدم للهروب من الغاز المسيل للدموع الذي كانت القوى الأمنية ترميه. وكان جميع القتلى من الألتراس "وايت نايتس."

أعاد هذا الحدث المأساوي إحياء ذكريات رهيبة، وتحديداً مجزرة بورسعيد التي قُتل فيها 72 مشجّعاً من الألتراس أهلاوي في عام 2012. وأشار الألتراس "وايت نايتس" إلى الحدث بالـ"مجزرة" على يَد القوى الأمنية على صفحتهم على فايسبوك وكرّموا الشهداء الذين سقطوا. وبعد فترة وجيزة، أصدر النائب العام قراراً باعتقال قادة الألتراس "وايت نايتس" بموجب التحقيق.

أفادت وزارة الداخلية لموقع رويترز أنّ "أعداداً هائلة من مشجعي نادي الزمالك تهافتت إلى إستاد الدفاع الجوي لحضور المباراة وحاولت اقتحام الإستاد، ما دفع القوى الأمنية إلى التدخّل لردع المشجّعين عن استكمال الهجوم."

وفي وقت لاحق، حُكم بالسجن على 16 عضواً من الألتراس قيل إنّهم تابعين لجماعة الإخوان المسلمين.

وبطبيعة الحال، زاد قرار النيابة العامة بإعدام قادة الألتراس الطين بلّة بين الشباب. وانطلقت التظاهرات والهجمات، ما أدّى إلى تزايد الانتقادات للمجموعة والاعتراضات عليها.

وساءت الأمور أكثر بعد عندما ادّعى رئيس نادي الزمالك المصري مرتضى منصور الذي يُعتبر شخصية جدلية وداعمة للجيش أنّ أعضاء الألتراس "وايت نايتس" حاولوا قتله ومنعوه من الدخول إلى مقرّ النادي. ونزولاً عند طلب منصور، صُنّف الألتراس كمجموعة إرهابية.

الألتراس كإرهابيين

من الواضح أنّ الحكومة المصرية والدكتاتورية العسكرية المحتمة تؤيّدان قرار تصنيف كلّ مجموعات الألتراس كإرهابية من دون تفريق.

وعلى الرغم من تشرذمهم وتفكّكهم بعد الربيع العربي، مثّل الألتراس قوة ذات ثقل في معارضة الحكومة ساعدت في الإطاحة بنظام كان قائماً لثلاثين عاماً. وفي وضع حدّ لشرعية الألتراس كمجموعة سلمية معارضة، دُمّرت فرصة الشباب الوحيدة بالتعبير عن انزعاجهم وسخطهم.

لطالما كانت الحكومة المصرية تخاف من المجموعات المعارضة التي لا تستطيع ضبطها أو فهمها. وخلال حقبة مبارك، كان الألتراس يُعتبرون كياناً مجهولاً لديه قدرات خطيرة بسبب جبهته الموحّدة وتمويله المنتظم والأعداد الشبابية الكبيرة فيه.

وعلى مدى عقود، حُظرت تجمعات غير مُباحة بموجب الحكم العرفي وكانت الدولة تراقب النشاطات السياسية وشباب البلاد عن قُرب لرصد أي محاولات إثارة فتنة أو ثورة. ولدى رؤية مجموعات الألتراس خلال مباريات كرة القدم، تحوّل الذعر الذي تشعر به الدولة إلى عنف في سلوك الشرطة.

ومع حلول عام 2016، تصاعد قمع الحكومة للألتراس الذين كانوا يوصفون بالثوار سابقاً. وفي شهر يوليو، اعتُقل 20 عضواً في الألتراس "النسور الخضراء" في بور سعيد بعد أن سُمعت أناشيدهم ضدّ الشرطة والدولة.  

في شهر أكتوبر، اعتُقل 48 عضواً من الألتراس "وايت نايتس" خارج محطة قطار الإسكندرية قبل مباراة لكرة اليَد. ولم يُعطَ أيّ سبب لتبرير اعتقالهم. وبعد أقلّ من أسبوعين، اعتُقل 56 عضواً آخر من الألتراس "وايت نايتس" بتهمة الدخول إلى المباراة ببطاقات مزوّرة. 

في محاولة لتفسير القمع المستمرّ، قالت داليا عبد الحميد، باحثة اجتماعية متخصّصة في مجموعات الألتراس: "واجه الألتراس العقاب تماماً كسائر المجموعات الأخرى التي شاركت في الثورة، سواء كانت من الناشطين أو الصحافيين أو المجتمع المدني، ولكنهم تحمّلوا أقسى الظروف إلى جانب الإخوان المسلمين كمجموعتين تعرّضتا لمجازر فعلية." 

وعلى الرغم من الثورة والإطاحة بنظامين في ظرف ستة أعوام، لا تزال الدولة المصرية تعتمد إستراتيجية التخويف والذعر الثأري كسابقاتها المنكوبة، ويبدو أنّها ستحرص على أن يعيد التاريخ نفسه.

إرث معقّد

خلال خطاب في دار الأوبرا في القاهرة في شهريناير 2016، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سنة 2016 "سنة الشباب". وكُرّس الحدث لإطلاق "بنك المعرفة المصري" وهو مشروع مكتبة رقمية دولية تهدف إلى تثقيف المواطنين المصريين.

وذكر الضابط العكسري السابق أهمية تطوير الرياضة لشباب مصر وعبّر عن ضرورة تعزيز المشاركة في المسابقات الدولية. وقد أثّر الخطاب في الأشخاص الذين تقبّلوه دون تمحيص.

ولكن، كما أثّر الخطاب في البعض، لم يعره آخرون أيّ أهمية مثل مشجّعي الألتراس الذين مُنعوا من دخول الإستادات والمشاركة في المجتمع. لم يذكر السيسي اتحاد كرة القدم المصري المضطرب أو مشجعيه الممتعضين. ووعد خطابه ببناء مجمعات لكرة القدم ورفع مكانة الدولة من خلال المشاركة في مباريات دولية ولكنه تجاهل المشاكل الجوهرية التي تثقل كاهل الشباب في البلاد.

وعلى الرغم من استمرار تظاهرات الألتراس ومقاومتهم للقمع العنيف، تراجعت قاعدتهم الشعبية وانطفأت شرارة جاذبيتهم وتمرّدهم. واعتبر كثيرون أبطال ثورة 25 كانون الثاني/يناير بلطجيي مصر تحت حكم السيسي.

لم يكُن فقدان الألتراس لشعبيتهم وليد اللحظة وإنّما يمكن تعقّبه في لحظات أساسية في مسيرتهم منذ عشرة أعوام. فعزمهم على المشاركة في تظاهرات غير سلمية بعد الثورة هو أحد أبرز الأسباب التي سرّعت تقهقرهم.

وقد سمحت نشاطاتهم لشخصيات بارزة في القطاع السياسي والإعلامي مثل ]رئيس نادي الزمالك المصري مرتضى منصور بالتهجم عليهم بسبب تعجرفهم المزعوم وبقلب الرأي العام ضدّهم.

ومع حلول عام 2015، لدى صدور الحكم بتصنيف الألتراس كمجموعة إرهابية، قليلون دافعوا عنهم، لا بل رحّب البعض بهذا التصنيف، غير مدركين أنه ينتهك حقوق الإنسان الأساسية أو غير متفهّمين لذلك. 

نتيجة تاريخهم العاصف، اكتسب الألتراس إرثاً معقّداً. انطلقوا كمجموعة غير سياسية تضمّ مشجّعي كرة القدم المتحمّسين الباحثين عن منبر للتعبير عن رأيهم. وحوّلتهم الاشتباكات المستمرّة مع الشرطة إلى رمز المواجهة والمعارضة بالنسبة إلى القوى الحكومية المستبدّة.

وعند تصاعد الاضطرابات بين حكومة مبارك والمجتمع المدني بشكل عام، شكّل الألتراس عمود الأساس للمقاومة الشبابية. وخلال ثورة 2011، بدأت المجموعة بالتأثير على المشهد السياسي في مصر.

في أعقاب الثورة، كُرّم الألتراس كأبطال وشهداء. وأثبتوا مكانتهم في المجتمع المدني وطالبوا بإيصال صوتهم. ولكن، بعد ستة أعوام على نقطة التحوّل تلك في التاريخ المصري، يمكن القول إنّ المجموعة عانت الأمرّين، فكانت ضحية مجزرتين ودفنت عدداً كبيراً من الوفيات وشاركت في تظاهرات جمّة ونُفيت من الرياضة المصرية والحياة السياسية والاجتماعية. نعم، هذه مكافأة التضحية في السياسة المصرية. 

يشهد تاريخ الألتراس على أنّهم كانوا حركة سياسية اجتماعية مذهلة انبثقت من شغف بلعبة كرة القدم في مصر، ولكن هل ستخلّد الذاكرة المشاغبين المتمرّدين الذين زعزعوا الأمن في المجتمع أو ستُحفر في الأذهان أسماء المشجّعين الذين ماتوا دفاعاً عن بلادهم ومستقبلهم؟

هذا سؤال لا يستطيع أحد الإجابة عليه، حتى الألتراس أنفسهم. ولكنّ الأمر الوحيد المحتّم، على حدّ قول أحد أعضاء المجموعة:

وعدنا ليكم إننا هنبقى بالشارع.


We encourage anyone to comment, please consult the
oD commenting guidelines if you have any questions.